الحرب تُغّير ملامح مدينة تعز

شتات ودمار نفسي يفوق دمار المنازل
محمد الكمالي
March 27, 2020

الحرب تُغّير ملامح مدينة تعز

شتات ودمار نفسي يفوق دمار المنازل
محمد الكمالي
March 27, 2020

على مدار عقود مضت، احتفظت مدينة تعز (جنوبي غرب اليمن)بفرادتها كعاصمة ثقافية وتاريخية، وكانت دائماً ما تقدّم نفسها كنموذج للدولةالمدنية، إلى أن طالتها الحرب، وطالت كل شي فيها.

 المدينةالتي صدّرت كفاءاتها العمالية والعلمية لمختلف محافظات الجمهورية اليمنية، وكانتالسباقة لوضع حجر أساس الدولة ومداميكها الصلبة، حولتها أحداث الحرب منذ مارس2015، إلى مدينة مختلفة كلياً .

  تُعدّ تعز، الواقعة علىسفح جبل صبر جنوباً، مدينة ضاربة في عمق التاريخ، ووصلت أوج مجدها عندما كانتعاصمة للدولة الرسولية في الفترة ما بين (1229- 1454م)، وهي الدولة التي بسطتسيطرتها آنذاك على اليمن بكامله، قبل أن تندثر على أيدي الطاهريين، ومنها إلىالمملكة المتوكلية .هذه الأخيرة تأسستالعام 1918، على إثر خروج العثمانيين من اليمن؛ إذ جعلت هي الأخرى من مدينة تعزعاصمة لها خلال الفترة الأخيرة من حكمها، ليأتي تاريخ 26 سبتمبر 1962، معلناً الثورةضد الإمام أحمد حينها، والتي كانت شرارتها الأولىمن تعز.

  توالتالأحداث بعد ذلك، لتشكل تعز وعياً ثقافياً ومدنياً حاضراً في كل اليمن على مدارعقود. وفي أواخر 2013، أعلنتها الحكومة عاصمة للثقافة اليمنية، نظراً لمكانتهاالعلمية والثقافية، واحتوائها على عدد كبير من المعالم الأثرية والقلاع التاريخية.

منذ مارس 2015، تغيرت الكثير من ملامح مدينة تعزومعالمها؛ صارت تعيش ظروفاً عسكرية وإنسانية بالغة التعقيد. ومع توسع سيطرة قوات الحكومةالمعترف بها دولياً على غالبية المناطق في مديريات المدينة الثلاث (القاهرة،المظفر، وصالة)، أطبقت جماعة أنصار الله (الحوثيون) حصارها على المدينة من 3 منافذرئيسية. وبات الوصول من قلب المدينة إلى منطقة الحوبان شرقاً يستدعي المرور في طرقجبلية لأكثر من 4 ساعات ونصف الساعة. ولا تزال الجماعة تسيطر على أجزاء منمديرية صالة، وخصوصا دَوّار القصر الجمهوري (شرق المدينة)، وصولا إلى أجزاء من منطقةكَلَابَة وشارع الأربعين. وتقع تحت سيطرتها أيضاً كامل مديرية التعزية، التي تمتدمن الحوبان شرقاً إلى شارع الستين شمالاً، وصولا إلى منطقة حذران غرب المدينة. ومنهذه الأماكن، تعثرت كافة الجهود المجتمعية لفتح معبر واحد يسهّل تنقلات المدنيينوينهي معاناتهم.

  أسفرتالمعارك التي دارت أواخر 2015، وهي الأعنف منذ تلك اللحظة، عن دمار هائل في الأحياءالشرقية للمدينة. ومن خلال جولة في حي الجَحْمَلِيّة العتيق، يلاحظ الزائر الأماكنالتي كانت لا تعرف الهدوء، مثل دوّار الجحملية، وقد تحولت إلى أطلال؛ رغم إجراءبعض الترميمات لعدد من المنازل والمستودعات الصغيرة خلال العام 2019.

