عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (3)

عن مُظاهرة طلاب مدارس صنعاء وصورة جمال عبدالناصر!
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 25, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (3)

عن مُظاهرة طلاب مدارس صنعاء وصورة جمال عبدالناصر!
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 25, 2021

في صيف 1962، وتحديدًا في 23 يونيو، شهدت صنعاء مظاهرة طلابية كبيرة، وتجاوب معها بمظاهرة أخرى طلاب مدارس تعز (المدرسة الأحمدية)، ودائمًا ما أقول أن هذه المظاهرات كانت من شرارات ثورة سبتمبر المهمة؛ وبدأت في صنعاء حينما ذهب مجموعة من طلاب المدرسة الثانوية، وكان موقعها في قلب ميدان شرارة (مقر محكمة هيئة مكافحة الفساد - ميدان التحرير حاليًّا) للشكوى بإدارة المدرسة ومديرها علي عبدالكريم الفضيل والمطالبة بتحسين الوجبات التي تُقدَّم للطلاب، وحينما علم مدير المدرسة بذلك أرسل حُرَّاس المدرسة للقبض على الطلاب، وزَّجهم في سجن المدينة المشهور، الذي عُرف باسم (الرادع) والقريب من منطقة شرارة.

وفي صباح اليوم التالي تجمع طلاب المدرسة الثانوية في ميدان شرارة للمطالبة بإخراج زملائهم المسجونين ومحاسبة مدير المدرسة، وتجاوب مع مطالبهم طلاب المدرسة العلمية مباشرة، والتحق بهم بعد ذلك طلاب المدرسة المتوسطة المجاورة للمدرسة العلمية (موقع مدرسة الوحدة الآن)، وبعدها خرج طلاب مدرسة الإصلاح الابتدائية التي كان موقعها جوار المدرسة الثانوية ( المبنى القديم لوزارة التربية والتعليم)، ثم انطلقت المسيرة من شرارة فباب السبَح والنهرين فالخرَّاز إلى داؤود فسوق البقر وسوق الملح، وصولًا إلى الميدان حيث مدرسة (مكتب) الأيتام جوار قصر السلاح (كلية القيادة والأركان)، فانضم طلابها للمظاهرة، ومعهم طلاب دار المعلمين الذي كان يقع في ذات المنطقة.

كل طلاب مدارس مدينة صنعاء تقريبًا، تحولوا إلى سيل جارف لا يصده أحد؛ خرجوا من (باب ستران) المجاور لقصر السلاح (قرب مستشفى الثورة) وتوجهوا إلى مباني الجيش (العُرضي)، (موقع وزارة الدفاع والمؤسسة الاقتصادية الآن)، وحينما وصلوا إلى (سوق الصميل) المجاور للعرضي، بدؤوا يهتفون باسم الجيش، ويطالبون بخروجه لإسناد المظاهرة ومطالب الطلاب، غير أن الحراسة أغلقت الأبواب، وبعدها بقليل وصلت سيارة عسكرية صغيرة مكشوفة من نوع (ويلس جيب) وعليها عبدالله يحيى السلال قائد حراسة البدر وعبدالله بركات وعبدالله الظبي، ثم ارتجل السلال خطابًا يطالب فيه الطلاب بالهدوء، وأنه مرسل من ولي العهد لتسوية الموضوع وتنفيذ مطالبهم، غير أن ردة فعل الطلاب كانت عنيفة تجاههم، ووصلت إلى رشقهم بالأحجار، فما كان منهم إلا المغادرة بسرعة على ذات السيارة التي وصلوا عليها.

عند وصول المظاهرة إلى أطراف حي "بير العزب"، اتجهت شمالًا نحو الإذاعة بموقعها الحالي (جوار رئاسة الوزراء)، فباشرها حراس الإذاعة (فوج البدر) بالرصاص الحي، فأصيب مجموعة من الطلاب، ومنهم الطالب أحمد العماد وعبدالله المؤيد، فنقلهم زملاؤهم إلى المستشفى العام - الجمهوري حاليًّا

تجمع المتظاهرون من جديد، واتجهوا غربًا، ثم شمالًا نزولًا باتجاه السائلة، وحينما وصلوا إلى قبالة حارة ومسجد النهرين، انكسر سيل الطلاب غربًا باتجاه (باب السبح)، وبعد تجاوزهم لمعبر "الغيل الأسود"، بالقرب من باب شرارة، وكان وقتها دفقه المائي كبيرًا بسبب موسم الأمطار، خرجوا من جديد إلى الميدان واتجهوا شمالًا نحو وزارة المعارف، فدخلوا إلى المبنى، وكان بداخله الوزير (عامو)، الذي استطاع الهرب مع كبار موظفيه من باب خلفي، فاكتفى المتظاهرون بتكسير وتحطيم النوافذ، ولم ينهبوا محتويات المبنى.

