ندبة الطليانية..

الإيطاليات في بعض نصوص السرد في اليمن
محمد عبدالوهاب الشيباني
July 20, 2020

ندبة الطليانية..

الإيطاليات في بعض نصوص السرد في اليمن
محمد عبدالوهاب الشيباني
July 20, 2020

"في مقابلة أجراها أحد الباحثين مع يمني مقيم في بريطانيا منذ 60 سنة، قال: عشتُ سنوات يرافقني الفحم في مقاصير وقود السفن، لا أدري كم تزوجت على أرصفة الموانئ العالمية حين كنا ننزل ترانزيت، الشيء الوحيد الذي لم أنسهُ هي طليانية علَّمت على كتفي بظفرها، وما زال أثره مثل ختم التلقيح! تنهَّدَ طويلاً -حسب ما ذكره الباحث- وانتهى الحوار!"

(من صفحة Mohamed Shameri‎‏ ‏ على الفيس بوك 14 مايو 2020)


  البحث في سمات الهجرة اليمنية الحديثة بواسطة بعض من نماذج الأدب اليمني المعاصر يُظهر "الآخر" بتمثيلات عدة داخل تشظي الثنائيات التي دُرِست باستفاضة من زوايا "الأنا والآخر"، و"الشرق والغرب"، و"المركز والأطراف"، ويظهر "الآخر" في نصوص الأدباء اليمنيين في مستويين: الأول متعالٍ وفج، يستمد قوته وسلطته من جملة من الفوارق الثقافية والحضارية والاقتصادية التي تميزه عن شخص مهاجر ضعيف فقير ومتخلف، والثاني بسيط وإنساني يمكن أن يصير نموذجاً للاحتذاء عند الشخصيات السردية. ولمجابهة القوة والسلطة في النموذج الأول، أو التعايش بسلام معها، يسلك المهاجر اليمني في النص الأدبي العديد من المسالك التي تمكنه من متابعة حياته بأقل الخسائر والمنغصات.

والعلاقة بأنثى "الآخر" صاحبة السلطة، التي تستمدها في الأصل من سلطة الزوج أو موقعه، واحدة من الصور الشائعة لهذه العلاقة، ولعل أبرزها أدبياً تلك العلاقة التي أقامها "عبده سعيد" في رواية "يموتون غرباء" لمحمد عبدالولي، مع زوجة أحد النافذين في أديس أبابا، وهدف منها إلى تحقيق هدفين: الأول غريزي، لإشباع رغبته الجنسية مع امرأة لديها رغبة الحمل منه، والثاني برجماتي نفعي وهو كيف يتخلص من مديونية الضرائب المتراكمة عليه، والتي باستطاعة سلطة الزوج ونفوذه إلغاؤها بضغط من الزوجة العاشقة. فعل مثل هذا يصير في محصلة الخطاب في النص جزءاً من فعل إدانة الهجرة في جانبها المشوه، التي حولت عبده سعيد إلى تاجر جشع، لا يتوانى في بيع جسده ونفسه لإحدى النساء الثريات مقابل أن تتوسط له عند زوجها، فيعفيه من الضرائب حسب ما يذهب إليه د. وهب رومية في نقاشه لمشكلة الهجرة في أعمال محمد عبدالولي.

  في هذه المقاربة سنقف على صورة من علاقة المهاجر اليمني الفقير والأمي مع "نساء الآخر"، وهن في التتبع هذا، إيطاليات كما يظهرن في نصين سرديين، الأول رواية "ربيع الجبال" لمحمد مثنى، والثاني رواية "رجال الثلج" لعبدالناصر مجلي.

في "ربيع الجبال" تتكشف في حكاية المهاجر "حزام سيف طربوش" هذه العلاقة، حينما يقوم برواية حكايته مع الهجرة لشاب عائد لتوه من القاهرة خريجاً جديداً، وينتظر وظيفة في المواصلات:

"أول ما وصلت على "سنبوق" (قارب) حططت رحالي بـ"مصوع"، واشتغلت في الصيد مع متقبل صيد الأسماك للحكومة، ولكن مصوع بعد أشهر تركتها. لم تكن ضالتي المنشودة، ولذلك حططت رحالي في أسمرة. وعندما رأيت أرداف البنات الملونات والإيطاليات البيض.. صرخت يا ابن علوان نجني أو ارمِ بي إلى الجحيم، والحق ما كنت أنا الذي صرخت، ولكن الذي صرخ داخلي وأصحّ الصحيح البركان الذي انفجر، وبعد أيام فقط اشتغلت في مصنع للكازوز صاحبه إيطالي من الشمال اسمه "كومبني جيوفاني" وزوجته مدام جيوفاني من الجنوب، بيضاء وريقة كالمخمل، شابة وممتلئة بعينين كبيرتين كعيون البقر. قيل إنها أول ما جاءت مع الاحتلال الإيطالي صحبة زوجها كانت تتصرف بحشمة، ولكنها بعد أشهر انطلقت بتبرج وإباحية أذهلت زوجها الشمالي المتحرر.