  في السطورالتالية، تستطلع "خيوط" الواقع الجديد لمدينة تعز؛ آراء مختلفة ووجهاتنظر متباينة وتحليلات خاصة لما يعيشه الناس فيها، وما ينذر به هذا الواقع من أوضاعمستقبلية.

تحولات اجتماعية

   فرضت الحرب عدداً من التحولات في مدينة تعز.وعلى الرغم من محاولة السكان التكيف مع الوضع الجديد بشكل إجباري، إلا أن تقبّلهذا الواقع غالبا ما ينعكس بشكل تدريجي على نفسيات الناس؛ وهو ما جعل الإحباطواليأس وملامح الشيخوخة تغزو وجوه عدد كبير من سكان المدينة.

  وفقاً لأستاذ علمالاجتماع في جامعة تعز، محمود البكاري، فإن أبرز التحولات الاجتماعية في مدينة تعز،والتي فرضتها الحرب والحصار، تتجسد في حرمان الكثير من الأسر من حقها في التواصلمع بعضها كما كان معتادًا في مختلف المناسبات الاجتماعية، من الأعياد ومناسبات الزواجإلى حضور جنازات الأقارب من الدرجة الأولى.

وقال البكاري، في حديثه لـ"خيوط"، إن"تحمل مشقات السفر وتكاليفه الباهظة، في ظل انشطار المدينة إلى جزأين، يعدنوعاً من القهر الاجتماعي، ولا يوجد ما يبرر ذلك".

وأضاف أن هناك أنواعاً مختلفة من التأثيرات السلبية للحرب، أبرزها فقدان الكثير من الناس أعمالهم، لترتفع بذلك معدلات البطالة والفقر، والتي نتج عنها زيادة حالات الطلاق والتشرد؛ حيث كانت النساء والأطفال أكثر الفئات تضررا جراء الوضع الذي تفرضه جماعة الحوثي.

أضرار الحرب تبدو واضحة على ملامح المدينة ووجوه سكانها، واختصاصيون في علم النفس وعلم الاجتماع يحذرون من نتائج الوضع الراهن في تعز على مستقبلها ومستقبل اليمن

نفسيات محطمة

  أيمن محمد،خريج جامعي، يحكي لـ"خيوط" بحسرة، كيف مرت عليه الأسابيع الأولى منالحرب، وكيف أصابه اليأس كونه كان يأمل بواقع أكثر استقرارا قد يمكّنه من الحصولعلى وظيفة لائقة.

ويضيف أيمن: "رغم عملي الآن في غير تخصصي، وبأجرزهيد مقارنة بزملائي، إلا أنني أحاول أن أرضى بالمكتوب كلما تذكرت كمية الدماءالتي سفكتها وحشية هذه الحرب، وبأنني رغم كل الذي يحدث، ما أزال على قيد الحياة".

  منجهته، يرى أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة تعز، محمد حاتم الدعيس، أن"الانهزام النفسي" لدى أهالي مدينة تعز وصل إلى مستويات عالية؛ إذ أصبحتالثقة البينية معدومة لدرجة الشك بالثورة نفسها، "وهم الذين خرجوا في 2011بصدور عارية يحلمون بواقع أجمل لكل الأجيال، لكن الصدمات المتوالية على رؤوسهمحطمت النفوس وأجهضت الآمال ولو مؤقتًا".

وقال الدعيس في حديثه لـ"خيوط": "تعزالحالمة بالدولة المدنية، والتي طالما انتقدت وجود السلاح بمختلف أنواعه وأشكاله،وكانت فيها حملات رادعة لمصادرته، جاءت الحرب وأجبرتها قسراً على القبول به".

وأضاف أن "النسيج الاجتماعي يتمزق اليوم، حينمايقف أحدهم في طرف ليقاتل آخر في الطرف الثاني ربما يكون أخاه أو أحد أبناءعمومته"، محذراً من الأثر النفسي الكبير لهذا الوضع، كونه أثراً "لايمكن تجاوزه على مدى قريب، مهما عبرت عواطفنا عن الأمل لأجل ذلك".

شتات ومعاناة

  آثارالحرب ظهرت أيضاً على ملامح المدينة في الأسواق والمراكز الحيوية التي تضررت وتبدلتأماكنها عما كانت عليه في السابق قبيل اندلاع الحرب.

