بعيداً عن الفقهاء

عن العلاقة بين الفقيه والحاكم والمشتغلين بالعلوم
وضاح بن عبدالباري طاهر
July 19, 2020

بعيداً عن الفقهاء

عن العلاقة بين الفقيه والحاكم والمشتغلين بالعلوم
وضاح بن عبدالباري طاهر
July 19, 2020
الصورة من موقع الجزيرة

 «لا شيء من العلم من حيث هو علم بضار، ولا شيء من الجهل من حيث هو جهل بنافع؛ لأن في كل علم منفعةً ما في أمر المعاد أو المعاش، أو الكمال الإنساني، وإنما يتوهم في بعض العلوم أنه ضار أو غير نافع؛ لعدم اعتبار الشروط التي يجب مراعاتها في العلم والعلماء؛ فإنَّ لكل علم حدّاً لا يتجاوزه». حاجي خليفة.

كانت الحضارة الإسلامية في ذروة مجدها، وغاية قوتها تحمل في أحشائها جنين التدهور والانحطاط. فالبذرة الأولى للانحطاط نبتت من الحاكم المستبد الذي ابتز الناس أمرها، وغلبها على رأيها. لقد تربع الحاكم على عرش الحكم عن طريق العسف والتغلب، ولم يأتِ للسلطة برضا الناس أو اختيارهم، بل جالدهم بالسيف مجالدة حتى أذعن من أذعن تحت سلطان القسر والقهر. أما البذرة الثانية فهم رجال الدين المتعصبون الذين ساروا ضداً على الحياة، وجوهر الدين اليسر، والملة السمحة. 

ليس هناك أضر على الحياة من أن تُعطى الأشياء أكبر من حجمها، فيبالَغ في تقديرها، ويُفرَط في الإعلاء من شأنها؛ الأمر الذي يترتب عليه سوء الأحكام، واختلال الموازين، وفساد الحياة برمتها بسبب ذلك. وهذا ما فعلته الدعاية الكبيرة التي جعلت من هذين الصنوين: الحاكم المتفرعن، والفقيه المتألّه، خطاً أحمراً يصعب تجاوزه أو تخطيه.

لقد صار هذان الحليفان عبئاً على الحياة، وثقلاً كبيراً يحول دون تطورها، وأضحى المتعصبون من الفقهاء مع حكام الغلبة، هم أصحاب الكلمة الفصل في الإمساك بزمام شئون الحياة، والتحكم بمصائر الناس.

لما حسم الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" بأنَّ علم الفقه ليس سوى علماً دنيوياً، وأن علوم الآخرة هي التقوى، ومخافة الله، والزهد، والورع والصدق، اجتمع فقهاء المغرب على تحريق كتابه.

لقد شهد الغزالي بأن تهافت الفقهاء على علم الفروع (الفقه) وإهمالهم للطب، ليس إلا بغرض تولّي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلّد القضاء والحكومة، والتقدم على الأقران، والتسلط به على الأعداء، وهذا ما لاحظه قبله الشاعر والأديب ابن لنكك البصري؛ فقد صوّر حال الفقهاء، وذمّهم في أبيات يقول فيها:

أقولُ لعصبةٍ بالفقه صالت

وقالت ما خلا ذا العلم باطلْ

أجل لا علمَ يوصلكم سواهُ

إلى مال اليتامى والأراملْ

أراكم تقلبون الحكم قلباً

إذا ما صُبَّ زيتٌ في القنادلْ ([1])

لم ينل التعصب- في التاريخ الإسلامي من قبل الفقهاء- الفلسفة فقط، ولم يطل الطب، أو الفلك، أو العلوم الرياضية والطبيعية، أو حتى مدرسة الرأي التي كان على رأسها أبو حنيفة، وعثمان البتي، وربيعة، أو الأقليات الدينية، بل لقد ضاقت الدائرة حتى صار التعصب ضداً على الذات من أبناء الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد، فكانت الحال هذه كحال القطة التي لم تجد ما تأكله؛ فأكلت أولادها، كما جرى من فقهاء الشافعية بـ"ذي أشرق" من تباغض وتحاسد وتكفير لفقهاء زبيد الذين يتحدون معهم في المذهب الشافعي، ويخالفونهم في المعتقد؛ إذ أنَّ فقهاء "ذي أشرق" كانوا على اعتقاد الحنابلة، بينما كان فقهاء زبيد على مذهب الأشعري.

