كورونا ليس "خبراً زائفاً"

كيف أربكت الجائحة خطط "اليمين الشعبوي"
ريان الشيباني
March 17, 2020

كورونا ليس "خبراً زائفاً"

كيف أربكت الجائحة خطط "اليمين الشعبوي"
ريان الشيباني
March 17, 2020

لا أريد التهوين من خطورةفيروس "كورونا"، لسبب بسيط، هو أنني لست متخصصاً فيه. لكن يمكن استقراءحالة الفزع العالمي من الفيروس المستجد، من وجهة نظر "اليمين الشعوبي"، بالنظرإلى الخصائص الغامضة التي طورها كائن مجهري، ليصير على هذا النحو الطموح والمربك.

في أقل من 3 أشهر، تحوّل "كورونا"وباءً عالمياً، بعد اختراقه الدوائر المغلقة لقادة العالم الذين اعتقدوا أنبإمكانهم "إعاثة" الفساد، ومن ثم الاحتماء بأبراجهم العالية.

  في 11 مارس/ أذار الجاري، قال رئيس البرازيل جيربولسونارو، وهو اليميني المتطرف، إن "كورونا" لا يعدو عن أن يكون خبراًزائفاً، مقتضباً جمله بعناية، من المكنة الدعائية التي يستخدمها اليمين الشعبوي فيالولايات المتحدة لإعادة انتخاب  الرئيس ترامبلولاية رئاسية جديدة. بعد يوم واحد فقط من تصريحات الرئيس البرازيلي، أصبح ما هو"زائفاً"، حقيقة ناصعة كالشمس: تناقلت وكالات الأنباء إصابة المساعدالإعلامي لبولسونارو بـ"كورونا".

الرئيس البرازيلي ومساعدهفابيو واجنجارتن، كانا قد حضرا في الأسبوع الأول من مارس/ أذار حفل عشاء، في البيتالأبيض دعاهم إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وبعد التأكد من إصابة مساعدبولسونارو بـ"كورونا"، عادت الوكالات التي غطت حفل العشاء للتمعن في الصورالتي نشرها فابيو في حسابه على تويتر، فعثرت على لقطات تذكارية تجمع المسؤولالبرازيلي بشكل لصيق مع الرئيس الأمريكي ونائبه. ذلك يعني أن الرجل اقترب إلىالمسافة صفر، من رئيس أقوى دولة في العالم. ومع عجز الأنظمة الصحية عن الإجابة علىأسئلة كانت تعتبر مجرد بديهيات في تعامل البشر مع الأوبئة، تبقى إصابة دونالد ترامببـ"كورونا" محتملة. وكالات الأنباء أعلنت في 13 مارس/ أذار، إصابةالرئيس البرازيلي بـ"كورونا". حالة اليقين المتعلقة بسرعة انتقالالفيروس، تلعب هنا دوراً رحيماً لصالح "أمنا الأرض".

قدسية تقدم رأس المال

ينطلق تضامن "اليمين الشعبوي"مع بعضه من التشكيك في كل شيء، عندما يتعلق الأمر بالأمن البيئي. أي أن القدسية تقدّمرأس المال، على مسائل الخلاص الجمعي وتضامن الشعوب مع بعضها. لقد قام البرنامجالانتخابي، لترامب، على التشكيك في مشكلة "الاحتباس" الحراري، باعتبارها"خبراً زائفاً" يراد منه تحجيم الدور الريادي للولايات المتحدة في مسألةالصناعات. وبعد توليه منصبه، قاد ترامب حرباً تجارية مع الصين، في محاولة منه لإعادةالشركات الأمريكية للعمل من داخل بلاده.

تقرير رسمي، صادر عن "معهدستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" بداية 2019، أفاد بأن "الولايات المتحدةالأمريكية، تتصدر المركز الأول على لائحة أكبر الدول المصدِّرة للأسلحة في العالم"، ومصانعها الأكثر انبعاثاً لغاز ثاني أكسيد الكربون،المتهم الأول في ارتفاع حرارة الأرض.

  وكان بولسونارو، أول المستفيدين من فكرة"اليمين" التي تقترب من كل شيء مثير للجدل، وتشكك في القضايا التي ينظرلها دعاة السلام والأمن على أنها أساسية في التنمية والاستقرار في العالم.

  بعد أقلمن ثلاثة أشهر على انتخابه رئيسا للبرازيل، شهدت غابات الأمازون في منتصف أغسطس/ آب2019  أسوأ الحرائق في تاريخها. وتنتج الأمازون20 في المئة من الأكسجين الذي يحد من الاحتباس الحراري، ما دعا لإطلاق لقب"رئة العالم" على غاباتها.

  الثلاثاء 28 أغسطس/ آب 2019، رفض بولسونارو،مساعدة دول مجموعة السبع لإخماد حرائق الأمازون، واعتبر أي تدخل بمثابة حربوانتهاك سيادة.

وكان الباحث في البيئة رومولوباتيستا قال إن "تربية البقر المكثّفة هي السبب الأبرز لقطع الأشجار فيالأمازون"، وأن المراعي "تحتلّ اليوم أكثر من 65 بالمئة من الأراضي التيقطعت أشجارها في الأمازون". وضاعف قطع الأشجار لمساحات كبيرة في انتشارالحرائق، التي انتقلت بسرعة كبيرة في الحقول التي تستخدمها المزارع لتربية الأبقار.

وتعدّ البرازيل أكبر مصدّر فيالعالم للحم البقر. وبلغت صادراتها من لحوم البقر كمّية قياسية سنة 2018، تقدّر بـ1.64مليون طنّ، بحسب جمعية الصناعات المصدّرة للحوم في البرازيل. ويعتقد أن الماشيةذات الأمعاء "المستجرة" مسؤولة عما يصل إلى 14 في المئة من انبعاثاتالغازات المُسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة بشرية أو حيوانية.

