الفيضانات تنشر الأوبئة في عدن

اختلال النظام المائي وإهمال السلطات المتعاقبة
محمد راجح
May 2, 2020

الفيضانات تنشر الأوبئة في عدن

اختلال النظام المائي وإهمال السلطات المتعاقبة
محمد راجح
May 2, 2020

لم تشهد عدن مثلَ ما تمرّ به حالياً من معاناةٍ شديدةٍ اجتمعتْ فيها النزاعاتُ المسلحة والفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة، التي هطلتْ على المدينة مؤخراً. هذا الوضع الكارثي نتج عنه تفشّي مجموعةٍ من الأوبئة، في طليعتها "حمى الضنك" و"المكرفس" و"الملاريا"؛ ليأتي كورونا بخمس حالاتٍ دفعةً واحدةً، حسبما أعلنت وزارة الصحة، التابعة للحكومة المعترف بها دولياً.

وفي ظلّ انتشار الأوبئة واستمرار الانقسام السياسي بين الحكومة المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي الجنوبي، تتوالى النكباتُ على المدينة وسكانها؛ فيما يتركز اهتمام السلطات المنقسمة على قضاياها الخلافية، التي لم تدخل ضمنها قضايا المواطنين في مواجهة الكوارث الطبيعية والأوبئة.

  مواطنٌ من سكان منطقة الشيخ عثمان قال لـ"خيوط"، في اتصال هاتفي: "نمرّ بأوقاتٍ عصيبةٍ، ونعيش وضعاً مأساوياً، ولم يعد في عدن مناطقُ راقيةٌ وأخرى مهمّشة؛ فالكل سواء بسواء، تجتاحنا الفوضى، ونعاني الإهمال، وأصابنا التهميش، واستفْحل فينا المرض".

ارتفعت نسبةُ الوفيات في عدن؛ لكن لا توجد أرقام لأعدادهم لدى الجهات المعنية، نتيجة عدم الاهتمام بالبنية الإحصائية التي من خلالها يمكن الوقوفُ على حجم الكارثة

    كما أفادت "خيوط" مصادرُ محليةٌ متطابقةٌ أن مستشفياتِ عدن ومراكزَها الصحية تعجّ بالمرضى من مختلف الأعمار؛ فيما لا تحرك "الجهاتُ المعنية" ساكناً إزاء هذه الظاهرة، التي باتت ملحوظةً للجميع، مؤخراً.

    وحسب الأكاديمي في جامعة عدن د. يوسف سعيد أحمد، فإن اهتمام السلطات الصحية تركّز على الإصابات بفيروس كورونا "ربما بسبب تركيز الإعلام العالمي على خطورة كورونا، ولوجود دعمٍ دوليّ"، لافتاً إلى أن هناك صورةً أخرى للكارثة في اليمن، وفي عدن على وجه الخصوص.

  ومع تردّي الخدمات، استفحلت الأوبئةُ المصاحبة للحرب، بالتوازي مع انهيار القوة الشرائية للعملة الوطنية. كما انهارت، تبعاً لذلك، قدراتُ الناس المعيشية، وأصبح الكثيرُ من أصحاب الدخول الثابتة، والعائلاتُ الأشدُّ فقراً، عاجزين عن تحمّل نفقات الاستطباب وشراء الأدوية.

  ويلفت الدكتور يوسف إلى أن نسبة الوفيات ارتفعت في عدن، بسبب عدم قدرة الكثير من المرضى على تحمّل نفقات التداوي، منتقداً عدم توفر إحصائياتٍ رسميةٍ يمكن من خلالها معرفة حجم الكارثة التي حلّت بالمدينة.

لا إجابات

  باحثون ومراقبون ومواطنون تحدثوا عن الوضع الصحي في عدن، مؤكدين تفشي أعراض ارتفاع درجة الحرارة وآلامٍ شديدةٍ في المفاصل لدى أعدادٍ كبيرةٍ من المواطنين، وأن من يتم نقْلُهم إلى المستشفيات لا يجدون في الغالب تشخيصاً مؤكداً وحاسماً لهذه الأعراض؛ ذلك أن إجابات الأطباء وأخصائيي المختبرات، المستخلصة من الفحوصات، تتباين ما بين "التيفوئيد"  و"الملاريا" و"المكرفس"، وهو دليل على ضعف القدرة على التشخيص الطبي السائد في اليمن عموماً.