وهذا ما حصل مع العلامة علاء الدين العطار الذي وجدت له فتاوى تخالف إمامه الشافعي؛ فحُكِمَ بتفكيره، وكاد أن يراق دمه، ومن قبله أهدر الحنابلة دم ابن عقيل الحنبلي؛ لاختلافه إلى أهل الاعتزال، وتقديره للحلاج؛ فزندقوه لأجل ذلك؛ فظل مختفياً سنين حتى أعلن توبته وتمكن من الظهور.

وقد كفر الإمام عبدالله بن حمزة المطرفية، وقتل رجالها، وأباح التمثيل بجثثها، وسبى نساءها، واسترق أطفالها، وخَرَّبَ دورها، ودمر مساجدها، وهم جميعاً على مذهب الزيدية. وقد سُئل عن حكم امرأة من المصانع- من ديار المطرفية- أو غيرها صادف وجودها في المنطقة عند السبي، وهي لا تعرف اعتقاد المطرفية، ولا تحبهم؛ فأجاب: إن المرأة من أهل المصانع حكمها حكم أهلها –أي أنها تستحق السبي– ؛ فلا فرق بينها وبين امرأة أخرى في المنطقة. فالمرأة التي تكون من غير أهل المصانع، فإنها ما لم تكن مغصوبة في وجودها في المنطقة، فإنه يجب سبيها؛ لأنها كفرت بوصولها إلى ديارهم.

فإذا جاز هذا في أهل المذهب الواحد، فكيف يكون الحال بالمخالفين له في المذهب كشافعية تهامة اللذين حكم عليهم بالكفر بتهمة الجَبر، واستباح نساءهم وسباهم في "المحالب" و"المهجم"، فأم ولده سليمان من سبي المهجم، وفيه يقول:

سليمانُ بيتاك من هاشمٍ

ومن آل قنطور بيتا شرف


لم يكن التوجس من إعمال أبي حنيفة العقل والرأي في فهم الشرع فقط، وإنما بلغ بهم الطعن به أنه من بقايا السبي الإسلامي

لقد تشدد الفقهاء في تحريم أمور لم يرد في حقيقة الشرع ما يحرمها، وتعاملوا مع الحياة والأشياء بثنائية قاتلة؛ فقابلوا الدنيا بالدين، والعقل بالنقل، وعلوم الشريعة بإزاء الفلسفة وعلوم الطبيعة، والقرآن بالغناء، والمسجد بالمدرسة، والجامع بالجامعة؛ وجعلوا هذه الأشياء المتقابلة في حالة تزاحم وتضاد فلا يستقيم وجود أحدهما إلا بإزالة الآخر أو نفيه؛ ألم يقل حكيم المعرة قديماً:

اثنانِ أهلُ الأرضِ ذو عقلٍ بلا

دينٍ وآخرُ دَيِّنٌ لا عقلً لهْ

فلا يجتمع في قلب مؤمن- في نظرهم- القرآن بالغناء، حتى أن علامة حضرموت ومفتيها ابن عبيد الله السقاف لما حضر عرساً في المكلا، وكان هناك مغنٍّ يغني استوثق ابن عبيد الله من رفيقه بأن لا يخبر أحداً بحضوره مجلس يُغنى فيه.

وكان العلامة ابن دقيق العيد في صباه يلعب الشطرنج مع زوج أخته الشيخ تقي الدين ابن الشيخ ضياء الدين، فَأُذنَ بالعشاء؛ فقاما فصليا، ثم قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: أما تعود؟ فقال صهره:

إن عادت العقربُ عدنا لها

وكانت النعلُ لها حاضره

فأنف الشيخ تقي الدين من ذلك، فلم يعد يلعبها إلى أن مات.

ويذكر ابن تيمية: أن جمهور الفقهاء يتنازعون في: هل يُسَّلَم على اللاعب بالشطرنج؟ وينقل عن أبي حنيفة وأحمد والمعافى بن عمران وغيرهم أنه لا يسلم عليه، ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد أنه يسلم عليه. ويروي أن علياً- رضي الله عنه- مر بقوم يلعبون الشطرنج، فقال لهم: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"، وقلب الرقعة.

