العودة الإجبارية إلى مسقط الرأس

الحرب تصنع هجرة معكوسة من المدن إلى القرى
صفية مهدي
March 27, 2020

العودة الإجبارية إلى مسقط الرأس

الحرب تصنع هجرة معكوسة من المدن إلى القرى
صفية مهدي
March 27, 2020

  عندما أخدت الحرب انعطافتها الكبرى في 26 مارس 2015، استغرق اليمنيون أوقاتاً متفاوتة ليمتصوا صدمتها. التأثير المباشر لتلك الصدمة انعكس خلال السنة الأولى منها على فرص العمل في القطاع الخاص، والأعمال الحرة. وشهراً بعد آخر، وجد الآلاف من أرباب الأسر في المدن الرئيسية أنفسهم أمام أزمات تتصاعد بطريقة  نفق مخروطي آخذ بالانغلاق. العطالة واتساع رقعة المواجهات، قذفت بهم نحو مساقط رؤوسهم؛ هكذا تشكلت ظاهرة الهجرة المعكوسة من المدينة إلى الريف.

  أسرة طه محمد (46 سنة)، وهو أب لسبعة أبناء وبنات، أصبحت تتذكر المدينة بوصفها شيئاً من الماضي، بعد أن عاشت في العاصمة صنعاء، لما يزيد عن 20 عاماً. جاءت الحرب لتجبرها على الهجرة المعكوسة، من المدينة إلى الريف، كما هو حال الكثير من الأسر التي اضطرت للعودة إلى معاقل الأقرباء، بسبب الأوضاع المعيشية والأمنية بشكل عام.

  في حديثه لـ"خيوط"، يوضح طه أنه في الأسابيع الأولى للعمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، انتظر بفارغ الصبر وقف الضربات الجوية، إلاّ أنه اضطر للمغادرة مع عائلته، إلى قريته في محافظة إب. كان سكنه في شارع 20 القريب من شارع الستين حيث تعرضت أهداف قريبة منه لضربات جوية متكررة.

  كان طه محمد الذي درس حتى الإعدادية، يعمل سائق باص أجرة سعة 14 راكباً، وقد وُلد أطفاله السبعة (أربعة ذكور وثلاث إناث)، في صنعاء، ودرس بعضهم فيها، على الرغم من أنهم كانوا يسكنون أغلب سنوات حياتهم في طابق أرضي بالإيجار. وعندما عادت أسرته إلى القرية،كان أطفاله، ما يزالون يتكلمون "اللهجة الصنعانية"،  ويعتقدون أن البقاء في منزل"القرية"، الذي هو جزء من منزل قديم، مٌقتسم بين طه واثنين من إخوته (من أسرتي شقيقه الأكبر والأصغر)، لن يطول، لكن ما حدث لم يخطر لهم على بال.

  يتكون سكن أسرةطه في القرية، من غرفتين طابق ثاني لمنزل شعبي، بالإضافة إلى صالة ودورة مياه. وقد عمل منذ عودته، على ترميم مطبخ خارجي، للأسرة، وهو لا يكفي بطبيعة الحال لأسرة مكونة من تسعة أفراد أكبرهم معمر (17 سنة) وأصغرهم آية (6 سنوات). هذا السكن لاينقص سوى بغرفة واحدة عن سكن الإيجار الذي قضوا فيه سنوات طويلة بالعاصمة صنعاء، لكن المعاناة تمتد إلى المدرسة، حيث لا تتوفر في القرية مدرسة، ما يضطر أطفاله، للدراسة في منطقة بعيدة تمر بعدة قرى صغيرة إلى مركز العزلة، وهو ما سيؤثر على إمكانية إكمال التعليم، خصوصاً بالنسبة للفتيات سحر (11 سنة) في الصف الخامس وأمل (8سنوات) في الصف الثاني، وعادة ما يؤثر بُعد المدارس في الريف على استمرار الفتيات في التعليم.

  ويضيف طه: "كنت أريد العودة، وكثيرون غادروا بسبب الأزمة لكن البعض منهم عاد"،أما السبب الذي أجبره وأسرته على البقاء في الريف، هو أن الأزمات تتابعت من ارتفاع الأسعار التي تتطلب نفقات أكبر في المدينة، إلى الأزمات المتكررة بأسعار مشتقات النفط والتي تؤثر في مصدر دخله كسائق باص تدهور بسبب التوقف.

