متجاوزاً 15 إحاطة في 15 شهراً

تسرب ناقلة صافر يصل مجلس الأمن
محمد راجح
July 22, 2020

متجاوزاً 15 إحاطة في 15 شهراً

تسرب ناقلة صافر يصل مجلس الأمن
محمد راجح
July 22, 2020

تستمر ناقلة النفط اليمنية صافر العائمة في ميناء رأس عيسى بالحديدة غربي اليمن، بالاستحواذ على اهتمام المجتمع الدولي، ومحوراً للتجاذبات الرئيسية مؤخراً بين طرفي الحرب؛ الحكومة المعترف بها دولياً وأنصار الله (الحوثيين).

وبعد 15 شهراً من الجلسات المنتظمة المخصصة للحرب في اليمن، وصل تسرب ناقلة صافر العائمة إلى أروقة الأمم المتحدة، إذ تناول مجلس الأمن في جلسة افتراضية مساء الأربعاء الكارثة البيئية والاقتصادية والإنسانية المحتملة، وما قد يترتب على تسرّب النفط، وأبرزه تهديد الحياة البحرية ومصادر الرزق في اليمن والدول المجاورة، والتأثير على حركة الملاحة والتجارة الدولية والصيد.

الأمم المتحدة أعربت عن أملها في التوجه خلال أسابيع إلى خزان "صافر" النفطي العائم في البحر الأحمر لإجراء تقييمات وإصلاحات أولية بعد تسرّب مياه البحر في مايو/ أيار 2020، إلى غرفة المحرك، وما أثارته هذه الحادثة من تخوفات بيئية واقتصادية وإنسانية قد تنجم عن أي تسرّب أو انفجار للخزان.

وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارك لوكوك، قدم إحاطته في جلسة مجلس الأمن الطارئة والنادرة في مناقشة هذه القضية في ظل استحواذ الحرب والصراع الدائر على كل الملفات الخاصة باليمن، قائلاً "إنها الإحاطة الـ 15 خلال الأشهر الـ15 الماضية حول خزان صافر العائم"، مضيفاً أنه "في مايو/ أيار، جَعلَنا تسرّبٌ من صافر أقرب أكثر من أي وقت مضى إلى كارثة بيئية".

وفق لوكوك فإن سلطات أنصار الله (الحوثيين) وافقت خطياً على دخول بعثة أممية طال التخطيط لها إلى الخزان، ويأمل المسؤول الأممي في أن يتم الأمر "في غضون الأسابيع القليلة المقبلة".

  حتى الآن لا توجد دراسات وأبحاث دقيقة تحدد المدى الذي قد يصل إليه الأمر في حال حدوث تسرب أو انفجار من الناقلة العملاقة المتروكة في المياه اليمنية في ميناء رأس عيسى النفطي المستخدم من قبل شركة صافر اليمنية في تصدير النفط من الحقول المنتجة في المناطق الشرقية لليمن، في مأرب والجوف وشبوة وأهمها حقل صافر (18).

تؤكد الأمم المتحدة أن أي تسرب لمياه البحر إلى غرفة المحرك قد يتسبب بخلخلة الخزان وقد ينتهي الأمر بغرقه بالكامل، وهذا بلا شك سيؤدي إلى تسرب شديد في النفط

يعد هذا الحقل الركيزة التي كانت تستند عليها المنظومة الاقتصادية في اليمن المعتمدة على النفط والغاز كمورد وحيد، مع عدم القدرة على تنويع مصادر الدخل خلال السنوات الماضية التي سبقت الحرب.

وانهار إنتاج اليمن من النفط منذ عام 2015، وأدّت الحرب إلى كبح إنتاج الطاقة وإغلاق مرافئ التصدير، إذ وصل إنتاج اليمن إلى نحو 127 ألف برميل يومياً في المتوسط قبل الحرب في 2014. ويعتبر النفط المحرك الرئيس للاقتصاد الوطني، ويمثل 70% من موارد الموازنة، و63% من الصادرات، وتمثل عائداته نسبة كبيرة من موارد النقد الأجنبي.

ويدور صراع طفى إلى السطح مؤخراً بين الحكومة المعترف بها دولياً وأنصار الله (الحوثيين) حول كمية النفط الخام الذي تحمله سفينة صافر المهددة بخطر التسرب، والذي يصل إلى نحو 1.1 مليون برميل، تصل عائداتها في حال تم تسويقها وبيعها نحو 50 مليون دولار.


مياه البحر في غرفة الخزان

وكانت الأمم المتحدة حصلت في أغسطس/ آب 2019، على تأكيدات مماثلة من قبل سلطة أنصار الله (الحوثيين)، وشكلت فريقاً أممياً، وجلبت معدات للقيام بعملية الإنقاذ للسفينة قبل إلغاء سلطة صنعاء قرار الموافقة لوصول البعثة قبل ليلة من موعد توجهها إلى الخزان، بحسب لوكوك.