وحين يقارن ابن تيمية بين الشطرنج والنرد، يذهب إلى أن الشطرنج شر من النرد؛ ويرجح قوله بأن الشطرنج على مذهب القدر-الاختيار- والنرد على مذهب الجبر، واشتغال القلب بالتفكير في الشطرنج أكثر.

لن تحتاج إلى أن تمعن النظر في هذا القول، لتعلم أن اللعبة التي تقوم على حرية الاختيار، وعلى العقل وتقليب النظر والفكر، شرّ- في نظر ابن تيمية- من اللعبة التي ليس فيها إلا الحظ والحتمية التي تفرض نفسها على مسار اللعبة، وليس للاعبين فيها من خيار أو تحكم في النتائج.

ولما بنيت المدارس ببغداد، وخصصت رواتب للمعلمين، وأجريت على المتعلمين جرايات حسنة تشجعهم على العلم، وهي – في الأخير- لا تدرس إلا تلك العلوم التي يدرسها الفقهاء- أقام علماء ما وراء النهر مأتماً للعلم وقالوا: «كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به؛ فيأتون علماء ينتفع بهم، وبعلمهم، ولكن العلم إذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل». 

أما التعصب ضد المذاهب الأخرى، فالحديث عنه طويل لا تكاد تحيط بأطرافه وذيوله. فالشافعي قد قيل: إن سبب موته أنه ناظر رجلاً من أصحاب مالك اسمه فينان، فناظره في عتق المرهون، فقال: بنفوذ العتق، ومنع البيع، وقال الشافعي بعدم نفوذ العتق، وأنه يباع، كما هو أحد أقواله، فاستظهر عليه الشافعي بالحجاج؛ فأساء فينان عليه الأدب، ثم إن جماعة من السفهاء رصدوا حلقة الشافعي حتى خلت، فدخلوا عليه فضربوه ضرباً شديداً، فحمل إلى منزله فمات.

أما أبو حنيفة صاحب مدرسة الرأي التي لم يسغها أهل الحديث ولا متعصبة الفقهاء؛ فقد ناله من الأذية والتجريح والتكفير في كتب المحدثين وأهل الجرح والتعديل الشيء الكثير.

لم يكن التوجس من إعمال أبي حنيفة العقل والرأي في فهم الشرع فقط، وإنما بلغ بهم الطعن به أنه من بقايا السبي الإسلامي. «لم يزل أمر الناس معتدلاً حتى غَيَّرَ ذلك أبو حنيفة بالكوفة، وعثمان البتي بالبصرة، وربيعة بن أبي عبدالرحمن بالمدينة؛ فنظرنا فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم».

وكأنَّ هؤلاء لم تكفهم مصيبة السبي التي نالت أمهاتهم، حتى صاروا يعيرون بسببها، وظلت وصمة تلازمهم طول حياتهم.

إنه لمن المؤسف أن رسائل علمية حضّرت في العراق تناقش ظاهرة الشعوبية، فصنفت الشعوبية على أنها حركة حاقدة على العروبة، ولم تقف على جذر المشكلة التي جعلت من العنصر غير العربي ينظر بكراهية للعرب، وما ذلك إلا رد فعل طبيعي إزاء العنصرية العربية تجاه هذه الشعوب التي انضوت تحت راية الإسلام طوعاً وكرهاً.

أهمل المسلمون علم الطب بصرف الفقهاء الناس عنه؛ فبادر إلى درسه وتعلمه والتبريز فيه النصارى واليهود، ونالوا به مرتبة كبيرة في قصور الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية

لا أظن أنه سيدور بخلد أحد أن إنساناً قد يُهجَّر قسراً من بلدته؛ لأجل عدم التزامه الإسرار بالبسملة في الصلاة، كما حصل مع الحسن بن خالد الحازمي الذي طرد العلامة محمد بن مهدي الضمدي الحماطي من قريته "الشقيري" لعدم التزامه بذلك. ولا فرق بين هذا الفقيه والمحدث المتعصب، وبين الحاكم المستبد المنصور عمر بن علي بن رسول حين سأل العلامة أبا بكر بن ناصر بيع كتبه، فامتنع، فقال له: فتخرج من بلادنا! فقال: نعم، وخرج من مجلسه، وكان الأمير شمس الدين علي بن يحيى العنسي موجوداً؛ فقال للسلطان: الله الله! رجل علامة عصره تأمره أن يخرج من بلدك، ومثله يطلب من أقاصي البلاد. قال: فما وجد لنا جواباً إلا قول «لا». قال: يا مولانا إن أشق الأمور على الفقيه أخذ كتبه، فرأى أنك سألته أمراً عظيماً؛ فأجاب بأشق جواب، فأمر السلطان برده.

