وجهة “كل عالم وتاجر”

صنعاء تاريخ ضارب في القِدَم
خيوط
July 5, 2020

وجهة “كل عالم وتاجر”

صنعاء تاريخ ضارب في القِدَم
خيوط
July 5, 2020
ت: محمد المخلافي

لم تكن صنعاء قبل الإسلام حاضرةً مهمة وحسب، بل كانت أيضاً محطة تجارية وسوقاً من أشهر أسواق العرب، واحتفظت بهذه الأهمية خلال العصر الإسلامي حتى قيل إنها “كانت وجهة كل تاجر وعالم”.

هذه الحاضرة التاريخية التي ورد ذكرها في أقدم النقوش اليمنية القديمة في عهد سبأ وذو ريدان، عاشت عديد المراحل التي شكلتها وكونتها كمدينة تاريخية بأسوارها وأبوابها ومبانيها الأثرية وطرازها المعماري الفريد وقصورها العتيقة التي سكنها الملوك وكانت ملتقى للوفود الزائرة على مر العصور.

تذكر الموسوعة اليمنية أن صنعاء مدينة تاريخية مهمة وعاصمة الجمهورية اليمنية، ويصل تعداد سكانها إلى نحو نصف مليون نسمة أو يزيد قليلاً. وتقع في الهضبة اليمنية على ارتفاع نحو 2150 متراً عن مستوى سطح البحر بسند السفح الغربي من جبل نقم.

وتسمى صنعاء إلى الآن “مدينة سام” و”آزال”، ولكن ليس بصفة رسمية، والاسم الأخير ورد في العهد القديم لأحد أبناء يقطن بن عار. جذور هذا الاسم موجودة في اللغة اليمنية القديمة بمعنى القوة والمنعة، ومنه اشتُق اسم الملك السبئي “يأزل بين”، واسم المدينة اليمنية القديمة “وعلان تأزل”. أما صنعاء فمشتق من الجذر القديم “صنع” بمعنى حصُن ومَنُع، وهو مرادف أيضاً لمعنى “آزال”.

ويعود أقدم ذكر لمدينة صنعاء في النقوش اليمنية القديمة إلى عهد (هلك أمر بن كرب إيل وتر يهنعم) ملك سبأ وذي ريدان، الذي عاش في القرن الأول الميلادي. أحد نقوش جلازر وتحديداً (A452 SAMMLUNG E. GLASER VII)، ذكر مدينة شُعوب، وهي اليوم حيٌّ من أحياء صنعاء، والباب الشمالي لصنعاء القديمة اسمه “باب شُعوب”.

اكتسبت صنعاء أهمية خاصة قبل الغزو الحبشي بفترة قصيرة وبعده، ثم حلّت محل ظفار، وأصبحت العاصمة الأولى لليمن

قصور الملوك

تُذكر صنعاء في النقوش بعد القرن الأول مراراً، خاصة في القرن الثالث الميلادي، في أثناء فترة حكم الملكين السبئيين (إل شرح يحصُب، ويأزل بين). واشتهرت المدينة بقصرها “غمدان”، إذ يذكر الهمداني في كتابه “الإكليل” أن الذي بنى غمدان كان (إل شرح يحصب)، وأن (شعرم أوتر) هو الذي وصل بنيان القصور وأحاط صنعاء بحائط. ولعل (إل شرح يحصُب) هنا هو الملك السبئي نفسه، غير أن نقش (إرياني 18 وجام 577) لا يشير إلى بناء القصر، وإنما إلى استيلائه هو وأخوه على كل من قصر غمدان في صنعاء، وقصر سلحين في مأرب. أما أقدم ذكر للقصر في النقوش، فقد ورد في نقش (نامي 12) الذي دُوّن في عهد الملك السبئي (شعر أوتر) أوائل القرن الثالث الميلادي تقريباً، حيث ذُكر قصر غمدان وسلحين معاً، ما يدل على أن تاريخ بناء قصر غمدان أقدم من ذلك. وكان “غمدان” يأتي في المرتبة الثانية بعد “سلحين”، إذ كان ملوك سبأ يسكنونه حين يقدمون إلى صنعاء. ويذكر الهمداني في الجزء الثامن من “الإكليل” أن “الملوك كانت تسكن مأرب حيناً وحيناً صنعاء”. وبقيت صنعاء في المرتبة الثانية بعد مأرب- العاصمة السبئية، وعندما حلت “ظفار” الحميرية محلّ مأرب، بقيت صنعاء في المرتبة الثانية أيضاً. غير أنها اكتسبت أهمية خاصة قبل الغزو الحبشي بفترة قصيرة وبعده، ثم حلّت محل ظفار، وأصبحت العاصمة الأولى لليمن. وتذكر الأخبار (كتابات الإخباريين) أن سيف بن ذي يزن أقام في صنعاء بقصر غمدان حاكماً لليمن بعد إنهاء الغزو الحبشي، وأن وجوه العرب وفدوا إليه في صنعاء، ومنهم قريش برئاسة عبدالمطلب (جد النبي محمد- ص)، ليهنئوه بالظفر والنصر على الحبشة. وعندما دخل زمن “الهجرة النبوية”، كان “باذان” الفارسي والياً لكسرى (برويز الثاني) على صنعاء ومقيماً فيها، واعتنق الإسلام في السنة السابعة للهجرة/ 628 للميلاد.

ملامح جديدة

اشتهرت صنعاء في فترة الغزو الحبشي بمعلم معماري آخر هو (القليس)؛ كنيسة بناها أبرهة الحبشي لتكون قبلة للعرب بدلاً من الحج إلى الكعبة في مكة. وقد اعتبرت “القليس” و”غمدان” من المباني العجيبة التي تناقل الناس ذكرها وبالغوا في أوصافها.

