فنتازيا الكورونا اليمنية

كيف بدت مشاهد التعامل مع الوباء في اليمن؟
سمير عبدالفتاح
July 16, 2020

فنتازيا الكورونا اليمنية

كيف بدت مشاهد التعامل مع الوباء في اليمن؟
سمير عبدالفتاح
July 16, 2020
لوحة للفنان: ذويزن العلوي

يبدو المشهد في صنعاء سريالياً وهزلياً إلى درجة كبيرة. زبائن المطاعم يفترشون الأرض قربها في حلقات متجاورة، ويتناولون وجبات طعامهم بكل أريحية مع تيارات الهواء الحاملة للغبار والحشرات. والسبب أن المطاعم أغلقت الصالات والمساحات التي تخصصها لزبائنها، كإجراء احترازي لمواجهة جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19)، واقتصار بيع الطعام في تلك المطاعم على البيع للخارج. وكأن مرض كورونا لا يصيب إلا الذين يتناولون وجبات الطعام على الطاولات والكراسي فقط!

هذا المشهد هو خلاصة لكيفية تعامل اليمنيين (مسؤولين ومواطنين) مع خطر انتشار وباء كورونا؛ فهناك اعتراف بانتشار المرض، وفي نفس الوقت عدم الاقتناع والتصديق بوجوده. 

  فانتازيا الكورونا في اليمن بدأت فعلياً نهاية شهر مارس/ آذار 2020، عندما بدأ تسيير رحلات لإعادة اليمنيين العالقين في الخارج. قبلها بشهرين كانت معظم بلدان العالم تشدد إجراءاتها وتنفذ برامج العزل العام وتتخذ الاحترازات المشددة تجاه وباء الكورونا، لكن اليمن إلى ذلك الوقت، كان كأنه غير معني بهذا المرض لا من قريب أو بعيد، وغير معنيّ بما يحدث في بلدان العالم المختلفة. وكان هناك إعلان رسمي في اليمن بأنها خالية من هذا الوباء، لكن مع نهاية مارس/ آذار، ومع عودة العالقين في الخارج، خرجت تصريحات رسمية بضرورة إجراء فحوصات احترازية للعائدين من الخارج للتأكد من خلوّهم من المرض، كما خرجت دعوات لإنشاء مراكز عزل صحي في المنافذ لنفس الغرض. كان هذا أول تعامل رسمي مباشر يخص هذا الوباء، لكن الأمر كان هزلياً أيضاً؛ فأولاً لم تكن توجد أجهزة مختصة بإجراء فحوصات للكشف عن وجود الفيروس المسبب لوباء كورونا، عدا جهاز في مركز الأبحاث في صنعاء. والأمر الآخر، شرائح فحوصات اختبار المرض المتوفرة كانت تعدّ بالمئات مقابل آلاف العائدين، والتعداد السكاني لليمن يتجاوز الخمسة وعشرين مليون نسمة، لكن الأكثر طرافة، كان وضعية مراكز العزل التي تم إنشاؤها للعائدين، وتكدُّس العائدين داخلها بما يُمكن لمصاب واحد نقل المرض لباقي الموجودين في الحجر. وفي نقطة أكثر فنتازيا، تمكُّن مجموعات من العائدين من تجاوز نقاط الحجر الصحي دون إجراء الفحوصات أو الخضوع للحجر الصحي، وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، سواء عن طريق عمليات التهريب أو تواطؤ القائمين على تلك المراكز.


واجهت حملات التوعية صعوبات في البداية بسبب الرفض الرسمي ونفي أي أخبار عن وجود حالات مشتبه بإصابتها بفيروس كورونا، لذا لم تكن مؤثرة كثيراً في أوساط المواطنين


 استمر الموقف الرسمي بالتأكيد على خلوّ اليمن من أي حالة مرضية أو حاملة لفيروس كورونا، والنفي بشدّة لأي أخبار تتحدث عن وجود حالات مشتبه بإصابتها بكورونا، وفي جانب آخر من الموقف الرسمي، كانت هناك مناشدات قوية للحصول على مساعدات دولية لمنع انتشار هذا المرض في اليمن!

