فاكهة اليمن التي تأكل نصفها الحشرات

استمرار تدفّق الرمّان رغم الحرب وآفاتها
محفوظ الشامي
September 6, 2020

فاكهة اليمن التي تأكل نصفها الحشرات

استمرار تدفّق الرمّان رغم الحرب وآفاتها
محفوظ الشامي
September 6, 2020
ت: محمد الصلوي

تشهد الأسواق المحلية تدفُّقًا متواصلًا للرمان "الصعديّ"، الذي يُعدّ من أجود أصناف الرمّان على المستوى العالمي، ويحظى بمكانة كبيرة في الأسواق الخليجية والإقليمية، التي اعتادت استقبال كميات كبيرة من الرمان اليمني في موسم إنتاجه، رغم تأثيرات الحرب الدائرة في البلاد، وتوقف تصديره لنحو عامين إلى الأسواق السعودية، التي تُعدّ المستوعب الرئيسي للرمّان الصعديّ اليمنيّ.

إلى جانب أهميته الاقتصادية والتجارية والزراعية، يكتسب الرمان أهمية غذائية وصحية كبيرة، إذ تكشف الدراسات الفوائدَ الصحية والغذائية الواسعة لهذه الفاكهة الغنيّة بالفيتامينات والمعادن.

حسب الخبير الزراعي المتخصص في الفاكهة المتساقطة الأوراق وتربية النبات، الدكتور حسين ضيف الله الورد، الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة صنعاء، فإن اليمن "تمتلك كل الإمكانيات والمقومات التي تجعلها المُصدِّر الأول عالميًّا لفاكهة الرمّان، في حال استغلال الأراضي الزراعية بشكل صحيح، نظرًا لحضور البيئة الزراعية المُثلى لإنتاج هذه الفاكهة".

قدّم أكاديميون في جامعة صنعاء تصوّرًا لتطوير زراعة المنتج، لكن إهمال وزراة الزراعة عطّل هذه الفكرة رغم بساطة تنفيذها. يضيف "الورد" في حديثة لـ"خيوط"، بهذا الشأن، أن "اليمن مخزن ضخم جدًّا للمحاصيل، وبالإمكان تصدير الرمّان ليس إلى الخليج فحسب، بل إلى أوروبا إذا تم استغلاله واستثماره بشكل أمثل".

يؤكد هذا الخبير الزراعي غياب الاهتمام الرسمي لمساعدة المزارعين، لافتاً إلى أن ما يُستغل من الأرض اليمنية للزراعة لا يتعدى الـ 5%. وقال إن "بالإمكان زراعة الرمّان بأكثر من منطقة في اليمن، بما في ذلك "أرخبيل سقطرى"؛ المحافظة الساحلية الحارة، كمثال على ذلك.

وفق بيانات إدارة الإحصاء الزراعي التابعة لوزارة الزراعة والري، للعام 2019، فقد بلغ إنتاج اليمن من الفواكه نحو 953 ألف طن، من مساحة زراعية قدّرت بحوالي 92 ألف هكتار، منها 27 ألف طن من فاكهة الرمّان تم إنتاجها من مساحة زراعية قدّرتها البيانات بنحو (2630) هكتارًا، بنسبة زيادة قدرها ألفا طن مقارنة بالكمية المنتجة للعام 2018، وحوالي 4 آلاف طن عن عام 2015.

فاكهة صيفية

الرمّان شجرة صيفية تأخذ كمية كبيرة من المياه، ويمكن زرعها بسهولة وبطريقتين؛ إما بالبذور، كحال كثير من الشجر، وإما بغرس فسائل مجزأة من أصل الشجرة، والأخيرة طريقة تقليدية. وبحسب الدليل الإرشادي الذي أصدرته وزارة الزراعة فيما يخص زراعة الرمّان، فإن المحافظات اليمنية التي يزرع فيها هي (صعدة - عمران - ذمار - صنعاء - البيضاء - تعز).