 هناء،بائعة خضروات، تقول لـ"خيوط": "نشتاق لسوق الجُملة الرسمي، الذيكان بالقرب من دوّار سوفتيل، شرق المدينة. كنا مستقرين هناك والناس تعرف أماكننا".

ومنذ مارس 2015، صارت الأحياء الشرقية لمدينة تعز خطوطتماس بين طرفي القتال، بما فيها "سوق الجملة" الواقع في منطقة"كلابة"، بالقرب من القصر الجمهوري ومعسكر الأمن المركزي، اللذين يسيطرعليهما مقاتلو جماعة أنصار الله (الحوثيون).

وأبدت هناء امتعاضها الشديد مما وصفته بـ"بعضممارسات الجماعات المسلحة وسط المدينة"، وهي جماعات موالية للحكومة المعترفبها دولياً، و"تتناحر فيما بينها من أجل أخذ الإتاوات". دفع تكرارالاشتباكات المسلحة بين هذه الجماعات السلطة المحلية لنقل سوق الجملة إلى منطقة"بئر باشا"، في الطرف الغربي للمدينة؛ ما جعل الباعة يتزاحمون علىالأرصفة، وتحت مساءلة مكتب البلدية.

ويذهب فؤاد الشرعبي، مالك محل للمواد الغذائية، إلىذات الرأي، قائلاً إن التنقلات الكثيرة لهذه الأسواق الحيوية وغيرها "تضاعفمن جهدنا ومعاناتنا لجلب المواد الأساسية للمستهلكين داخل المدينة".

وقال الشرعبي لـ"خيوط" إن عدم ثبات تلكالأسواق الرئيسية في مكان محدد "يرفع من قيمة سلعها ويجعلنا محاسبين أمامالزبائن، ونحن لا نملك في الأمر شيئاً".

آثار المدينة ضحية أخرى

عاشت المدينة القديمة في تعز واحدة من أسوأ فتراتها تقريبا منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، جراء النيران التي طالتها ونالت من آثارها، وفقا لتعبير الإعلامي أنيس الشاعر.

ظلت تعز لعشرات السنين حاضنة لكافة اليمنيين، خاصة منذ ثورة 26 سبتمبر 1962؛ لكن الحرب أفرزت ظواهر خطيرة داخل المدينة، وعلى رأسها التعصب المناطقي.

الشاعر، وهو أحد سكان المدينة القديمة، قال لـ"خيوط"إن "الملامح العامة وسط المدينة القديمة وما حولها، "تغيرتكثيراً"، وإنها "كانت تعج بالحياة قبل الحرب، لتصبح بعدها محصورة فيأوقات معينة، كونها كانت على مرمى نيران قناصة مسلحي الحوثي المتمركزين في قلعةالقاهرة".

وحسب الشاعر، فقد أدى تعاقب عدد من الجماعات وأطرافالحرب على السيطرة على المدينة القديمة، "إلى تدمير بعض معالمها التاريخيةالأثرية".

نائب مدير عام الآثار والمتاحف في تعز، رمزي الدميني،أكد لـ"خيوط" تعرض المعالم الأثرية في المدينة القديمة للتدمير. وأضافأن "كل المعالم الأثرية داخل المدينة القديمة تضررت جراء استهدافها من قبل كلالأطراف والجماعات المشاركة في الحرب".

  وذكرالدميني أنه تم إجراء مسح ميداني لكافة المعالم الأثرية التي تتطلب الترميم داخلالمدينة القديمة في 2013، لصالح الصندوق العالمي للحفاظ على الآثار، وأنه تم تنفيذعدد من المشاريع حينها، أبرزها ترميم "باب موسى" و"الباب الكبير"،بالإضافة إلى مسجد الأشرفية وقلعة القاهرة.

وكشف الدميني أن لدى الصندوق العالمي للحفاظ على الآثار"توجها مستقبليا للعمل على ترميم كافة المعالم، على مراحل، تبدأ بالأهموالأكثر تضرراً، وقد يشمل ذلك حتى منازل السكان الواقعة في إطار المدينة القديمة".

