لا عيدَ لعُمّال اليمن ولا حياة

بين "الذكريات الجميلة" وحاضرٍ يسرق العمر
علي الضبيبي
May 1, 2020

لا عيدَ لعُمّال اليمن ولا حياة

بين "الذكريات الجميلة" وحاضرٍ يسرق العمر
علي الضبيبي
May 1, 2020

   لا فرحةَ أبداً في صدر عبد الله مهيوب (50 سنة)، سوى رؤية الغيوم والأمطار التي تنسكب على الحقول في موسمها هذه الأيام.

   هذا العامل، الذي رفض التصوير، يعمل في مهنة "وقِيص الحَجَر"؛ وهي مهنةٌ بَرَعَ فيها عبد الله منذ ثلاثين عاماً، عندما تعلَّمَها على يد خاله، المعلم الكبير ذائع الشهرة في صنعاء وتعز، المعروف باسم "المعلم كمال".

   يعتقد عبد الله، شأنَه شأنَ الكثيرين، أن عيدَ العمّال كان له قيمته ورمزيته في زمن الرئيس إبراهيم الحمدي؛ حيث شيّد مُدُناً خاصةً للعمال، ورفَعَ من قيمة العامل اليمني في دول الجوار. أما اليوم، فقد انقلبت الصورة: "العامل اليمني، في الداخل، مخنوقٌ بالحصار والحرب. والعامل المغترب مخنوقٌ برسوم العمل. وهذه الأيام، مخنوقون كلهم بالحجر الصحي".

   لا يتذكر عبد الله سوى طفولته في زمن الحمدي. أما عيد العمال، أو عيد "الشُّقَاة" كما يسميهم، وهي تسميةٌ شائعةٌ للعمال في اليمن، فيسمع عنه من ألْسِنة عمال جيل السبعينيات، الذين يتحدثون عنه كـ"ذكريات" جميلة.

انقطع الراتب ففقدوا عقولهم

   ألحقت سنواتُ الحرب الخَمسُ بقطاع العمل أضراراً كبيرة، وانعكس ذلك على جميع الجوانب، الاقتصادية والنقدية والاجتماعية والنفسية والتعليمية. فالموظفون الحكوميون، الذين انقطعت رواتبُهم منذ أربع سنوات، باتوا في العراء.

كثيرٌ من هؤلاء الموظفين باتوا مشرّدين. ودفعت الظروفُ ببعضهم إلى فقدان عقولهم؛ كما هي حالة عبده محمد هدّال، الذي ضاقت عليه الدنيا، وتراكمت عليه الديون، وتفككت أسْرتُه. طلَّقَ زوجته، وتوقف أبناؤه الثلاثة عن مواصلة التعليم، وذهبت أمه لتكمل باقي عمرها في بيت ابنتها (متزوجة). وبقي عبده في البيت وحيداً، بلا أولادٍ ولا أمٍّ ولا زوجةٍ، ولا ضوء.

خدم أحمد هدال في الجيش قرابة 40 عاماً. وبعد أن أُحيل إلى التقاعد، كان يستلم راتبه كزملائه من المتقاعدين العسكريين، إلى أن جاءت الحرب، فانقطع خيط الحياة الوحيد. وعلى إثر ذلك، غادر عالمَ العاقلين

   بسبب تلك المأساة، وتعاظم الهواجس والأفكار السلبية في رأسه، صار عبده منكوشَ الشعر مقيّداً بالسلاسل، ومظهرُه مُتَّسخاً كأيٍّ مجنون مفرط.

   شقيقه الأكبر، محمد، هو من يتعهّدُه بالطعام فقط، كما يتعهد أخاً ثالثاً لهما، يكْبُر عبده بعشر سنوات، أصيب بالجنون أيضاً. يقول محمد لـ"خيوط": "كان أخواي المجنونان (أحمد وعبده) من أفضل الناس عندما كانا بعقليهما. واليوم، أصبحا في هذه الحال التي تهدم القلب بسبب الظروف والضغوط المعيشية. وأنا، يعلم الله أنه لم يبقَ ماسكاً عقلي سوى مسمارٍ واحد، وإلا فأنا قريبٌ من الجنون".

  خدم أحمد هدّال في الجيش قرابة  40عاماً. وبعد أن أُحيل إلى التقاعد، كان يستلم راتبه كزملائه من المتقاعدين العسكريين؛ إلى أن جاءت الحرب، فانقطع خيطُ الحياة الوحيد. وعلى إثر ذلك، غادر عالمَ العاقلين إلى غرفةٍ صغيرةٍ في طرف القرية، ينام فيها نهاراً، وفي الليل يهيج بالصراخ والأنين والبكاء.

المعلمون والوضع البائس

   تتصدر شريحةُ المُعلّمين كلَّ الشرائح والفئات التي فَتكتْ بها الحرب. فالأستاذة (ج. ع. د) لا تزال تؤدي عملَها بضمير الموظف الإنسان، الذي فقدَ راتبَه لكنه لم يفقدْ ضميرَه.