  وتتباين أصناف فاكهة الرمّان في اليمن حسب المنطقة الزراعية، وبقدر جودة التربة الملائمة تكون لَذّة طعم الفاكهة. فصعدة، المحافظة اليمنية الواقعة في أقصى الشمال والقريبة من الحدود السعودية، تعتبر المحافظة الأولى في زراعة الرمان. ويصنف "الخازمي"، وهو نوع من أنواع فاكهة الرمّان بأنه الصنف الأكثر شهرة وجودة بين بقية الأصناف، سواء التي تزرع في صعدة أو في بقية المحافظات.

أمّا الأنواع الأخرى مثل "بلدي، ليسي، فحصم، طايفي، حبشي"، فتُعدّ صعدة مصدر إنتاجها الرئيسي إلى جانب محافظات أخرى.

"ماهر الريمي" (43 سنة)، لديه محال لبيع الخضروات والفواكه في حي الدائري بصنعاء، يتحدث لـ"خيوط" عن أسعار الرمّان في الأسواق المحلية. يقول ماهر: «يختلف سعر بيع الرمّان من بداية موسمه إلى المنتصف، وحتى نهاية الموسم؛ حيث يصل سعر الكيلو الواحد في بداية الموسم إلى 1000 ريال يمنيّ، وحين يتوافر بكثرة ينخفض السعر إلى 500 ريال للكيلو الواحد».

وتتفاوت الأسعار بين الارتفاع والانخفاض حسب هذا البائع؛ لأن تدفق الفاكهة غير منضبط، فتارة تتوافر كميات كبيرة، وفي بعض الأحيان يكون التدفق منخفضًا. ويشدّد على ضرورة التعامل مع الرمّان بحرص أثناء تخزينه، وإلا فإنه سيتعرض للتلف، ما يتسبب في خسارة التاجر.

وحسب تجار في الأسواق، فإن توقف التصدير العامين الماضيين، وبيع كميات كبيرة من الرمّان في السوق المحلية، جعل سعره ينخفض، لكن في حال تصديره يمكن أن يتجاوز سعر الكيلو الواحد 1500 آلاف ريال يمني.

خبير زراعي: المزارع اليمني ينتج الرمان بجهود فردية، والمؤسسة الزراعية لا تقدّم المعالجات أو الاستشارات، ويمكن القول إنها غائبة تمامًا

لطالما ظلت صادرات الرمّان المصدر الرئيسي للدخل لملاك المزارع. وقبل اندلاع الحرب في اليمن، كان المزارعون يصدرون نحو ثلاثين ألف طنّ سنويًّا وفق تجمّعات زراعية، وبعدها تراجعت الكمية لاحقًا نتيجة نقص المشتقات النفطية وانعدامها وذهاب مصادرها بين طرفي النزاع في الداخل، ونتيجة التأثير الذي خلفه حصار "التحالف العربي" على اليمن؛ حيث أفضى إلى توقف نشاط التصدير والاستيراد التجاريين مما أسهم في خسارة كبيرة للمزارعين.

ويُشار إلى أن فترة توقف تصدير الرمّان اليمنيّ من صعدة، بوصفها الحاضنة لعدد كبير من المزارع، إلى المملكة العربية السعودية، كانت محددة بسبب إفراط المزارعين في رشّ الرمّان بالمبيدات، وقد استأنفت السعودية الاستيراد بعد أن تواصلت سفارتها مع معنيين زراعيين يمنيين حسّنوا من وضع المنتج. 

طه، أحد ملّاك المزارع في صعدة، يقول لـ "خيوط": «توقف التصدير ليس في مصلحتنا، وما إن عاد حتى تحسّن وضعنا وزاد دخلنا نحن المزارعين؛ فالكميات الكبيرة من الرمّان لو ظلت كلها في السوق المحلية لفسدت، لعدم وجود برادات مركزية تحفظها من التعفن».

مشاكل واَفات زراعية

غياب العمل المؤسسي والإشرافي من قبل وزارة الزراعة أمرٌ يجعل مزارع الرمّان تواجه الكثير من الصعوبات؛ فالكثير من الآفات والمخاطر ترافق موسم الرمّان، ما يفضي إلى تقليل الإنتاجية.