 لم تكن صنعاء قبل الإسلام حاضرة مهمة وحسب، بل كانت أيضاً محطة تجارية وسوقاً من أشهر أسواق العرب. واحتفظت بهذه الأهمية خلال العصر الإسلامي حتى قيل إنها “كانت وجهة كل تاجر وعالم”. وخلال العصر الإسلامي اكتسبت صنعاء ملامح جديدة بعد أن قدم إليها عدد من أصحاب النبي محمد (ص)، وأُسّس فيها واحد من أقدم الجوامع الإسلامية هو “الجامع الكبير”، الذي لا يزال ماثلاً إلى اليوم. وإلى ما قبل ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، كان عدد المساجد في صنعاء 106 مساجد، أربعون منها فقط كان عامراً في ذلك الوقت. وكما تذكر المصادر التاريخية، فإن المدينة أحيطت بسور منذ القرن الثالث الميلادي، وكان لها أربعة أبواب: باب اليمن، باب شعوب، باب السبحة، وباب ستران. أما بقية الأبواب، مثل باب خزيمة وباب الشقاديف، فقد استحدثت بالتزامن مع بداية استحداث حي “بير العزب”، أو قبله بفترة قصيرة.

 ويذكر الرازي (ت 480هـ/1068م) أن صنعاء استكملت عمارتها في العصر الإسلامي، وكثر ريفها وخيرها، كما كثرت دورها ومساجدها وسقاياها، وبلغ عدد مساكنها 70 ألف مسكن أثناء ولاية هارون الرشيد (170هـ/780م)، ويذكر بعض الإخباريين أن صنعاء تلاشت بعد ذلك في أيام أحمد بن قيس الضحاك الهمداني (ت 380هـ/990م).

 ومن الفترات التي توسعت فيها صنعاء، فترة عهود كل من الدولة الهمدانية (القرن الحادي عشر الميلادي/ السادس الهجري)، والدولة الأيوبية (القرن الثاني عشر الميلادي)، حيث أنشئ حي “النهرين” إلى غرب المدينة، وأقيم على طرفه الجنوبي مقر للحاكم عرف ولا يزال باسم حي “بستان السلطان”، وعبره أُجريت مياه “الغيل الأسود”، وينسب سورها إلى السلطان طغتكين بن أيوب.

 وفي العهد العثماني الأول، استُحدث حي جديد في الجانب الغربي من صنعاء هو “بير العزب”، كما بُني في شرقها جامع البكيرية وحمام الميدان على الطراز العثماني، وفي أواخر القرن السابع عشر للميلاد، استُحدث في الجزء الغربي من “بير العزب”، الحي المعروف بـ”قاع اليهود”. وفي أواخر القرن الثامن عشر، أنشأ الإمام المتوكل القاسم عدداً من القصور ومسجداً وحمامات وحديقة “بستان المتوكل” في الطرف الغربي من المدينة. وفي فترة الوجود العثماني الأخير، بنيت مقابل جنوب سور المدينة، عمارات ذات طابع مختلف عن طراز المدينة، واستخدمت كثكنات عسكرية، وهي المعروفة بـ”العُرْضي”.

 وبالرغم من شحّة الوثائق والخرائط التي تدل على تطور مدينة صنعاء، إلا أن أبرز ما رسم لها من خرائط قديمة، كانت خريطة نيبور (1763) وخريطة مانزوني (1879) وخريطة الوالي العثماني عاصم باشا، وخريطة راثينز وفون فيسمن (1929)، ولاحقاً، خرائط تخطيط المدن اليمنية الحديثة.

التطور الأكبر في عمران صنعاء، حدث بعد ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، غير أن طراز المعمار اختلف باختلاف المؤثرات العصرية، كمحاكاة الطرز المعمارية الخارجية، أو ضعف الإمكانيات المادية لدى من يبنون مساكنهم. هذا التطور صاحبه إهمال لمباني المدينة القديمة، فتصدّعت بعضها وتهدم البعض الآخر.

 ومع دخول اليمن النفق المظلم للحرب منذ العام 2015، والتدخل السعودي عسكرياً بتحالف من عشر دول، طالت المباني التاريخية والحديثة ضربات طيران التحالف. وقد وثقت منظمات حقوقية الدمار الذي لحق بالمباني الأثرية لصنعاء، كما حدث لحي “القاسمي” وحي “الفليحي”.

وتعرضت المدينة القديمة لاستحداثات في البناء بمواد حديثة كالإسمنت والحجر الأسود، وتحدث مسؤولون حكوميون وسكان في المدينة القديمة عن إغراق مبانٍ أثرية بالمياه لكي تنهار ثم يتم بناء أبنية حديثة مكانها.

وأثرت عوامل تعرية كثيرة في مباني صنعاء القديمة، التي أدرجتها منظمة اليونسكو عام 1986، في قائمة التراث العالمي، قبل أن تصدر تحذيرات منذ العام 2015، بأنها مهددة بالاندثار، ولاحقاً صارت مهددة بالشطب من قائمة التراث العالمي، بسبب كثرة الاستحداثات فيها، وعدم ترميم الأجزاء التي تتلفها الأمطار والسيول، وانهيار شبكة الصرف الصحي. كما لا تزال المدينة مهددة بالغرق في أي موسم أمطار غزيرة، خاصة تلك التي تنزل سيولها من جهة “خولان” و”سنحان”.

•••
خيوط

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English