   وارتفعت نسبة الإصابات بين السكان على إثر الأمطار والفيضانات التي شهدتْها عدن، خاصةً مع بقاء المياه راكدةً في بعض الشوارع والأزقة، وانعدام عمليات الرش والردم للمستنقعات التي خلّفتها السيول. وهذا الإهمال، منه ما هو ناتج عن ضعف القدرات والإمكانيات لدى الجهات المعنية، ومنه ما يُمْكن إرجاعُه إلى غياب الخطط وضعف كفاءة التشغيل للمؤسسات الرسمية.

  ويقترح الدكتور يوسف سعيد "حلولاً عاجلةً" تتمثل في قيام وزارة الصحة ومكتب الصحة في عدن بتنظيم "حملاتٍ لمواجهة هذه الأوبئة، وتوفير العلاج المجّاني للناس في المراكز الصحية"، إضافة إلى تكثيف دور السلطة المحلية والجهات الحكومية المعنية بالنظافة، وتخصيص حملات تنظيفٍ وتعقيمٍ يشترك فيها ممثلو القطاع الخاص والقطاع المدني، خاصةً وقد أُعلنتْ عدن رسمياً "منطقةً منكوبة".

وكانت الحكومة المعترف بها دولياً أعلنت، منتصف أبريل/نيسان 2020، مدينةَ عدن "منطقةً منكوبةً"، بعد تعرضها لأمطارٍ غزيرةٍ وسيولٍ جارفةٍ أغرقتْ معظم أحيائها، وتسببت بأضرارٍ بالغةٍ في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.

تكالبت مجموعةٌ من الأزمات على عدن، من فيضاناتٍ وأوبئةٍ وانهيار خدمة الكهرباء؛ فيما تسود الفوضى والارتباك، نتيجة انقسام السلطات الرسمية التي يتوجب عليها التعاملُ مع هذه الأزمات

هذا ما تشهده عدن

  وتسود عدن حالةُ ارتباكٍ مقلقةٌ في التعامل مع أخبار وشائعات انتشار فيروس كورونا، على حدٍّ سواء؛ فيما يلعب عجزُ التشخيص دوراً إضافياً في انتشار الذعر والهلع في أوساط المجتمع، في ظل ازدواجية السلطات الصحية، التي تتولى إدارة الأزمة، ما بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن –مؤخراً- "الإدارة الذاتية" لعدن.

ونشر ناشطون مقطعَ فيديو، تأكدتْ منه "خيوط"، أفادوا بأنه لأهالي بلوك (31) في المنصورة، من أمام منزل مواطنٍ توفّي في 27 إبريل/ نيسان 2020، مع أخيه؛ إذ تم نفْيُ وفاتهما بفيروس كورونا، وتأكيد الوفاة بوباء "المكرفس". كما أظهرت وثائق لفرق الاستجابة السريعة والترصد الوبائي، اطلعتْ عليها "خيوط"، أن الحالتين في بلوك (31) بالمنصورة، إضافة إلى حالةٍ ثالثةٍ في منطقة "إنماء"، كان سبب وفاتها "حمى الضنك" و"المكرفس".

  ودار جدلٌ عن سبب وفاة هذه الحالات الثلاث في عدن، فيما أعلنت وزارة الصحة التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، الخميس 30 أبريل/نيسان 2020، وفاة حالتين من الحالات الخمس التي أُعلن عن إصابتها بفيروس كورونا، الأربعاء.

  ومساء الأربعاء 29 أبريل/نيسان 2020، أفادت "خيوط" مصادرُ مطلعةٌ بأن رَجُل أعمالٍ توفّي بعد أن رفضتْ عددٌ من مستشفيات عدن استقباله؛ بينما توفي مواطنٌ آخر في كريتر، أقدمِ أحياءِ عدن، بمرضٍ غامضٍ لم يتم تشخيصه، حسب إفادات نشطاءَ يعملون في الرصد الصحي.

  كما أفاد النشطاءُ "خيوط" عن حالاتٍ لمواطنين، أصيبوا بأعراض ارتفاعٍ شديدٍ في درجة الحرارة وضيقٍ في التنفس، رفضتْ مستشفياتٌ ومراكزُ طبيةٌ في المدينة استقبالهم، بسبب محدودية الكادر الطبي وشحة أجهزة التنفس الصناعي، ومحاليل الفحوصات اللازمة للحالات. 