ثم بدأ الإعلان الرسمي على استحياء عن الحالة (صفر) في محافظة حضرموت- في مدينة الشحر. ثم تم الإعلان عن حالات قليلة أخرى في عدن وتعز بعد مرور أكثر من شهر على إعلان الحالة (صفر). أما التطور الأكبر، فكان الإعلان عن حالتين في صنعاء بالتوازي مع بدء وصول المساعدات الدولية الخاصة بمكافحة كورونا، وكأن الإعلان هو لتحفيز استمرار المساعدات الدولية بالتدفق. بعد ذلك بدأت الجهات الرسمية بعمل استحداثات وإجراءات للعزل الصحي في المدن اليمنية الكبرى، وتعطيل الدراسة في المدارس والجامعات، وإغلاق صالات المناسبات الاجتماعية والحدائق وحمامات البخار العامة ومحلات الكوافير النسائية، والدعوة لإجراءات التباعد الاجتماعي في دور العبادة، وتحديد نسبة المتوجب عليهم الدوام في الجهات الحكومية إلى عشرين في المائة من إجمالي العاملين. كما تم تنفيذ إجراءات إغلاق بعض الأسواق والأحياء، وفرض حظر للتجول فيها لمدة أربع وعشرين ساعة، وتنفيذ عمليات رشّ بالمطهرات لها.

  وفي جانب منظمات المجتمع المدني العاملة في اليمن، فقد كانت تعمل منذ انتشار جائحة كورونا عالمياً، على التوعية بمخاطر فيروس كورونا -إضافة للأوبئة الأخرى- مستفيدة من المنح والمساعدات الدولية لتلك المنظمات. وقد نفذت تلك المنظمات حملات توعوية، لكن تلك الحملات كانت مرتبطة من جانب، بتلقي تلك المنظمات منحاً مالية، ومن جانب آخر، واجهت صعوبات في البداية بسبب الرفض الرسمي ونفي أي أخبار عن وجود حالات مشتبه بها لمرض كورونا، خاصة في صنعاء. لذا لم تكن حملات التوعية مؤثرة كثيراً في أوساط المواطنين. ويضاف إلى هذا، مستوى التعليم المتدني لدى نسبة كبيرة من اليمنيين، مما جعل استيعابهم لوجود المرض وخطورته، منخفضاً.


وصلت الذروة في الالتزام بإجراءات التباعد إلى ما يشبه مقاطعة الزيارات في عيد الفطر المبارك. لكن هذا الالتزام كان يقابله استمرار التجمعات الكثيفة في الأسواق 


لكن ذروة إحساس المواطنين بوجود مرض كورونا تمثّل في ارتفاع نسبة الوفيات بداية من نهاية أبريل/ نيسان حتى بداية شهر يونيو/ حزيران 2020، مقارنة بنسب الوفيات في نفس التوقيت من العام الماضي، إضافة إلى تنبّه المواطنين لوجود أعراض مشابهة لأعراض مرض الكورونا (مثل الحمى، وفقدان حاستي الشم والتذوق، وخمول في الجسم) لدى نسبة لا بأس بها من المواطنين، سواء تعرضوا لها بشكل مباشر أو لاحظوها ضمن المحيطين بهم. أدى هذا إلى استشعارهم خطورة المرض، فبدأت أعداد أكبر من المواطنين باستخدام الكمامات الواقية على الوجوه، واستخدام مطهرات الأيدي، والتخلي عن المصافحة والعناق عند لقاء الأهل والأصدقاء، ووصلت الذروة في الالتزام بإجراءات التباعد إلى ما يشبه مقاطعة الزيارات في مناسبة عيد الفطر المبارك. لكن هذا الالتزام كان يقابله استمرار التجمعات الكثيفة في الأسواق، خصوصاً في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المنصرم. وكانت نسبة التباعد بين المتسوقين تكاد تصل إلى مسافة الصفر، وعدم لبس القفازات اليدوية بسبب تنقلهم بين اليقين وعدم التصديق أن هذا المرض يمكن أن يصل إلى اليمن، ولسان حال بعضهم يقول إن اليمن مقبرة الغزاة، وأن كورونا سيلاقي مصير الغزاة الذين وصلوا لليمن!

جانب آخر من هذه الفنتازيا سببته الحرب المستمرة منذ ست سنوات، ومعاناة المواطن العادي من آثارها الاقتصادية والنفسية والصحية، وانعدام مؤشرات التفاؤل باقتراب انتهاء الحرب في المدى القريب، وكذلك تفشي أمراض مثل (الكوليرا) والحميات المختلفة، إضافة إلى أمراض غامضة طوال الأعوام الماضية. كل هذا جعل التهديد بخطر انتشار الكورونا غير ذي تأثير كبير، وجعل المواطن اليمني يتعامل مع المرض بلا مبالاة، أو بهذه الطريقة الكاريكاتورية وهو ما بين التصديق والتكذيب؛ فما سيحصده مرض الكورونا قليل مقارنة بما حصدته الحرب فعلاً.


إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English