وتؤكد الأمم المتحدة أن مياه البحر قد تسرّبت في 27 مايو/ أيار 2020، إلى غرفة المحرك في خزان صافر، ولم يتم تحديد السبب إلا أن الصيانة لم تتوفر للخزان منذ تصاعد القتال في اليمن قبل ستة أعوام. وحذر لوكوك قائلاً: "قد يتسبب تسرب مياه البحر إلى غرفة المحرك بخلخلة الخزان وقد ينتهي الأمر بغرقه بالكامل، وهذا بلا شك سيؤدي إلى تسرب شديد في النفط".

نظراً للكمية التي يحتويها خزان صافر من النفط، في حال حدوث تسرّب، سيكون ذلك أشدّ بأربعة أضعاف، حسب قول المسؤول الأممي في الجلسة الافتراضية لمجلس الأمن، من تسرّب النفط خلال كارثة "إكسون فالديز" المعروفة في ألاسكا قبل نحو ثلاثين عاماً.

وتؤكد الأمم المتحدة أن المياه التي تسرّبت إلى غرفة المحرك كانت نسبياً قليلة، وتمكن الغوّاصون في شركة صافر من احتوائها بعد عمل خطير استغرق خمسة أيام، حيث أمضى الغواصون ما مجموعه 28 ساعة تحت الماء، لكن الإصلاح الذي قاموا به مؤقت، ومن المستحيل معرفة كم من الوقت سيصمد.

إذا حدث تسرّب نفطي، قد يُغلق ميناء الحُديدة لأسابيع أو ربما لعدة شهور بحسب المسؤول الأممي. ولأن اليمن يستورد تقريباً كل شيء، ومعظم الواردات تأتي عبر ميناء الحديدة، أو ميناء الصليف، فإن إغلاق أي من هذه الموانئ لفترات طويلة قد يتسبب في انعدام الاستقرار في الواردات التجارية والإغاثية، وسينجم عن ذلك معاناة مضافة يتكبدها ملايين اليمنيين، من بينهم اليمنيون الذين يعانون من الجوع الآن في صنعاء وصعدة وإبّ وغيرها من المناطق البعيدة عن الساحل.


صراع الخطوة الأولى

في مارس/ آذار 2018، طلبت الحكومة المعترف بها دولياً وسلطات أنصار الله (الحوثيون) رسمياً مساعدة الأمم المتحدة، على أن تكون الخطوة الأولى تقييماً فنياً من أجل تقديم أدلة محايدة تسير بالأطراف نحو الخطوات التالية، والتي قد تشمل الإخراج الآمن للنفط والتخلص من الخزان إذا اتفق الطرفان على ذلك.

وأوضح لوكوك أنه طوال معظم عام 2018، أصبح من الخطر زيارة الموقع بسبب المعارك التي دارت في الساحل الغربي لليمن آنذاك، ولكن مع اتفاقية ستوكهولم في ديسمبر/ كانون الأول 2018، ووقف إطلاق النار لاحقاً في الحديدة، أصبح الوصول الآمن ممكناً مرة أخرى. ومنذ ذلك الوقت، تعمل الأمم المتحدة بشكل وثيق مع الأطراف لتأمين التصاريح اللازمة حتى يتمكن فريق الأمم المتحدة الفني من الانتشار.

المسؤول الأممي الذي تحدث طويلاً في جلسة مجلس الأمن أشار إلى أن الحكومة المعترف بها دولياً، كانت وافقت على إجراء التقييم، وسعت بنشاط لتسهيل الوصول إلى صافر، فيما كان الطلب الأكثر تكراراً من سلطات أنصار الله (الحوثيين) نشر آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في الحديدة قبل إجراء أي تقييم لصافر. يتابع لوكوك: "هذه قضية غير مرتبطة على الإطلاق بالخزان".

كما سعت سلطات أنصار الله (الحوثيين) إلى الحصول على تأكيدات بأن أعمال الإصلاح ستتم بالتزامن مع التقييم، بحسب لوكوك. وأضاف: "قامت الأمم المتحدة بتعديل خطة البعثة لتتضمن تقييماً فنياً وأي إصلاحات أولية قد تكون ممكنة. من الواضح، على الرغم من ذلك، أن علينا معرفة المشكلة قبل حلّها، ولا يمكن القيام بذلك دون إجراء زيارة".

حسب ماهو متاح من معلومات حول السفينة التي انتهى عمرها الافتراضي، حاجتها العاجلة إلى إجراء عملية صيانة شاملة لمنع حدوث أي تسرب منها، لأنها عبارة عن سفينة انتهت صلاحيتها لتقادمها وتهالكها، وتحمل على متنها كمية هائلة من النفط، إضافة إلى معالجة مشكلة "الغلايات البخارية" وتزويدها بمادة المازوت لمنع أي حريق أو انفجار، ومن ثم تنفيذ المراحل الأخرى التي تؤدي في النهاية إلى تفكيك هذه السفينة الضخمة.

