الحرب تُغّير ملامح مدينة تعز

شتات ودمار نفسي يفوق دمار المنازل
محمد الكمالي
March 28, 2020

الحرب تُغّير ملامح مدينة تعز

شتات ودمار نفسي يفوق دمار المنازل
محمد الكمالي
March 28, 2020
© الصورة ل : البراء منصور

على مدار عقود مضت، احتفظت مدينة تعز (جنوبي غرب اليمن) بفرادتها كعاصمة ثقافية وتاريخية، وكانت دائماً ما تقدّم نفسها كنموذج للدولة المدنية، إلى أن طالتها الحرب، وطالت كل شي فيها.

 المدينة التي صدّرت كفاءاتها العمالية والعلمية لمختلف محافظات الجمهورية اليمنية، وكانت السباقة لوضع حجر أساس الدولة ومداميكها الصلبة، حولتها أحداث الحرب منذ مارس2015، إلى مدينة مختلفة كلياً .

  تُعدّ تعز، الواقعة على سفح جبل صبر جنوباً، مدينة ضاربة في عمق التاريخ، ووصلت أوج مجدها عندما كانت عاصمة للدولة الرسولية في الفترة ما بين (1229- 1454م)، وهي الدولة التي بسطت سيطرتها آنذاك على اليمن بكامله، قبل أن تندثر على أيدي الطاهريين، ومنها إلى المملكة المتوكلية .هذه الأخيرة تأسست العام 1918، على إثر خروج العثمانيين من اليمن؛ إذ جعلت هي الأخرى من مدينة تعز عاصمة لها خلال الفترة الأخيرة من حكمها، ليأتي تاريخ 26 سبتمبر 1962، معلناً الثورة ضد الإمام أحمد حينها، والتي كانت شرارتها الأولى من تعز.

  توالت الأحداث بعد ذلك، لتشكل تعز وعياً ثقافياً ومدنياً حاضراً في كل اليمن على مدار عقود. وفي أواخر 2013، أعلنتها الحكومة عاصمة للثقافة اليمنية، نظراً لمكانتها العلمية والثقافية، واحتوائها على عدد كبير من المعالم الأثرية والقلاع التاريخية.

منذ مارس 2015، تغيرت الكثير من ملامح مدينة تعز ومعالمها؛ صارت تعيش ظروفاً عسكرية وإنسانية بالغة التعقيد. ومع توسع سيطرة قوات الحكومة المعترف بها دولياً على غالبية المناطق في مديريات المدينة الثلاث (القاهرة، المظفر، وصالة)، أطبقت جماعة أنصار الله (الحوثيون) حصارها على المدينة من 3 منافذ رئيسية. وبات الوصول من قلب المدينة إلى منطقة الحوبان شرقاً يستدعي المرور في طرق جبلية لأكثر من 4 ساعات ونصف الساعة. ولا تزال الجماعة تسيطر على أجزاء من مديرية صالة، وخصوصا دَوّار القصر الجمهوري (شرق المدينة)، وصولا إلى أجزاء من منطقة كَلَابَة وشارع الأربعين. وتقع تحت سيطرتها أيضاً كامل مديرية التعزية، التي تمتد من الحوبان شرقاً إلى شارع الستين شمالاً، وصولا إلى منطقة حذران غرب المدينة. ومن هذه الأماكن، تعثرت كافة الجهود المجتمعية لفتح معبر واحد يسهّل تنقلات المدنيين وينهي معاناتهم.

  أسفرت المعارك التي دارت أواخر 2015، وهي الأعنف منذ تلك اللحظة، عن دمار هائل في الأحياء الشرقية للمدينة. ومن خلال جولة في حي الجَحْمَلِيّة العتيق، يلاحظ الزائر الأماكن التي كانت لا تعرف الهدوء، مثل دوّار الجحملية، وقد تحولت إلى أطلال؛ رغم إجراء بعض الترميمات لعدد من المنازل والمستودعات الصغيرة خلال العام 2019.

