بائعة الرياحين

.
عبد الرحمن الغابري
March 26, 2020

بائعة الرياحين

.
عبد الرحمن الغابري
March 26, 2020

تبدو للوهلة الأولىكما لو أنها إحدى نساء الهنود الحمر. لكنها امرأة يمنية تظهر روحها الفتية، رغمكبر سنها، في زينتها وحليها الفضيّة والرياحين التي تغطي صدغيها. أما عنقها فتغطيهعقود من الكهرمان والفضة، كما علقت على ثوبها المزركش سلاسل فضية مثبتة بدبابيسمغلقة.

 التقطت صورة هذه المرأة ذات صباح رمضاني، فيالعام 1973، كانت جوار مبنى المدفعية (الطبشية، بحسب التسمية التركية) في باباليمن، ولم يكن "شارع تعز" معبّدًا حينها. في الواقع التقطت لها أكثر منصورة بإذن منها، لكنها اشترطت قبل أن أصورها أن أشتري منها الريحان. كانت تبيعأنواعًا مختلفة من الريحان إضافة للبيض والسمن البلدي، فأفرغت ما في جيبي من نقودواشتريت منها كمية كبيرة من الريحان، وعند عودتي إلى البيت كانت تلك هدية مفرحةلأمي التي جاءت لزيارتنا من القرية، ووزعت ذلك الريحان على نساء العائلة، وحتى نساءالجيران من كبار السن.

  كانتأمام العجوز سلة من النوع المسمى محليًا "ربعة" وهي سلة تصنعها النساء منسيقان العشب وبعض الحشائش، أو من سعف النخيل. كانت السلة ملونة بالأزرق والبنفسجيوالأحمر، وممتلئة بالبيض البلدي وفطائر العدس التي كانت تسمى باللهجة اليمنية "قرم"أو "قفوع". هناك أيضًا يقطينة مفرغة صارت تستخدم لحفظ السمن أو الحليبالطازج. كان المكان يضوع برائحة السمن والريحان بأنواعه: "الكاذي"، و"الشَذَاب"،و"الرندي"، و"اللُّزّاب".

كانت الحياة بسيطة ولاحرج أن تظهر المرأة خصلة من شعر رأسها، وأحيانًا يظهر الساعدان بسبب الملبسالفضفاض التي اعتادت نساء اليمن ارتداءه. وإلى الأساور الهندية الملونة والخواتمالفضية والعقيق المصقول بمهارة، كانت هذه العجوز ترتدي في معصمها ساعة سويسرية مننوع "ويست بوينت" أو كما كان اليمنيون يسمونها "الصليب". وهيساعة كانت مناسبة للنساء والرجال حينها، وعرفت بالصلابة الشديدة والعمر الطويل حتىلو كان مرتديها يقوم بأعمال شاقة بيديه.

هل بمقدور أي فئة منالبشر أن تكبت النفس التواقة للجمال؟ ربما تستطيع لفترة أو فترات، لكنها تنهزم في النهاية .السعادة الكامنة فيأعماق الإنسان لا تموت، بل تظل كامنة حتى تتفجر في لحظتها المناسبة، ولو في آخر رمقللعيش .

من يقف أمام الاحتفال بالذات الإنسانية، فقد استهدف الحياة نفسها وكسر غصون العمر الرغدة.

ﻫﻮﺍﻣﺶ :

الرندي: نبات عطري ذو لون حليبي أوراقه صغيرة وكثيفة، ويسمى في بعض المناطق "غبيراء" أو "غَبار".

الشَذَاب: نبات عطري ذو رائحة نفاذة يستعمله الرجل كطوق فوق الرأس في عرسه فقط، وتستعمله المرأة عند الولادة لمدة أربعين يومًا. وهو ريحان تتزين به النساء أيضًا في أي وقت، خاصة كبار السن.

اللُّزّاب: هو البردقوش، ويسمى "لُزّاب"، كما يسمى "أُزّاب"، ويستخدم أيضًا كعشب علاجي لحالات مرضية كارتفاع ضغط الدم.

إلتقط الصورة عبدالرحمن الغابري عام 1973، Negative Black and White.

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English