  لكن بولسونارو أطل في 21 أغسطس/ آب 2019، علىوسائل الإعلام متهماً المنظمات غير الحكومية بإشعال الحرائق عن عمدٍ، رغم أنه لميقدم أيّ دليلٍ يَدعم هذا الاتهام.

بداية العام 2020، تواردت أنباءبأن السلطات الصينية، تتكتم على وباء غاية في الخطورة. في ذات الوقت، كان الرئيسالأمريكي دونالد ترامب يعيد مشاركة تغريدة على حسابه في تويتر، ساخراً فيها من الناشطةالبيئية السويدية جريتا تونبرج ابنة الـ16 عاماً، التي ألقت خطاباً أمام قادةالعالم بشأن التغير المناخي.

ويظهر الفيديو الشابة تونبرجخلال كلمتها في الأمم المتحدة، بقمة المناخ التي عقدت قبيل انطلاق أعمال الدورةالـ74 للجمعية العامة، وعلق عليه: "يبدو أنّها شابة سعيدة جداً. من الرائعمشاهدتها". في ديسمبر 2019، وقّع ترامب مرسوماً نهائياًللانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، لتعيد مصانعه العملاقة العمل بكامل طاقتها.

خطراً مصيرياً

  مع "كورونا" تبدو كل الأخبار زائفة،إلا من كون البشرية تواجه خطراً مصيرياً، لا يحتمل "الأنانية"، التييدير بها اليمين الشعوبي العالم. في فبراير الماضي، صدّر الزعماء الصينيون، خطاباًهلعاً وواضحاً، من أنهم يتعاملون مع مشكلة تهدد العالم، وعصية على السيطرة. فيما كانالحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة يخوضان غمار الانتخابات التمهيدية المؤهلةلرئاسة الولايات المتحدة.

  في الـ26 من فبراير الماضي، اتهم الرئيسالأميركي خصومه الديمقراطيين وبعض وسائل الإعلام -مثل شبكة "سي إن إن"-بإثارة "الهلع" بشأن فيروس كورونا المستجد والتأثير سلباً على الأسواق.

  وقال ترامب في تغريدة على "توتير" إنوسائل الإعلام الكبرى تعمل على تقديم فيروس كورونا بأسوأ ما يمكن، "مما يخلقحالة هلع في الأسواق". في 12 مارس/ آذار الجاري، أعلنت إدارة الصحة في ولايةأوهايو الأمريكية أن عدد المصابين بفيروس كورونا قد يتخطى الـ100 ألف مصاب، فقط،في الولاية، وأن المنظومة الصحية لا تستطيع القيام بعملها أمام هذا العدد الفلكي.وحملت بعض المصادر أن الإدارة الأمريكية المسؤولية، لأنها لم تتعاط مع انتشارالفيروس في ظل حملات الدعاية الانتخابية بمسؤولية، ولم ترجئ الانتخابات التمهيديةللحزب الديمقراطي إلى وقت لاحق.

إيران هي الأخرى، فضّل نظامهاالثيوقراطي، تمرير الانتخابات، على حياة شعب بأكمله، ومالم يكن في حسبان المسؤولينالشائخين، هو أنهم سيكونون وقوداً هم أيضاً، لهذه الجائحة.

استثمار التفاوت

أمام تقهقر الإنسان، واضمحلال خياله، طوّرت الفيروسات التاجية أداءها، على نحو متسارع منذ بداية الألفية الجديدة

  تحرص الأنظمة، في عالم أحادي القطب، علىاستثمار، حالة التفاوت واللامساواة لصالحها. ينعم الأغنياء بالسيارات الفارهة، بينمايحصل الفقراء على غاز الكربون المتصاعد من مصانعها. تحمل الفوائد ومكافآت البنوكالمسؤولين الأمريكان إلى كراسي الحكم، فيما توصل القروض الميسرة الفقراء إلى التشردعلى جادات منهاتن وول ستريت؛ كعارض لسياسات الإفلاس التي تهز أسواق المال، كلماقرر رئيس مصرف أن يكافئ نفسه. ليأتي أخيراً، ما هو عادل في هذا الكوكب المتداعي:فيروس كورونا!

  أمام تقهقر الإنسان، واضمحلال خياله، طوّرت الفيروساتالتاجية أداءها، على نحو متسارع منذ بداية الألفية الجديدة. كانت اللحظة الفارقة،حين قرر كائن ميكروسكوبي دقيق، أن يطوّر من خصائصه الحيوانية، ليصبح بشرياً، علىالنحو الذي تنبأت به أفلام هوليود.

رأينا بعد ذلك، كيف تمكنت نسخغريبة من أنفلونزا شرسة من مهاجمة الأجهزة المناعية البشرية، والانتصار عليها. لكنالجدل يظل قائماً، حول ما إذا كانت هذه الفيروسات من صنع بني البشر، وفيما إذا تماستخدامها في الحروب التجارية الحديثة.

في 12 مارس/آذار اتهم المتحدثباسم الخارجية الصينية الولايات المتحدة بالتسبب في فيروس كورونا، وقال في تغريدةعلى تويتر: قد يكون الجيش الأمريكي هو من أدخل فايروس كورونا إلى مدينة ووهانالصينية، الولايات المتحدة مدينة لنا بالتفسير، وعليهم أن يكونوا شفافين في شأنتقارير انتشار الفايروس في أمريكا.

من جهتها، استدعت الخارجية الأميركية السفير الصيني على خلفية اتهام بكين الجيش الأميركي بجلب فيروس كورونا إلى ووهان.

الصورة لـ (رويترز / توم برينر).

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English