ظهور المناطقية

  كانتتعز منذ عقود كثيرة حاضنة لكافة اليمنيين، خاصة منذ ثورة 26 سبتمبر 1962؛ لكنالحرب أفرزت ظواهر خطيرة داخل المدينة، وعلى رأسها التعصب المناطقي.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحديدة، فيصل الحذيفي،وصف هذه الظاهرة بأنها "ظرفية"، وأن "الحرب والظروفالاستثنائية" هي التي أنتجتها. كما وصفها بالـ"نتوءات" التي"تحدث في مجتمع تغيب فيه الدولة إلى حين".

وأضاف الحذيفي في حديث لـ"خيوط":"المناطقية بالوضع الطبيعي متواجدة في كل مجتمع تقليدي يجنح للتفاخروالصراعات الداخلية، لكنها تكون خافتة بسبب غياب المحفزات، وتظهر أكثر في الأوضاعالاستثنائية".

الصحفي عبد العليم الحاج قال لـ"خيوط" إن"النزعة المناطقية تكاد تتحول إلى خنجر مسموم في خاصرة المدينة المثقلةبالحصار والحرب، والعصابات المسلحة".

وأشار الحاج إلى أن هذه الظاهرة "وجدت لها بيئةخصبة إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار، وجود قيادات عسكرية ومشيخية تتمترس خلف هذهالمفاهيم القروية".

وأبدى الحاج استغرابه من "انحياز مثقفين ومتعلمينلمنطق الفرز المناطقي الخاطئ على حساب النظام والقانون". وفيما أعرب عن أسفهللحالة التي وصلت إليها هذه الظاهرة، ألقى الحاج باللائمة على ما سماه"مخططات خارجية" قال إنها "تدفع مدينة تعز للاقتتال بدوافع مناطقية".

هيمنة السلاح

باستثناء النساء وبعض الأطفال ونسبة بسيطة من الطلابوالشخصيات المدنية، يبدو أن السلاح عرف طريقه إلى أكتاف غالبية سكان مدينة تعز؛ إذربما تصادف في كل 5 أمتار أكثر من مسلح، غالبيتهم بلباس مدني.

ووفقاً لسمير علي قاسم، عاقل حارة في تعز، فإن"وضع الحرب الحالي لا يبرر ظاهرة انتشار السلاح بهذا الشكل العشوائي"،لافتاً إلى أن "مسؤولية حياة الآلاف السكان في المدينة تقع على عاتق الأجهزةالأمنية، وعليها تحمل مسؤوليتها كاملة".

وانتقد قاسم، في حديثه لـ"خيوط"،"القيادة العسكرية في تعز"، مشيراً إلى أنها "لو كانت صادقة فيتحرير المدينة"، لما سمحت لما سماه "العصابات التخريبية" بأن"تأخذ راحتها بدعوى مواجهة العدو في الطرف الآخر".

ويروي عبد العليم سعيد، سائق مركبة نقل صغيرة، حكايتهالمؤلمة جراء انعكاس الصراع الداخلي المسلح داخل المدينة على المدنيين العزل، وذلكعندما تعرض للإصابة بطلق ناري في فخذه العام 2017.

ويؤكد سعيد في حديثه لـ"خيوط" أنه نجا من"عشرات المواقف والاشتباكات العبثية بعد تلك الإصابة". وتساءل عن سبباستمرار غياب أجهزة الدولة عن أداء دورها في ظل الظهور المرعب لهذه التشكيلاتالمسلحة، واصفا الأمر بأنه "لا يليق بتعز، مدينة الثقافة وحاضرة الدولةالمدنية اليمنية".

وما بين تبخر الأحلام وحضور الآلام، تقف تعز اليوم على حيثيات كثيرة تحتم على جميع الأطراف وصانعي القرار فيها تقديم التنازلات والبدء في مرحلة جديدة تستريح المدينة معها من فوهات البنادق نحو غدٍ أفضل يعانق اسمها تماماً.

الصورة لـ البراء منصور.

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English