لقد وقفت هذه الطائفة المتعصبة ضد كل ما يعمر الحياة، ويسهم في تطورها وازدهارها. فقد وقفت ضد المرأة، وضد العلوم الطبيعية كالطب والرياضيات والهندسة والفلسفة وضد الأعراق الأخرى.

يذكر الطبري في تفسيره "جامع التأويل" عند قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"، أنَّ عامة أهل التأويل يذهبون أنهم النساء والأطفال؛ لضعف آرائهم، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضار التي تصرف إليها الأموال. ونقل عن بعضهم أن المقصود بالآية النساء وحدهن، سواء كنَّ أمهات أو زوجات أو بنات، ونقل عن الضحاك قوله: إن النساء أسفه السفهاء([2]).

أما علم الطب، فيذكر العلامة الجليل النووي- رحمه الله- أنه: خطر له الاشتغال بعلم الطب؛ فاشترى كتاب القانون لابن سينا، وعزم على الاشتغال به، فأظلم قلبه، وبقي أياماً لا يقدر على الاشتغال بشيء، ثم فكر في أمره ومن أين دخل عليه الداخل، فألهمه الله أن سببه اشتغاله بالطب، فباع "القانون" في الحال فاستنار قلبه.

وهذا شبيه بما ذكره القاضي التنوخي في "نشوار المذاكرة": عن القاضي أبي بكر محمد بن عبدالرحمن بن أحمد بن مروان، «قال: حدثني خالي محمد بن هارون، قال: قال لي بعض أصحابنا: كنت في بعض الليالي أنظر في كتاب التشريح لجالينوس، فغلبتني عيني، فرأيت هاتفاً، يهتف بي، ويقرأ: "ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذ المضلين عضداً". فاستيقظت، ومزّقت الكتاب».

لقد أهمل المسلمون علم الطب بصرف الفقهاء الناس عنه؛ فبادر إلى درسه وتعلمه والتبريز فيه النصارى واليهود، ونالوا به مرتبة كبيرة في قصور الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية. ومع ذلك فإن بعض المتعصبين يرى أنَّ هذا العلم صار مهاناً حين تعاطاه اليهود، فلم يشرفوا به، بل رذل العلم بهم!

وهذا العلامة الكبير كمال الدين ابن يونس الشافعي يذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان" عن الفقهاء: إنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة، فمن ذلك مذهب الشافعي، وكان فيه أوحد الزمان، وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم وكان يتقن أصول الفقه وأصول الدين. وكان بارعاً في فن الحكمة: المنطق، والطبيعي، والإلهي، وكذلك الطب، ويعرف فنون الرياضة من إقليدس، والهيئة والجبر والمقابلة، والموسيقى، والمساحة، وكان ماهراً في العربية والتصريف، حتى إنه كان يقرئ كتاب سيبويه و"الإيضاح والتكملة" لأبي علي الفارسي، و"المفصل" للزمخشري، وكان له في التفسير، والحديث، وأسماء الرجال وما يتعلق به، يدٌ جيدة. وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم، والأشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً. وكان أهل الذمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله.

كان الفقيه طاووس بن كيسان اليماني، لا يأكل من ذبيحة الزنجي، ويقول: إنه عبد مشوه الخلقة، وكذلك كان الخليفة العباسي الراضي بالله ابن المقتدر بالله، لا يتناول شيئاً من أسود

ويذكر ابن خلكان أيضاً أنه لما جاء الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري من الموصل، ونزل بدار الحديث، وكان يشتغل عليه بشيء من الخلاف، فبينما كان في يوم عنده، إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد، فتجاريا في الحديث، وجرى ذكر الشيخ كمال الدين ابن يونس في أثناء ذلك، فقال له الأثير: لما حج الشيخ كمال الدين، ودخل بغداد كنت هناك، فقال: نعم، فقال: كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه؟ فقال ذلك الفقيه: ما أنصفوه على قدر استحقاقه، فقال الأثير: ما هذا إلا عجب، والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ، فاستعظمت منه هذا الكلام، وقلت له: يا سيدنا كيف تقول كذا؟! فقال: يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي، ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة.