  في السطور التالية، تستطلع "خيوط" الواقع الجديد لمدينة تعز؛ آراء مختلفة ووجهات نظر متباينة وتحليلات خاصة لما يعيشه الناس فيها، وما ينذر به هذا الواقع من أوضاع مستقبلية.

تحولات اجتماعية

   فرضت الحرب عدداً من التحولات في مدينة تعز. وعلى الرغم من محاولة السكان التكيف مع الوضع الجديد بشكل إجباري، إلا أن تقبّل هذا الواقع غالبا ما ينعكس بشكل تدريجي على نفسيات الناس؛ وهو ما جعل الإحباط واليأس وملامح الشيخوخة تغزو وجوه عدد كبير من سكان المدينة.

  وفقاً لأستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، محمود البكاري، فإن أبرز التحولات الاجتماعية في مدينة تعز، والتي فرضتها الحرب والحصار، تتجسد في حرمان الكثير من الأسر من حقها في التواصل مع بعضها كما كان معتادًا في مختلف المناسبات الاجتماعية، من الأعياد ومناسبات الزواج إلى حضور جنازات الأقارب من الدرجة الأولى.

وقال البكاري، في حديثه لـ"خيوط"، إن "تحمل مشقات السفر وتكاليفه الباهظة، في ظل انشطار المدينة إلى جزأين، يعد نوعاً من القهر الاجتماعي، ولا يوجد ما يبرر ذلك".

وأضاف أن هناك أنواعاً مختلفة من التأثيرات السلبية للحرب، أبرزها فقدان الكثير من الناس أعمالهم، لترتفع بذلك معدلات البطالة والفقر، والتي نتج عنها زيادة حالات الطلاق والتشرد؛ حيث كانت النساء والأطفال أكثر الفئات تضررا جراء الوضع الذي تفرضه جماعة الحوثي.

أضرار الحرب تبدو واضحة على ملامح المدينة ووجوه سكانها، واختصاصيون في علم النفس وعلم الاجتماع يحذرون من نتائج الوضع الراهن في تعز على مستقبلها ومستقبل اليمن

نفسيات محطمة

  أيمن محمد، خريج جامعي، يحكي لـ"خيوط" بحسرة، كيف مرت عليه الأسابيع الأولى من الحرب، وكيف أصابه اليأس كونه كان يأمل بواقع أكثر استقرارا قد يمكّنه من الحصول على وظيفة لائقة.

ويضيف أيمن: "رغم عملي الآن في غير تخصصي، وبأجر زهيد مقارنة بزملائي، إلا أنني أحاول أن أرضى بالمكتوب كلما تذكرت كمية الدماء التي سفكتها وحشية هذه الحرب، وبأنني رغم كل الذي يحدث، ما أزال على قيد الحياة".

  من جهته، يرى أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة تعز، محمد حاتم الدعيس، أن"الانهزام النفسي" لدى أهالي مدينة تعز وصل إلى مستويات عالية؛ إذ أصبحت الثقة البينية معدومة لدرجة الشك بالثورة نفسها، "وهم الذين خرجوا في 2011بصدور عارية يحلمون بواقع أجمل لكل الأجيال، لكن الصدمات المتوالية على رؤوسهم حطمت النفوس وأجهضت الآمال ولو مؤقتًا".

وقال الدعيس في حديثه لـ"خيوط": "تعز الحالمة بالدولة المدنية، والتي طالما انتقدت وجود السلاح بمختلف أنواعه وأشكاله، وكانت فيها حملات رادعة لمصادرته، جاءت الحرب وأجبرتها قسراً على القبول به".

وأضاف أن "النسيج الاجتماعي يتمزق اليوم، حينما يقف أحدهم في طرف ليقاتل آخر في الطرف الثاني ربما يكون أخاه أو أحد أبناء عمومته"، محذراً من الأثر النفسي الكبير لهذا الوضع، كونه أثراً "لايمكن تجاوزه على مدى قريب، مهما عبرت عواطفنا عن الأمل لأجل ذلك".

شتات ومعاناة

  آثار الحرب ظهرت أيضاً على ملامح المدينة في الأسواق والمراكز الحيوية التي تضررت وتبدلت أماكنها عما كانت عليه في السابق قبيل اندلاع الحرب.