الدكتور محمد عبدالرحيم الزمير، متخصص في أمراض النبات بكلية الزراعة جامعة صنعاء، يقول لـ"خيوط": «أكثر المشاكل في زراعة الرمّان هي موت الشجرة نفسها، فما يحدث هو أن الشجرة تموت بسبب مرض يسمى ذبول أشجار الرمان، وهو فطر يقضي على الشجرة تمامًا، واسمه العلمي "fusariam oxysporum"، وكذلك مرض عفن جذور الرمان "fusariam solon". هذه الأمراض يكون مصدرها التربة غير السليمة، والاهتمام بحالة تربة حقول زراعة الرمّان يكون من خلال عدم نقل تربة ملوثة إلى حقل سليم، وكذلك تعقيم التربة إن ظهر بها العفن والفطر».

كثيرة هي الآفات والحشرات التي ترافق موسم نضوج فاكهة الرمّان، ولعل أشدها فتكًا، كما يقول الدكتور الزمير، هي حشرة "المنّ" التي تفقس بيوضاً في ثقوب تصنعها على فاكهة الرمان، فتتحول البيوض إلى ديدان تفسد الرمّان. ويؤكد الزمير أنّ «المزارع اليمني ينتج الرمان بجهود فردية، والمؤسسة الزراعية لا تقدّم المعالجات أو الاستشارات، ويمكن القول إنها غائبة تمامًا».

في محافظة ذمار يشكو المزارعون من فقدان الثمرة، ويتحدثون عن غياب تامّ للمعنيين الزراعيين الذي يفترض وجودهم لمساعدة المزارع، وهو صاحب خبرة ليست كافية لإخراج منتج بجودة وبكمية مرتفعة. 

 ناصر الحداء، مالك مزرعة بمنطقة "الحدا" بذمار (100 كيلومتر جنوب العاصمة صنعاء)، يقول لـ"خيوط": «غياب الإشراف الزراعي المؤسسي على منتجاتنا، يجعلها تذهب هدرًا، فقلة خبراتنا في التعامل مع الآفات التي ترافق موسم الثمرة، يُفقِدنا أحيانًا كل شيء، وأحيانًا أخرى نصف الشيء، وفي بعض المواسم ننجو كليًّا».

تتعدد الآفات القاتلة التي تتسبب في إتلاف فاكهة الرمان، وتعتبر حشرة "المنّ" أكثرها خطورة؛ حيث تضع بيوضها في الثغرات التي تتفتح بفعل توسع الفاكهة ونموها، فتتحول البيوض إلى حيتان صغيرة تفسد الفاكهة. وزارة الزراعة لا تقدم الاستشارات ولا التثقيف الزراعي أو طرق حماية المنتجات من خطر الآفات، ففي دول عربية منتِجة للرمّان على سبيل المثال، هناك طرق علاجية بيولوجية متبعة تُمنَح للمزارعين لمكافحة الأخطار والحشرات والدود، أما نحن فنعمل وَفقَ قدرات بسيطة، ما يجعلنا في قلق بشأن تحقيق الربح من عدمه، يقول "الحداء".

 مآلات الحرب وانعدم المشتقات النفطية المتكرر، قلّل من إنتاج الرمان في صعدة، وهي المحافظة التي يُزرع بها الرمّان بنسبة عالية، ما شكّل معاناة للمزارع طيلة موسم الرمّان، لكنه ابتكر لنفسه بدائل طاقات أخرى تمكّنه من الاستمرار في الإنتاج.

 حازب المهذري، مزارع من مدينة صعدة يقول لـ"خيوط": «كنا نعاني من أزمات المشتقات النفطية واختفاء مادة الديزل وارتفاع سعرها قبل عامين من الآن، أمّا في الوقت الراهن فقد تم حل الأمر جذريًّا باستخدام ألواح الطاقة الشمسية كحلٍّ بديل، وهكذا خفت الأزمة لدينا».

في مناطق زراعة الرمان المختلفة تتشابه المعاناة، وتكاد تكون متشابهة فيما يتعلق بالآفات الحشرية، التي تفسد منتجات الرمّان أثناء مراحل نضوجه، ورغم استخدام المبيدات، إلا أنها لا تعالج المشكلة كليًّا، ما يجعلنا نخسر بعضًا من المحصول، يضيف المهذري.

تحرير "خيوط"


•••
محفوظ الشامي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English