خرجوا بعدها باتجاه الميدان، وكان على يمينهم بستان كبير تعود ملكيته لأسرة الإمام (فيه الآن محلات للتصوير والطباعة، وكانت قبل ذلك مدينة ألعاب قديمة في التحرير)، فدخلوه وقطفوا ثماره الناضجة وغير الناضجة (من فرسك وبرقوق ورمان وسفرجل وتين)، ثم سلخوا بعض الأغصان المتينة من الأشجار وحولوها إلى عصي خضراء (صِمْوَل باللهجة اليمنية، وهي جمع صميل أي عصا غليظة) يتسلحون بها، وبعد خروجهم انتظموا في المظاهرة من جديد رافعين شعار يسقط الإمام، بالرغم من أنهم كانوا يحملون صورة كبيرة للإمام أحمد، المريض في تعز، وإلى جوارها صورة لولي العهد الأمير محمد البدر وراية المملكة المتوكلية الحمراء والمشغولة من القطيفة الثقيلة بسيفها ونجومها الخمسة، وعند وصول المظاهرة إلى أطراف حي "بير العزب"، اتجهت شمالًا باتجاه (دار الخير)، ولم تدخله بل ذهبت باتجاه الإذاعة بموقعها الحالي (جوار رئاسة الوزراء). وقبل أن تصل المظاهرة باشرها حراس الإذاعة بالرصاص الحي، وكانوا وقتها جنودًا غلاظًا من منطقة الأهنوم في حاشد، سلَّحهم البدر بأحدث الأسلحة التي جلبها من تشيكوسلوفاكيا، وكانوا يعرفون بـ"فوج البدر"، فأصيب مجموعة من الطلاب، ومنهم الطالب أحمد العماد وعبدالله المؤيد، فنقلهم زملاء لهم على وجه السرعة إلى المستشفى العام (المستشفى الجمهوري بموقعها الحالي)، حيث أشرف على علاجهم الدكتور الإيطالي ماريو وزوجته.

لم تتفرق المظاهرة، بل تجمعت من جديد وتحركت باتجاه بستان كبير يقع شمال دار الحمد (بستان الخير)، وفي مكانه اليوم صارت مباني المختبر المركزي ومستشفى الكويت، حيث بدأ الطلاب بالاعتصام وقت الظهيرة. بدأ الجميع يشعرون بالجوع الشديد، فاقترح قادة المظاهرة أن تتشكل فرق من بعض طلاب المدرسة العلمية والثانوية للذهاب إلى الأقسام الداخلية في المدارس وإحضار الطعام المخصص لهم، وكنتُ أنا من ضمن الطلاب الذين ذهبوا إلى المدرسة العلمية، وعند دخولنا إلى المطبخ كنا نأخذ مواعين الطبخ الكبيرة بكل ما تحتويه من مطبوخات ونحملها فوق الجواري (عربات خشبية بعجلات بدائية تجرها الحمير، أجبرنا أصحابها على حمل الطعام)، وبعضنا صعد إلى غرف المراقبين (مشرفو المدرسة) وأجبرناهم على تسليم كل حصة الكُدَم الخاصة بالطلاب، ومجموعة أخرى قامت بفتح صناديق الطلاب، أو كسر أقفالها من أجل إخراج كسر خبز أو بقايا كدم يحتفظون بها، فقد كان الخبز شيئًا ثمينًا عندهم ويتوجب حفظه بعيدًا عن الأعين.

عدنا بالجواري محملة بالأكل إلى البستان حيث يعتصم الطلاب، فتم تقسيم الأكل المجلوب بالتساوي بين المعتصمين، الذين كانوا لا يزالون محتفظين بكثير من حماسهم، حتى ما بعد العصر بقليل، حينما وصل إلى مكان الاعتصام اثنان من الأمراء الصغار، والذين كانوا يدرسون معنا في المدرسة العلمية (بحجرات خاصة، مع مجموعة من أبناء نواب الإمام وعماله في النواحي والقضوات وينتمون للأسر الهاشمية). وصل الأمير محمد بن المحسن، والأمير علي بن علي بن يحيى، ومعهما عسكر من القلعة (السجن)، وقالوا إنهم جاؤوا للتفاوض معنا بحكم الزمالة، وإنهم ملتزمون بتنفيذ كل طلباتنا. غير أننا رددنا عليهم بشعارات قوية، مثل: "يسقط الإمام"، و"نريد جمهورية"، وحينما رأيا أن التوتر مرتفع غادرا مع جنودهم. لم يمضِ وقت طويل، وبعد أن بدأ الخوف يدب في نفوسنا بفعل أسئلة تعاظمت فينا؛ أين سنبيت الليلة وماذا سنأكل، وصل الأمير محمد بن الحسن قبل المغرب راكبًا خيله، ومعه عسكر أكثر من "القلعة" و"الرّادِع" (سجن أيضًا)، وبدأ بالخطابة وقال إنه متفهم غضبنا، وأن هذا الأمر قد وصل لولي العهد، وأنه من أرسله لدعوتنا لمقابلته في دار البشائر، ثم طبع وجهه أنه لن يمسنا أي ضرر.