السلطة في صنعاء تؤكد عدم ممانعتها إجراء عمليات التقييم والصيانة لصهريج صافر، حسب وثيقة عرضها القيادي في جماعة أنصار الله (الحوثيين) محمد علي الحوثي تؤكد رفض "التحالف العربي" بقيادة السعودية والإمارات، للشركة المختصة التي كانت أرسلت ناقلة على متنها 3000 طن مازوت لتشغيل صهريج ناقلة صافر.

الحوثي أضاف في تغريدة على حسابه في موقع التواصل تويتر، أن منع إدخال المازوت إلى صهريج صافر منذ 2016 يؤكد عدم جديتهم ومراوغتهم، ودعا الأمم المتحدة إلى البدء بأول خطوة بإرسال المازوت لتشغيل غلايات الصهريج.

التخلص من خزان صافر العائم الخيار الأبرز على اعتبار انتهاء عمره الافتراضي، إذ تقتضي الضرورة في الوقت الراهن التصرف بطريقة متناسقة لمنع كارثة بيئية واقتصادية وإنسانية تلوح في الأفق


المخاطر المحدقة

وضع خبراء مستقلون نماذج تشير إلى ما سيتسبب به تسرّب كبير للنفط، وفي كل سيناريو محتمل، أشار الخبراء إلى تضرر المناطق الساحلية أكثر من غيرها، مثل تعز والحديدة وحجّة، ومعظمها تقع تحت سيطرة أنصار الله (الحوثيين). ويرى الخبراء أنه إذا حدث تسرّب خلال الشهرين المقبلين، فسيتضرر 1.6 مليون يمني بشكل مباشر، نحو 90% من سكان هذه المجتمعات يحتاجون أصلاً إلى مساعدات إنسانية.

مسؤولة أممية دعت في هذا الخصوص إلى التخلص من خزان صافر العائم كأفضل خيار على اعتبار أنه أنشئ عام 1974، إذ تقتضي الضرورة في الوقت الراهن التصرف بطريقة متناسقة لمنع كارثة بيئية واقتصادية وإنسانية تلوح في الأفق، مع أهمية منح الإذن بالدخول إلى صافر لتقييم وفحص وضع الخزان حتى تتم إزالة الخزان بطريقة آمنة لمنع هذه الكارثة.

وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن، حذرت إنغر آندرسون، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، من أن تأثير أي تسرب نفطي سيمتد بسرعة أيضاً إلى الدول المجاورة الواقعة على البحر الأحمر من بينها جيبوتي وإريتريا والسعودية. وقالت: "سيؤثر أي تسرب على الثروة السمكية في البحر الأحمر بأسره، وسيؤثر على حركة أكثر من 20 ألف سفينة تعبر من باب المندب سنوياً، وهو ما سيحدث شللاً في أحد أكثر المسارات التجارية ازدحاماً في العالم".

وتمتلك اليمن شريطاً ساحلياً يزيد طوله على 2000 كم، غنياً بالأسماك والأحياء البحرية، تمتد فيه التداخلات والتضاريس الجبلية والرملية ومنحدرات الأودية التي تصب في البحر وتكون خلجاناً، والتي تشكل في مجملها حوالي 20% من طول الشواطئ، وبذلك فإن طول الشريط الساحلي اليمني يزيد على 2000 كيلو متر بحسب خارطة الثروة السمكية ابتداءً من الحدود اليمنية- العمانية في بحر العرب وحتى منتهى الحدود اليمنية – السعودية في البحر الأحمر تمتد فيه، ويعتبر هذا القطاع من القطاعات الاقتصادية الواعدة.

كما تمتلك اليمن وفق المركز الوطني للمعلومات 182 جزيرة أهمها جزيرة كمران وزقر وحنيش الكبرى وحنيش الصغرى في البحر الأحمر، وجزر سقطرى وعبد الكوري ودرسة وسمحة في البحر العربي.

وتعتبر بحار اليمن مصدراً أساسيا لتلبية احتياجات السكان من الأسماك التي تعد عنصراً أساسياً في غذاء مواطني المناطق الساحلية، كما أن الثروة السمكية تعتبر من أهم الثروات الطبيعية المتجددة ومصدراً مهماً للدخل القومي، مما يؤهلها لأن تكون دولة رئيسة في إنتاج الأسماك في المنطقة.

بالرغم من أن المخزون السمكي يسمح باصطياد أكثر من 350 -400 ألف طن سنوياً دون أن يتأثر هذا المخزون، إلا أن حجم ما يتم اصطياده ما زال محدوداً، ومساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي هي الأخرى ما زالت محدودة وضئيلة.


•••
محمد راجح

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English