كان أول ما رأتني أرفع عشرة صناديق على بعضها وأسير بها في حوش "الفابريكة" إلى المخازن دونما اهتزاز، قالت "برافو" عندما رجعت لأحمل غيرها، وبعد يومين دعتني أمام زوجها، فرحت إليها جرياً. كانت تضحك عندما رأتني أجري ككلب أليف، وضعت أصابعها على ساعدي وأخذت تضغط. كانت أصابعها رقيقة وناعمة كالقطن، بعد أن رفعت يدها كنت أحس لحظة اللمس كسائل شمعة في ساعدي، وبعد أن رفعتها شعرت بالشمعة تشتعل داخلي وتستقر في مكان ما من جسدي، ابتسمت ولامست أنفي ثم قالت "بونو..بونو". 

هذه العلاقة ستقود "أبو عزيز" إلى التجنيد في صفوف الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية، بفعل التأثير الذي مارسته مدام جيوفاني، التي أقنعته أن موسوليني وحليفه هتلر يحاربان الإنجليز الذين يحتلون جزءاً حيوياً من أرضه!

بعدها بأيام حضرت مدام جيوفاني إلى المصنع وطلبته ثم تحدثت مع زوجها ببعض كلمات، فجاء مترجم حبشي وقال ستصحب المدام إلى المنزل وستدخل لها الكومادينو من الحوش للصالة. وصحبها إلى البيت ووجد فعلاً الكومادينو الثقيل ينتظر ساعده، وبعد أن انتهى من عمله قدمت له كأساً باردة من البيرة وبعض قطع شكولاتة، ثم ودعته للباب الخارجي، بعد أن كانت الظنون قد فعلت به فعلها.

وحين أقامت بعدها حفلة في منزلها طلبته للمساعدة في خدمة الضيوف "شربت بما فيه الكفاية.. لا أدري كم بلعت من الأصناف والكؤوس، وقدمت لي الشغالة قطعة كبيرة من اللحم الذي لم أكن قد رأيته، أحسست بعدها أنني أتحرك بطاقة ثور إسباني مدرب، ونار الجبال الجرانيت التي في القرية كلها تشتعل داخلي، أدركت الملعونة مدام جيوفاني كل ذلك بعد أن لسعتها مقدمة الجبال وفقدت السيطرة، فضحكت للضيوف ورفعت صوت الموسيقى ثم شبكت زوجها مع إحداهن في الرقص، ودعتني بهمس أن ألحق بها في الخارج، وفي الحديقة أخذت تتطلع إلى السماء والقمر والنجوم، وأنا كذلك معها، ولكن الذي في الأحشاء لم يطق صبراً فالتصق بها. كانت هذه أول ليلة في الهواء الطلق وتحت الأشجار والنجوم والسماء، كان العشب بارداً لكن النار مشتعلة". 

هذه العلاقة ستقود "أبو عزيز" إلى التجنيد في صفوف الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية، بفعل التأثير الذي مارسته مدام جيوفاني، التي أقنعته أن موسوليني وحليفه هتلر يحاربان الإنجليز الذين يحتلون جزءاً حيوياً من أرضه!

في رواية "رجال الثلج" لعبدالناصر مجلي سيظهر المهاجر اليمني "مثنى" الذي كان قد ترك قريته الجبلية إلى عدن لما كانت حياته لا تطاق في تلك القرية النائية، فقراً وجوعاً وأمراضاً، وبعد مكوثه لستة أشهر في عدن سيركب باخرة باتجاه "مصوع" على الضفة الأخرى من البحر، حيث قضى ثلاث سنوات يعمل عتالاً في الميناء بدون أوراق هوية، وأثناء ما كان يقوم بتفريغ أحد المراكب مع حمالين آخرين، داهمت الشرطة المركب للبحث عن الذين ليس لهم إقامة أو يقيمون بطريقة غير قانونية، غير أن عدم انتباه أفراد الشرطة لوجوده داخل المركب نجّاه، وبقي في داخل المركب الذي غادر الميناء، وحين اكتشف أمره البحارة أرادوا رميه في البحر، غير أن القبطان منعهم وطلب منه أن يعمل بلقمته، وحين وصل المركب إلى ليفربول، كانت حرب كبيرة قد اندلعت، وقد استدعوه ضمن بحارة المركب للتطوع في الحرب ففعل، وحارب إلى جانب البريطانيين لمدة أربعة أعوام، وبعد الحرب ذهب إلى ألمانيا التي عمل فيها كل الأعمال. 