جاء أحد الأمراء الصغار، وكان زميلًا لنا بالمدرسة، إلى البستان الذي نعتصم فيه، وأخبرنا بأن البدر يريد مقابلتنا، فذهبنا، لكن جنوده ساقونا إلى باب "شرارة" (ميدان التحرير) فتفاجأنا بصورة للرئيس عبدالناصر، فعاد الحماس للطلاب وهتفنا لعبدالناصر وسقوط الإمام 

كان المعارضون قلة في أوساط الطلاب وكان صوتهم خافتًا، أما الأغلبية من المعتصمين فقد صاروا ملولين، ويريدون ترك الاعتصام بفعل الخوف، فجاء مثل هذا الاقتراح مخرجًا لهم، وجرف معه أيضًا صوت الأقلية المعارضة. خرجنا من البستان بشكل منظم ونحن نزمجر بصوت مرتفع (كنا نردد نشيدًا للأستاذ البردّوني، يقول: "زمجري بالنار يا أرض الجنوب/ وألهبي بالحقد حبات القلوب/ واقذفي الحقد دخانًا ولهيب/ واركبي الموت إلى المجد السليب"، وكانت كلماته تمثل النشيد الطلابي العام. مررنا بالقرب من سكن سيف الإسلام علي بن يحيى بن حميد الدين، المعروف بـ"دار الحمد"، وبعد تجاوزه اتجهنا شرقًا ووصلنا إلى مسجد حنظل بالقرب من دار البشائر. وفي محيط القصر وجدنا مجموعة كبيرة من العُكفَة (حرس الإمام الخاص الذين يُنتقون بعناية ومن أسر مشايخ معروفة)، وعسكر من "فوج البدر" بأسلحتهم الحديثة، وجنود من الجيش النظامي مصطفّين على جانبي الطريق. كنا نظن في البداية أنهم مرتصون ومنتظمون لاستقبالنا بنوع من التشريف، لكنهم كانوا في الأصل يضعون حولنا كماشة قوية. هناك مجموعة من الطلاب تنبهوا لذلك فبدؤوا بالانسحاب الفردي، وذابوا في أزقة منطقة "البونية" (أحد أحياء مدينة صنعاء)؛ وحين وصلنا إلى البوابة الخشبية الكبيرة في الناحية الشرقية للدار، وجدنا أنفسنا محاطين بالجنود المدججين، وبأن صورتين كبيرتين جديدتين للإمام أحمد وولي العهد محمد البدر، بالإضافة إلى الراية الحمراء الثقيلة المشغولة بالسيف والنجوم، كانت تعتلي رؤوس المتظاهرين؛ ثم ساقونا أمامهم وهم موجهون فوهات بنادقهم وعصيّهم علينا، ولا يستطيع أحد منا الهرب.

أوصلونا إلى باب "شرارة" فتفاجأنا بصورة للرئيس جمال عبدالناصر ملونة كبيرة و(مزجَّجة) تعلو المظاهرة؛ من أين جاءت وكيف هبطت؟ لا ندري! بعدها بدأ الحماس يدُّبُّ من جديد في أوساط الطلاب واشتعلت الحناجر بالهتاف للزعيم جمال عبدالناصر وسقوط الإمام، وهو ما استفز الجنود، فقام أحدهم من فصيل "العكفة" طوال القامة، بضرب زجاج الصورة بسونكي البندقية "الشيكي" (سكين، خنجر، سيف، أو نصل يُثَبَّت في ماسورة البندقية ويستخدمه الجنود المشاة في القتال عند الالتحام، والبندقية الشيكي نسبة لبلد صنعها التشيك). ضرب زجاج الصورة بقوة فتناثر الزجاج فوق الرؤوس، وهو يهتف: "حفظ الله الإمام"، فتبعه العسكر بصوت واحد ومجلجل: "حفظ الله الإمام، يعيش الإمام"، فما كان من الطلاب إلاَّ إسقاط صورة الإمام وولي العهد وراية المملكة المتوكلية أرضًا والدوس عليها. هنا ثارت الأرض بالجنود، فبدؤوا بضربنا بأعقاب البنادق و"الصِّموَل" (العُصي الغليظة) بعنف شديد، ثم جاء جنود إضافيون وساقوا من تبقى من الطلاب، بعد هروب مجموعة أخرى باتجاه باب السبح، إلى سجن الرادع، على الأطراف الغربية لحارة الطبري، بمقابل سور دار السعادة الشرقي.

"يتبع"


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English