إدمان ثقافة الموت !

عبدالرحمن بجاش
September 13, 2020

إدمان ثقافة الموت !

عبدالرحمن بجاش
September 13, 2020

خيوط الفجر

لا يمر صباح دون افتتاح يومك بأخبار الموت! لا اعتراض على الموت كقدر، فكلنا سنموت؛ الاعتراض على كيفية أن تموت، ولماذا؟ كيف لك أن تتقبل أن يخرج ابن الأكحلي، بعد اتصال من أصحابه -كما قيل، وهذا حسب ما أخبرني صديق- فخرج إليهم بسيارته، حسب هذه الرواية أيضاً، فقتلوه وتركوا جثته فوق السيارة وذهبوا! معقول هذا؟! وبالمثل، الشاب عبدالله الأغبري؛ تعددت الروايات بشأن قضيته، لكن المؤكد أنه قُتل.

ذات يوميات، تحت عنوان "حديث الوطن"، قلت: أخشى أن يأتي يومٌ تتحول فيه تحية الصباح إلى تحية مقرونة بأخبار الموت، كما هو حاصل في العراق! يبدو أننا وصلنا إلى الحالة العراقية، بل تعديناها.

إذا لم نجد كل صباح خبرًا مؤلمًا، ألّفناه وزدنا على الرواية روايات من رؤوسنا، وكلٌّ منا يحاول أن يظهر هو العارف بكل المعلومات، وعلى "الديوان" (مقيل القات) الذي "يخزّن" فيه، أن يهز رأسه موافقًا على ما يقول، وغصبًا عنّا، وإلا فلن يكون يومنا يوم طبيعي!

  صار الموت في حياتنا أمرًا عاديًّا، وصرنا نتبادل أخباره كما نتبادل التحايا جميعها، بل أصبح تجارة يستفيد منها كثيرون. صار دمنا سلعة، وتحت شعارات لا علاقة لها بالانتماء ولا بالولاء، بل بمشاريع مختلفة ليس لها بعدها الوطني!

في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، يموت الأبطال بدون معرفة هُوياتهم، سوى الهوية الأكبر "الانتماء للوطن"، والولاء له لا غيره

عندما لا نجد حالة موت، قتل، حادث سيارة، في الصراع المحتدم الذي ندفع ثمنه من أرواح شبابنا، تنطلق الشائعات حتى نصدقها، لأن الأمر ضرورة، كما عبر عنها أحدهم: «أشتي أخترع حكاية للمقيل»! وأفضل الحكايا، حكايا الموت المجاني.


في القضايا الوطنية الكبرى، يكون للموت شكله الآخر وقيمته الغالية؛ فأن تموت من أجل قضية وطنية، حولها إجماع الناس كلهم، يكون السعي للموت من أجلها شرف، وأي شرف.

  في البلدان التي دفع الناس أرواحهم ثمنًا للقضايا الكبرى، يقدَّسون، وتنحت لهم التماثيل، ويشار إلى أبطال الحرب باحترام لا حدود له؛ ففي الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، يموت الأبطال بدون معرفة هوياتهم سوى الهوية الأكبر "الانتماء للوطن"، والولاء له لا غيره.

في حروب الدفاع عن الأوطان، تتماهى الهُويات الجهوية، والمذاهب، والطوائف، ولذلك -على سبيل المثال- أظهرت قائمة معلقة في مقبرة الشهداء المصريين، من جنود وضباط، أن القبطي المسيحي استشهد إلى جانب المسلم، المسلم فقط بدون مذهبه ولا طائفته ولا منطقته. هنا يدمن الإنسان على قيمة الاستشهاد دفاعًا عن وطن، وهنا أيضًا يتشكل وعي لاحق بقيمة حب الوطن، بحيث يمكنك القول بوجود ثقافة الولاء والانتماء؛ ولأن قضايانا انحرفت عن أهدافها، لم نرَ ولم نلمس ثقافة "ثورة" ولا ثقافة "وحدة!"

إدمان عن إدمان يختلف؛ الثقافة ببعد وطني، تختلف عن ثقافة المشاريع الشخصية التي تعبر عن أشخاص أو جماعات. مستقبلًا، سنرى تشوّهًا في أعماق الشخصية العامة، نتيجة إدمان المشاريع الشخصية، الذي يروَّج له باعتباره قضية وطنية، بينما هو ليس كذلك، بل يؤسس لثقافة قائمة على الشخصنة، فينتج عنه تأليه هذا ونفيَ ذاك. نتيجةٌ لفشل ذريع، والأيام بيننا.


•••
عبدالرحمن بجاش

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English