ملامحه الشرقية الحادة، طوله الفارع بامتلاء، وسواد عينيه، وشعره الفاحم، وسمرته اللذيذة، كانت رأسماله في عالم النساء الإيطاليات الذي سيدخله رويداً

من ألمانيا انتقل إلى قبرص على سفينة شحن، ومن هناك إلى مرسيليا، ومنها على ظهر السفينة "الأميرة" إلى نيويورك، التي دخل إلى مينائها سباحة في شتاء بارد ليقضي تسعين يوماً طريح الفراش، يعتني به مهاجر شامي من اللاذقية اسمه "حنا" الذي عرَّفه لاحقاً على "ليوجي" الإيطالي المجنون الذي يمتلك مطعماً، كان قد عمل به من قبل، وفيه سيعمل "مثنى" في غسل الصحون وأدوات الطبخ، حيث سيتعرف على "جينا" زوجة "ليوجي" التي تطلق عليه اسم "مارتن " فملامحه الشرقية الحادة، طوله الفارع بامتلاء، وسواد عينيه، وشعره الفاحم، وسمرته اللذيذة، كانت رأسماله في عالم النساء الإيطاليات الذي سيدخله رويداً رويداً ابتداءً بـ"جينا". مر عام من عمل مثنى في المطعم في شارع "بي رتش" ذي البيوت والشرفات الإيطالية التصاميم. "سنة مرت وجسد "جينا" الفارع نهب لفتوحاته، وجسدها مشاع لـ"خيوله الوحشية"، قبل أن يوكل إليه "ليوجي" مهمة أخرى وهي العمل في القبو السري للمطعم الذي يُجهَّز كل مساء ليكون باراً وطاولة للقمار وأماكن لطلاب اللذة، أما المهمة التي أوكلت إليه فهي رجل البار. جاذبيته الشديدة كانت محطّ أنظار النساء اللواتي يأتين كل ليلة للعب القمار والبحث عن الرجال، ومنهن "كارولين" زوجة" بتينو" الصغير -الحاكم الفعلي لعموم العصابات الإيطالية، ليس في بروكلين وحسب، بل في نيويورك الكبرى كلها- الذي ستجن به وكأنه آخر الرجال على الأرض، حيث ستختطفه من "جينا" وتتخذه عشيقاً، وحين لم تستطع الثانية استعادته، وبعد أن شب في خلاياها وقيد الغيرة، أبلغت "بتينو" الذي ضبط مثنى مع زوجته على السرير، فأمر مرافقيه بقتله شر قتلة، حيث عمدوا إلى قطع عضوه وخصيتيه أولاً، ثم تقطيعه إرباً، ورمي لحمه للكلاب، ويتم حرق ما تبقى منه، بحيث سيختفي إلى الأبد.

  هذه الصورة المنمَّطة للعلاقة بأنثى الآخر التي تتجسد في العلاقات العاطفية التي يقيمها الأبطال السرديون تتكشف في كثير من النصوص الروائية العربية المعاصرة، ولعل أبرزها كان "مصطفى سعيد" في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي تُبرر قرائياً بدوافع انتقامية من الآخر الاستعماري الأبيض، إذ كان يقوم من خلال السجاد الشرقي الثمين والإبريق، الإيقاع بالفتيات الإنجليزيات في مغامراته العاطفية، ويقوم السرد، في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، بمهمة تمثيل التوتر الثقافي بين الشرق والغرب، بأسلوب رمزي يعيد إلى المتلقي التعارض بين قطبين حضاريين كما يقول د. عبدالله إبراهيم، لكنها في النصوص السردية اليمنية عارضة وغير مخطط لها، وتصير، في حال وقوعها، جزءاً من الحلول الفردية للأشخاص المهاجرين، حين يقعون ضحايا لنساء شرهات يقمن باستغلال حاجتهم وسذاجتهم وأميتهم، لإشباع غرائزهن العاطفية، أو للاستيلاء على مدخراتهم كما يظهر ذلك في رواية "طيف ولاية" لعزيزة عبدالله.


إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English