كل ذلك دفع عائلته للتعايش في أجواء القرية، التي يقسم فيها مصادر دخله بين محصول "القات" من أملاك والده، التي ورث نصيبه منها،والعمل مع الآخرين بطريقة تساعد على توفير ما يمكن توفيره للاستقرار المعيشي. وهكذا تستمر حياته وسط متطلبات معيشية أقل، بالنسبة للقرية، كون سكنه ملكاً له، بالإضافة إلى ما يوفره التعاون بين الأقارب، الذين يشكلون أحد أبرز مصادر الدعم للأسرة المحتاجة، ليس فقط المهاجرة للريف، بل التي تضررت مصادر دخلها بشكل عام، وأصبحت معونات الأقارب بطريقة أو بأخرى، مصدراً مهماً بمساعدتها في بعض الاحتياجات الأساسية. 

الهجرة المعكوسة:

  حال محمد، هو حال الكثير من الأسر والأفراد، الذين كانت المدن بالنسبة لهم، سواء صنعاء أو غيرها، مقر الإقامة المستقر، الذي قضوا فيه سنوات طويلة من حياتهم، وأمّنوه من خلاله مصادر دخلهم، سواء بمشاريع صغيرة أو بوظائف عامة وخاصة.

  أسرة عبدالله ناصر، وهو ضابط متقاعد من محافظة ذمار، اضطرت هي الأخرى لمغادرة العاصمة صنعاء في العام 2016، بعد أن توقف الراتب التقاعدي، الذي كان يتقاضاه ويؤمّن من خلاله بعض احتياجاته في المدينة. ابنته سمر، التي خسرت دراستها الجامعية بسبب مغادرة العائلة لصنعاء، قالت لـ"خيوط"، إن المغادرة تركت بالنسبة لها ولإخوتها، آثاراً نفسية صعبة، إذ أنها اضطرت لتبتعد عن مختلف صديقاتها وحتى أجواء حياتها السابقة.

وتضيف أن "البقاء في القرية، كان جميلاً عندما كنا نأتي زائرين لأسبوع أو أكثر، أما الآن نفتقد للكثير من الأشياء التي تعودنا عليها، وفشلت في إكمال دراستي الجامعية، بسبب الانتقال إلى القرية".

  ولا تقتصر الهجرة من المدن للأرياف على صنعاء، فحتى على مستوى عدن، غادرت الكثير من العائلات بسبب مراحل الحرب التي مرت بها المدينة والانفلات الأمني، خصوصاً من أهالي المحافظات الشمالية.

الهجرة من عدن، كما تحدث لـ"خيوط"، سامي (وهو اسم مستعار بناء على تحفظه على ذكر اسمه)، مرتبطة أيضاً بأسباب سياسية، حيث اضطر للسفر مع أسرته المكونة من زوجته وثلاثة أبناء إلى المديرية التي تنحدر منها أسرته في محافظة الضالع. ويضيف: "في البداية كانت الحرب والانفلات الأمني، لكني لم أعد لاحقاً لأنني معارض للمجلس الانتقالي وانتقد قادته بمنشوراتي في مواقع التواصل الاجتماعي".

ارتفاع أسعار الأراضي:

  الهجرة من المدن للأرياف ليست محصورة بأسباب مادية بصورة ضرورية، فحتى من فئة متوسطي الدخل وممن كانوا يملكون مشاريع صغيرة تأثرت بسبب الوضع الخدمي المتردي وتوقف عدد كبير من المصالح والشركات، اضطروا للعودة إلى قراهم ومواصلة حياتهم.

ويكشف طه محمد عن أن العودة من المدينة للريف انعكست أيضاً على حركة شراء الأراضي، التي ارتفعت أسعارها في العديد من المناطق. كما أن آخرين لجأوا لفتح مشاريع صغيرة كبقالات وغيرها، يحاولون من خلالها تعويض مصادر دخلهم أو جزء منها على الأقل.

يشار إلى أن سكان الريف في اليمن، حسب الإحصائيات والتقديرات المتداولة، يقدر بـ70 بالمئة من السكان. ومعروف أن العديد من المناطق ما تزال تعاني من تردي الأوضاع الخدمية وندرة الخدمات الصحية وغيرها من الاحتياجات .غير أن هذه النسبة المئوية لن تظل كما كانت في السنوات السابقة للحرب؟

الصورة لـ أحمد باشا.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English