   "أشعر بالألم على طالباتي اللواتي يكافحْن من أجل اكتساب العلم والمعرفة، وبالتالي يُصْبحْن ضحيةَ هذه الحرب الكارثية"، تقول (ج) وتضيف: "كلما قررت أنا وزميلاتي أن نبقى في بيوتنا إلى أن يسلموا مرتباتنا، أتذكر وجوهَ وحيويةَ وبراءةَ الطالبات، فأعود إليهن. أحب مهنتي، وأحب مدرستي، وأعتبر الطالبات بناتي. لا أستطيع التوقف عن التعليم".

   وعن عيد العمال، تقول (ج)، وهي معلمة رياضيات منذ ربع قرن: "لا يوجد لدينا عيد، حياتنا كلها جحيمٌ وتعبٌ وكفاح. نحن نبحث عن الحياة أولا"؛ غير أنها حريصةٌ، كما قالت، على انتهاز أية فرصةٍ لمطالبة أطراف الحرب والمجتمع الدولي، والمنظمات المعنية بحقوق المعلم، بأن ينظروا إلى مستقبل الجيل في اليمن من ناحيةٍ إنسانيةٍ، وأن يرفعوا أيديهم عن مرتبات العاملين في قطاع التعليم: "أطلقوا مرتباتنا إذا لديكم مسؤولية وطنية"، تقول (ج)، قبل أن تتساءل باستغراب منطقي: "كيف يدّعون الوطنيةَ، وهم يغرسون سهامهم في صدر التربية والتعليم؟! أنا أشك بأن هؤلاء تعلموا في مدارس الوطن؛ هؤلاء المسؤولين الذين لا يفتحون عيونهم المغمضة على هذه المأساة الوطنية الفادحة".

لم تنعكس الآثارُ التدميرية للحرب على حياة العاملين في القطاع الحكومي أو العمالة الداخلية فحسب؛ فهناك مغتربون قرروا مغادرة غربتهم بشكلٍ نهائيٍّ، فانفجرت الحربُ في وجوههم ليجدوا أنفسهم فجأةً بلا مصْدرٍ يعيشون منه

تعيش هذه المعلمة في بيت للإيجار، في صنعاء، وهي تذهب في الصباح إلى المدرسة ضمن المئات من زميلاتها (المعلمات)، وفي العصر والمساء، تعمل في بيتها؛ حيث تقوم بتطريز وزرع (الخرز) في قطع القماش، لصالح تُجار أقمشةٍ نسائيةٍ في منطقة شعوب، من أجل توفير "مصروف البيت". إذ عليها أن تساعد زوجها الفقير، الذي يعمل على دراجة نارية.

 الأستاذ خالد البُرعي، هو الآخر ضمن آلاف المعلمين اليمنيين، بلا راتب؛ لكن خالد لا يستطيع أن يؤدي كلَّ الحصص في مدرسته الحكومية، حيث أجبرته مسؤولية المعيشة أن يتعاقد مع مدْرسةٍ خاصةٍ، إضافةً إلى مدرسته الأساسية، مقابل60 ألف ريال (100 دولار).

 "نحن في وضعٍ لم يسبق له مثيلٌ في تأريخ الأمم والمجتمعات"، يقول خالد، الذي شكا أنه أحياناً لا يجد قيمة أسطوانة غاز الطبخ، التي ارتفع ثمنها وبات الحصول عليها "مرهوناً بمزاج عقال الحارات".

 وكغيره من المحتاجين الذين لا تصل إليهم المساعدات الإغاثية، يتساءل خالد: "أين منظمات الإغاثة وبرامج الغذاء؟!". وهو يعتقد بأن معونات الإغاثة "توزع بالخفاء لمن لا يستحقها". "هناك زملاء، وهم معلمون منذ عشرات السنين، تركوا المدارس وذهبوا يبيعون البيض والبطاطس في الشوارع، وبعضهم أصبح بائعَ قاتٍ أو سائقَ دراجةٍ نارية"، يضيف.

من الغُربة إلى الكُربة

لم تنعكس الآثارُ التدميرية المباشرة للحرب على حياة العاملين في القطاع الحكومي أو العمالة الداخلية عموماً، ممن فقدوا وظائفهم بفعل الحصار والحرب وضَعف القيمة الشرائية للعملة النقدية؛ فهناك عمال ومغتربون يمنيون، بمن فيهم مغتربون قدامى، قرروا مغادرة غربتهم بشكلٍ نهائيّ. غير أن الحرب انفجرتْ في وجوههم، ليجدوا أنفسهم فجأةً بلا مصْدرٍ يعيشون منه، كما هو حال الحاج صالح عبد الله بارية. قضى بارية معظم عمره السبعين في المهجر، وعندما قرر الاكتفاء بـ55 سنةً خارج الوطن، عاد ليفتتح مطعماً في مدينة الحديدة، كمشروعٍ يعيش منه لِمَا تبقى من عمره؛ لكن الحرب لفظتْه إلى خارج المدينة، حيث يقيم حالياً في صنعاء، ضمن وضع النازحين الأكثر بؤساً.

يقول الحاج صالح بارية: "خلّيها على الله؛ لا ارتحنا في الغربة ولا داخل الوطن. رجعنا من الغربة إلى الكربة". ويضيف: "لكن سنرتاح في الآخرة إن شاء الله"؛ بينما قالت ابنته إن أباها أصبح يعاني نفسياً: "إنه يعاني حالةً نفسيةً صعبةً، لا تزيدوا تذكّروه بشيء".

___________________

الصورة ل: أحمد باشا

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English