 هناء، بائعة خضروات، تقول لـ"خيوط": "نشتاق لسوق الجُملة الرسمي، الذي كان بالقرب من دوّار سوفتيل، شرق المدينة. كنا مستقرين هناك والناس تعرف أماكننا".

ومنذ مارس 2015، صارت الأحياء الشرقية لمدينة تعز خطوط تماس بين طرفي القتال، بما فيها "سوق الجملة" الواقع في منطقة"كلابة"، بالقرب من القصر الجمهوري ومعسكر الأمن المركزي، اللذين يسيطر عليهما مقاتلو جماعة أنصار الله (الحوثيون).

وأبدت هناء امتعاضها الشديد مما وصفته بـ"بعض ممارسات الجماعات المسلحة وسط المدينة"، وهي جماعات موالية للحكومة المعترفبها دولياً، و"تتناحر فيما بينها من أجل أخذ الإتاوات". دفع تكرار الاشتباكات المسلحة بين هذه الجماعات السلطة المحلية لنقل سوق الجملة إلى منطقة"بئر باشا"، في الطرف الغربي للمدينة؛ ما جعل الباعة يتزاحمون على الأرصفة، وتحت مساءلة مكتب البلدية.

ويذهب فؤاد الشرعبي، مالك محل للمواد الغذائية، إلى ذات الرأي، قائلاً إن التنقلات الكثيرة لهذه الأسواق الحيوية وغيرها "تضاعف من جهدنا ومعاناتنا لجلب المواد الأساسية للمستهلكين داخل المدينة".

وقال الشرعبي لـ"خيوط" إن عدم ثبات تلك الأسواق الرئيسية في مكان محدد "يرفع من قيمة سلعها ويجعلنا محاسبين أمام الزبائن، ونحن لا نملك في الأمر شيئاً".

آثار المدينة ضحية أخرى

 عاشت المدينة القديمة في تعز واحدة من أسوأ فتراتها تقريبا منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، جراء النيران التي طالتها ونالت من آثارها، وفقا لتعبير الإعلامي أنيس الشاعر.

ظلت تعز لعشرات السنين حاضنة لكافة اليمنيين، خاصة منذ ثورة 26 سبتمبر 1962؛ لكن الحرب أفرزت ظواهر خطيرة داخل المدينة، وعلى رأسها التعصب المناطقي.

الشاعر، وهو أحد سكان المدينة القديمة، قال لـ"خيوط"إن "الملامح العامة وسط المدينة القديمة وما حولها، "تغيرت كثيراً"، وإنها "كانت تعج بالحياة قبل الحرب، لتصبح بعدها محصورة في أوقات معينة، كونها كانت على مرمى نيران قناصة مسلحي الحوثي المتمركزين في قلعة القاهرة".

وحسب الشاعر، فقد أدى تعاقب عدد من الجماعات وأطراف الحرب على السيطرة على المدينة القديمة، "إلى تدمير بعض معالمها التاريخية الأثرية".

نائب مدير عام الآثار والمتاحف في تعز، رمزي الدميني، أكد لـ"خيوط" تعرض المعالم الأثرية في المدينة القديمة للتدمير. وأضاف أن "كل المعالم الأثرية داخل المدينة القديمة تضررت جراء استهدافها من قبل كل الأطراف والجماعات المشاركة في الحرب".

  وذكر الدميني أنه تم إجراء مسح ميداني لكافة المعالم الأثرية التي تتطلب الترميم داخل المدينة القديمة في 2013، لصالح الصندوق العالمي للحفاظ على الآثار، وأنه تم تنفيذ عدد من المشاريع حينها، أبرزها ترميم "باب موسى" و"الباب الكبير"، بالإضافة إلى مسجد الأشرفية وقلعة القاهرة.

وكشف الدميني أن لدى الصندوق العالمي للحفاظ على الآثار"توجها مستقبليا للعمل على ترميم كافة المعالم، على مراحل، تبدأ بالأهم والأكثر تضرراً، وقد يشمل ذلك حتى منازل السكان الواقعة في إطار المدينة القديمة".