وذكر أن ابن الصلاح - الفقيه الشافعي المعروف- سأله أن يقرأ عليه شيئاً من المنطق سراً، فأجابه إلى ذلك، وتردد إليه مدة؛ فلم يُفتح عليه فيه بشيء، فقال له: يا فقيه، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن، فقال له: ولم ذاك يا مولانا؟ فقال: لأن الناس يعتقدون فيك الخير، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد، فكأنك تفسد عقائدهم فيك، ولا يحصل لك من هذا الفن شيء؛ فقبل إشارته وترك قراءته. ثم بعد ذلك نجد أن ابن الصلاح أفتى بحرمة الاشتغال بعلم المنطق؛ فما عدا مما بدا!

ويُذكر أنَّ ابن يونس- سامحه الله- بحسب تعبير ابن خلكان- كان يتهم في دينه؛ بسبب غلبة العلوم العقلية عليه، حتى لقد قال العماد أبو علي عمر بن عبد النور في ذلك:

أجِدَّكَ أن قد جادَ بعد التعبس

غزالٌ بوصلٍ لي وأصبح مؤنسي([3])

وعاطيته صهباءَ مِنْ فيه مزجُها

كرقة شعري أو كدينِ ابن يونسِ

ولما قدم العلامة الأصولي المنطقي الزكي بن الحسن البيلقاني إلى عدن، وقد كان مبرزاً في الفقه والأصول والمنطق والمواريث والحساب؛ فقد كان قرأ على الإمام فخر الدين الرازي، وكان ممن درس على البيلقاني قاضي عدن محمد بن أسعد العنسي- درس عليه وجيز الغزالي، وعندما شرع البيلقاني تدريس الأصول والمنطق، أنكر عليه قاضي عدن ذلك؛ لأن الغالب على الفقهاء باليمن عدم الاشتغال بالمنطق خاصة، وقليلاً ما يشتغلون بالأصول، ولم يلبث أن تفاقم الشرّ بين الاثنين؛ فدس القاضي من طرفه من يحرج البيلقاني في مجلس الدرس، فكتب البيلقاني إلى السلطان المظفر يشكو قاضي عدن، فلما وصل كتابه ناوله المظفر إلى القاضي بهاء الدين، وقال له: قف على هذا الكتاب. فلما وقف عليه، قال: يا مولانا هذا رجل جاء بشيء لا يحتمله أهل اليمن، ولا يعرفونه، وإذا سمعوه أنكروه، ونسبوا صاحبه إلى الخروج عن الدين.

وذكر الجندي في "السلوك" أن العلامتين المقدسي وابن البابه، كان يخوضان في علم الكلام؛ فأثارا سخط الفقهاء في تعز، وتمالؤوا على قتلهما، ونسبا بذلك إلى الكفر والزندقة.

أما الفلسفة فقد كُفّر أصحابها ابتداءً من الفارابي وابن سينا الذين كفّرهم الغزالي، مروراً بالكندي وابن رشد الأندلسي الذي يقول فيه أحد الفقهاء:

لم تلزم الرشد يابن رشدٍ

لما علا في الزمان جَدُّكْ

وكنت في الدين ذا رياءٍ

ما هكذا كان فيه جَدُّكْ

أما الشوكاني في كتابه "أدب الطلب"، فيتحسر أنه لم يتمكن من إنفاذ أحكامه بإراقة دماء من اختلف معهم فحكم بكفرهم وزندقتهم، ويتأسف على عدم اعتياد اليمن على سفك دماء من يصفهم بالمتزندقين كما كان شائعاً في البلاد الشامية والرومية والمصرية والمغربية.

ويرى الشوكاني أن العلم لا يصلح في من يصفهم بـ«سقط المتاع، وسفاسف أهل المهن، كأهل الحياكة، والعصارة، والقضابة، ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة» بحسب تعبيره، ويشبه تعليم أبناء هذه الفئات الاجتماعية من أصحاب الحرف والمهن التقليدية، بتقليد الخنزير الجوهر.