  وتكالبتْ مجموعةٌ من الأزمات على المدينة، من فيضاناتٍ وأوبئةٍ وانعدام الكهرباء، فيما تسود الفوضى والارتباك، نتيجة انقسام السلطات الرسمية التي يتوجب عليها التعامل مع هذه الأزمات.

  وحذرت منظمة الصحة العالمية والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة،  والسلطات المعنية والمتعددة في اليمن، من خطورة التستر على الحالات المشتبهِ إصابتُها بفيروس كورونا. وأعقب هذا التحذيرَ إعلانُ اللجنة الخاصة بالأوبئة، التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، عن تأكيد إصابة خمس حالاتٍ بفيروس كورونا في عدن، وحالتيْ وفاة يشتبه بأنها ناتجةٌ عن الفيروس.

عوامل الانتشار

  وحذرت، الثلاثاء 28 أبريل/نيسان 2020، منسقة الشؤون الإنسانية في اليمن، ليز غراندي، في بيانٍ، من أن "كل العوامل المساعدة لانتشار كـوفيد-19 موجودةٌ في اليمن". وتتمثل هذه العوامل، وفقاً للمسؤولة الأممية، في مستويات المناعة المنخفضة، والمستويات العالية من الضعف العام، وهشاشة النظام الصحي المثقل أصلاً.

   ونقل موقع أنباء الأمم المتحدة تحذير "وكالات الأممية" "من احتمال انتشار الفيروس بالفعل، دون أن يتم اكتشافه؛ وهو ما يزيد من احتمال حدوث زيادةٍ في الحالات التي قد تطغى بسرعة على القدرات الصحية".

  ودعت غراندي إلى "ضرورة إعلام الناس بدقةٍ وبسرعةٍ حول ما يحدث، حتى يتمكنوا من القيام بما هو ضروريٌّ لحماية أنفسهم وأسَرهم".

  كما نقل موقع أنباء الأمم المتحدة، عن ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، ألطف موساني، قوله إن "العديد من البلدان تمكنت من إيقاف انتشار المرض نتيجة لإخبار الناس به وتحذيرهم منه، إضافة إلى وجود إجراءات الفحص والتتبع والعزل. وتماشياً مع اللوائح الصحية الدولية (المادة السادسة)، فإن الإعلان عن أي تهديدٍ محتملٍ للأمن الصحي العالمي وإدارته، بما في ذلك الأمراض، هو مسؤوليةٌ تقع على عاتق السلطات الوطنية".

تكشف دراسةٌ جيولوجيةٌ قديمةٌ عن خللٍ كبيرٍ في نظام تصريف المياه في مدينة عدن، لم تعالجه السلطاتُ المتعاقبة على المدينة منذ العام 1991، حين شهدت فيضاناتٍ مماثلة.

  وحسب الموقع، عن مسؤول أممي، فإن الأمم المتحدة "تواصل، وشركاؤها العاملون في الخطوط الأمامية، الدعوة إلى اتخاذ الخطوات اللازمة وتوفير الإرشاد، والتنسيق مع السلطات الصحية ودعمها لوقف الانتشار، وإعداد وتجهيز المستشفيات ووحدات العزل الخاصة بكـوفيد-19، وتأمين الإمدادات، وتحديد ومعالجة الأشخاص المصابين بالفيروس، وإبلاغ الجمهور عن الفيروس وكيف يمكن للناس حماية أنفسهم".

الكشف عن سبب الفيضانات

  فجّرت الفيضانات، التي اجتاحت عدن مؤخراً، كل هذه الأزمات، خصوصاً المتعلقة بالأوبئة والإهمال والفوضى؛ بينما فاقمت من أزمة الكهرباء المتردية في المدينة الجنوبية من اليمن.

  لكن ما هي أسباب هذه الفيضانات التي لم تقترب السلطاتُ المتعاقبة على مدينة عدن منذ العام 1991، حين تعرضت المدينة لفيضاناتٍ مماثلةٍ، من تشخيصها ومعرفة أسباب غرق المدينة بالسيول ومياه الأمطار، بين فترة وأخرى؟

  تكشف دراسةٌ، اطلعت عليها "خيوط"، أعدها المهندس عبده عثمان غالب، عن تفاصيل "خللٍ كبيرٍ" في النظام المائي لمدينة عدن، والذي يؤدي إلى هذه الفيضانات وتراكم المياه في أحياء وشوارع المدينة.