ظهور المناطقية

  كانت تعز منذ عقود كثيرة حاضنة لكافة اليمنيين، خاصة منذ ثورة 26 سبتمبر 1962؛ لكن الحرب أفرزت ظواهر خطيرة داخل المدينة، وعلى رأسها التعصب المناطقي.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحديدة، فيصل الحذيفي، وصف هذه الظاهرة بأنها "ظرفية"، وأن "الحرب والظروف الاستثنائية" هي التي أنتجتها. كما وصفها بالـ"نتوءات" التي" تحدث في مجتمع تغيب فيه الدولة إلى حين".

وأضاف الحذيفي في حديث لـ"خيوط":"المناطقية بالوضع الطبيعي متواجدة في كل مجتمع تقليدي يجنح للتفاخر والصراعات الداخلية، لكنها تكون خافتة بسبب غياب المحفزات، وتظهر أكثر في الأوضاع الاستثنائية".

الصحفي عبد العليم الحاج قال لـ"خيوط" إن"النزعة المناطقية تكاد تتحول إلى خنجر مسموم في خاصرة المدينة المثقلة بالحصار والحرب، والعصابات المسلحة".

وأشار الحاج إلى أن هذه الظاهرة "وجدت لها بيئة خصبة إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار، وجود قيادات عسكرية ومشيخية تتمترس خلف هذه المفاهيم القروية".

وأبدى الحاج استغرابه من "انحياز مثقفين ومتعلمين لمنطق الفرز المناطقي الخاطئ على حساب النظام والقانون". وفيما أعرب عن أسفه للحالة التي وصلت إليها هذه الظاهرة، ألقى الحاج باللائمة على ما سماه"مخططات خارجية" قال إنها "تدفع مدينة تعز للاقتتال بدوافع مناطقية".

هيمنة السلاح

باستثناء النساء وبعض الأطفال ونسبة بسيطة من الطلاب والشخصيات المدنية، يبدو أن السلاح عرف طريقه إلى أكتاف غالبية سكان مدينة تعز؛ إذ ربما تصادف في كل 5 أمتار أكثر من مسلح، غالبيتهم بلباس مدني.

ووفقاً لسمير علي قاسم، عاقل حارة في تعز، فإن"وضع الحرب الحالي لا يبرر ظاهرة انتشار السلاح بهذا الشكل العشوائي"، لافتاً إلى أن "مسؤولية حياة الآلاف السكان في المدينة تقع على عاتق الأجهزة الأمنية، وعليها تحمل مسؤوليتها كاملة".

وانتقد قاسم، في حديثه لـ"خيوط"،" القيادة العسكرية في تعز"، مشيراً إلى أنها "لو كانت صادقة في تحرير المدينة"، لما سمحت لما سماه "العصابات التخريبية" بأن"تأخذ راحتها بدعوى مواجهة العدو في الطرف الآخر".

ويروي عبد العليم سعيد، سائق مركبة نقل صغيرة، حكايته المؤلمة جراء انعكاس الصراع الداخلي المسلح داخل المدينة على المدنيين العزل، وذلك عندما تعرض للإصابة بطلق ناري في فخذه العام 2017.

ويؤكد سعيد في حديثه لـ"خيوط" أنه نجا من"عشرات المواقف والاشتباكات العبثية بعد تلك الإصابة". وتساءل عن سبب استمرار غياب أجهزة الدولة عن أداء دورها في ظل الظهور المرعب لهذه التشكيلات المسلحة، واصفا الأمر بأنه "لا يليق بتعز، مدينة الثقافة وحاضرة الدولة المدنية اليمنية".

وما بين تبخر الأحلام وحضور الآلام، تقف تعز اليوم على حيثيات كثيرة تحتم على جميع الأطراف وصانعي القرار فيها تقديم التنازلات والبدء في مرحلة جديدة تستريح المدينة معها من فوهات البنادق نحو غدٍ أفضل يعانق اسمها تماماً.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English