أما الفقيه طاووس بن كيسان اليماني، فكان لا يأكل من ذبيحة الزنجي، ويقول: إنه عبد مشوه الخلقة، وكذلك كان الخليفة العباسي الراضي بالله ابن المقتدر بالله لا يتناول شيئاً من أسود، ويقول: إنه عبد مشوه الخلقة. فتأمل توافق الفقيه والسلطان في هذه الأهواء.

أما التعصب ضد الأقليات الدينية، فيذكر الخزرجي في "العقود اللؤلؤية" أن الفقيه أبا عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد المازني، بعد خروجه من صلاة الجمعة بـ"ذي جبلة"، صادف في طريقه رجلاً راكباً بغلة حسنة، ومعه عدة غلمان؛ فظنه وزيراً أو قاضياً أو بعض الكبراء من غلمان الدولة. فسأل الفقيه عن صاحب البغلة حين قابله، فقيل له: هذا طبيب يهودي يخدم السلطان في هذه الوظيفة؛ فانقض عليه الفقيه، واجتذبه من البغلة التي هو عليها، وألقاه على الأرض، وخلع نعله، وضربه ضرباً موجعاً شديداً، وجعل يقول: يا عدو الله وعدو رسوله، لقد تعديت طورك، وخرجت عن واجب الشرع؛ فينبغي إهانتك، ثم تركه وقد بلغ منه مبلغاً؛ فقام اليهودي ورجع إلى باب السلطان، وهو يستغيث، فقيل له: من خصمك؟ فقال: الفقيه محمد المازني، فأرسل السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول رسولاً يسأله عن القصة، فلما جاء الرسول، قال له الفقيه: سلّم على مولانا السلطان، وعرّفه أنه لا يحل له أن يترك اليهود يركبون البغال بالسروج، ولا يحل لهم أن يترأسوا على المسلمين، ومتى فعلوا هذا، فقد خرجوا عن ذمة الإسلام. فرجع الرسول بالجواب إلى السلطان؛ فلما سمع السلطان ذلك قال لليهودي: تقدم مع الرسول إلى الفقيه؛ ليعرّفك ما يجب عليك من الشرع فتفعله، ثم قال للرسول: قل للفقيه: يسلم عليك السلطان، ويجب أن تعرّف هذا اليهودي ما يجب عليه في الشرع، ومتى جاوزه فقد برئ من الذمة. فقال له الفقيه: يجب عليك كذا وكذا، ولا تفعل إلا ما هو كذا وكذا، ومتى تعديت وجب عليك النكال، وحل دمك. فانصرف اليهودي، ورجع الرسول إلى السلطان، فأخبره بما كان من الأمر، فقال له: إياك أن تتعدى ما أمرك به الفقيه فتقتل، ولا ينفعك أحد؛ فإن هذا حكم الله، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال، فله مؤلف بعنوان "النصوص الزاهرة في إخراج اليهود الفاجرة"، وللشوكاني رسالة بعنوان "حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال" ([4]).

ولا ندري، أي دين يقبل بمثل هذه القسوة، والأفعال المشينة التي يندى لها جبين الإنسانية، ويخجل منها أهل الفطر السليمة، والعقول المستقيمة؟

لقد ذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته: أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، لكن يبدو -بما سبق- أنهم بعيدين عن أشياء كثيرة- عن جوهر الدين، وعن الحياة برمتها.


----------------------------------

[1] القنادل والقناديل بمعنى واحد، وصب الزيت فيها كناية عن الرشوة.

[2] لكن خالف الإمام ابن جرير هذا الرأي فقال: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)، فلم يخصص سفيهاً دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله، صبيًا صغيراً كان أو رجلاً كبيراً، ذكراً كان أو أنثى.

[3] أَجِدَّكَ وأَجَدَّكَ معناهما ما لَكَ؟ أَجِدّاً منك؟! ونصبهما على المصدر. قال الجوهري معناهما واحد، ولا يُتكلم به إِلا مضافاً. وقال الأَصمعي: أَجِدَّكَ: معناه أَبِجِدّ هذا منك.

([4] قد رد بعض الفقهاء على هاتين الرسالتين في وقتها.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English