  وكان المهندس غالب أجرى مسوحاتٍ ودراساتٍ أثريةً للنظام المائي القديم في 1996– 1997، بتمويلٍ من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، بهدف تأهيل هذا النظام بموجب نتائج الدراسة.

  وشملت الدراسةُ أعمالَ الكشف والوصف والرسم والتصوير لعناصر النظم المعمارية وإسقاطها على الخريطة الطبوغرافية المرسومة لمنطقة كريتر؛ حيث وجدتْ معلقةً في عوارض جبال هضبة "الطويلة" و"الخساف" و"الجبل الأخضر"، أو في بطن الأحواض السفلى في المدينة. وفي الوقت نفسه، قام هذا المهندس الجيولوجي بدراستها دراسةً أثريةً تحليليةً، ورسْم مخططاتٍ هندسيةٍ لها، اعتماداً على الأدلة والشواهد الأثرية التي تَمكّن من العثور عليها وتتبُّعها والتحقيق فيها، وذلك لتقريب صورتها ونمط تصميماتها الهندسية وعلاقتها ببعضها.

  وتفيد الدراسة بأن النظام المائي القديم في مدينة كريتر كان يتكون من عددٍ من منظومات تجميعٍ وتوزيعٍ لمياه المطر، أهمها وأكبرها منظومات حوض "وادي الطويلة"، وأن "العناصر المعمارية، التي يتكون منها هذا النظام، هي عبارةٌ عن خزاناتٍ كبيرةٍ ومتوسطة الأحجام، وأحواضٍ وحواجزَ مائيةٍ، ومصافٍ لتنقية المياه، وقنوات التجميع والتوزيع للمياه بُنيتْ متصلةً بمجموعات هذه العناصر المعمارية جميعها، بعضها معلقٌ في عوارض الجبال لتتلقف ماء المطر، والبعض الآخر مبنيٌّ في بطن الأودية وفي المدينة، ووظيفتها استقبال المياه التي يتم تجميعها في الخزانات المعلقة وتحويلها إليها".

  كما يضم هذا النظام "قنواتٍ بُنيتْ متصلةً بالخزانات والأحواض والحواجز التحويلية ومتعامدةً معها، وكان لها وظيفتان؛ الأولى هي تلقف المياه التي تسيل من الجبال وتوجيهها الى الخزانات، والوظيفة الثانية هي استقبال المياه التي تفيض من الخزانات المعلقة في المستويات العليا في الجبال، وإعادة توزيعها على الخزانات التالية بالتتابع، بواسطة شبكاتٍ من القنوات الرئيسية والفرعية" .

  وتعرف هذه الخزانات والأحواض بصهاريج عدن، التي تعرض معظمُها للطمْر، وطالتها استحداثاتُ البناء العشوائي، خلال السنوات الخمس الماضية.

  وكان هذا النظام تعرّضَ لدمارٍ كبيرٍ في الماضي ولا يزال التدميرُ مستمراً حتى اليوم؛ حيث اختفت غالبية عناصره المعمارية من واجهات الجبال والأودية، مثل وادي الطويلة ووادي العيدروس ووادي الخساف. وفي داخل أحياء المدينة عددٌ صغيرٌ منها هي التي بقيت؛ لكنها لا تصلح حاليا للاستخدام، بما فيها الخزان الدائري الكبير، وسط حوض وادي الطويلة، إذ كان يحتاج إلى ترميم وإعادة تأهيل . 

  وكانت الدراسة خلصتْ بمجموعة توصياتٍ ومخططاتٍ لإعادة تأهيل نظام تصريف مياه الأمطار لحماية المدينة وسكانها من مخاطر الفيضانات. وسُلّمت الدراسة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحد بصنعاء، ولهيئة المدن التاريخية في صنعاء، للعمل بما تضمّنتْه في إعادة التأهيل للنظام .

 ويقول المهندس غالب: "للأسف، لم يتم العمل بما أوصت به الدراسة من ضرورة الاسراع بإعادة تأهيل النظام بموجب المخططات التي احتوتها الدراسة في حل هذه المشكلة التي تواجها عدن".

•••
محمد راجح

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English