محاولة رد بشأن “الهوية الجنوبية”

في وصف تعدد الكيانات السياسية القبلية في حضرموت
أحمد صالح الجبلي
June 27, 2020

محاولة رد بشأن “الهوية الجنوبية”

في وصف تعدد الكيانات السياسية القبلية في حضرموت
أحمد صالح الجبلي
June 27, 2020

أولاً، أشكر القارئ الكريم أمين اليافعي على تساؤله الناجم عن قراءته لمقالة “الهوية الجنوبية”، وإليه محاولة ردي التي أرجو أن تفي بشيء من الغرض:

 علي سبيل التذكير، أود أن يلاحظ معي السيد أمين اليافعي، أن الحديث يجري عن الهوية السياسية، وليس عن أي هوية أخرى. ذلك أنه إلى جانب الهوية السياسية، لدينا الهويات الحضارية أو الثقافية وغيرها. والحديث عن الهوية السياسية يقوم مضمونه على الحاجات والمهام والمصالح والأهداف والغايات التي تهم الجماعة المعنية، بما في ذلك الصراع بالوسائل التي تعتمدها الجماعة من أجل بقائها واستمرارها بصفتها جماعة مشتركة مادياً ومعنوياً وروحياً. فالحديث عن الهوية السياسية للجماعة يعني الحديث عن إدارة شؤون الجماعة لتظل جماعة متميزة عن غيرها من الجماعات التي في محيطها، مع ملاحظة مهمة أن الحديث لا يتضمن بالضرورة هنا الحديث عن “الدولة”، لأن ثمة جماعات تدير أمورها العامة دون أن تشكل دولتها.

 في تساؤله، يتطرق أمين اليافعي إلى حضرموت، والذي ربما يفهم منها أن بقية مناطق “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” إما أنها ليست محل اعتبار عنده، أو أنه يتفق مع مضمون ما جاء في المقالة، ولهذا تراه قد اتجه صوب حضرموت. وفي كل الحالات، ليس لحضرموت هنا عند الحديث عن الهوية السياسية أي استثناء لها عن بقية مناطق “اليمن الديمقراطي”، لأنها كانت تعاني من تعدد الكيانات السياسية البدائية الكرتونية مثلها مثل غيرها من المناطق. وأخشى القول إنها عانت تشتتاً سياسياً أفقدها وحدة سياسية تساعد على تشكل وبلورة هوية سياسية -وأكرر: الحديث هنا لا يجري عن هوية ثقافية أو حضارية أو ما شابه– تميّز سكان حضرموت كجماعة متميزة على الصعيد السياسي.

 وحتى لا أطيل، أورد شيئاً مما كتبه بعض الكتاب المهتمين بتاريخ حضرموت، برهنة على ما أذهب إليه بشأن الكيانات السياسية الكرتونية.

 يلخص الباحث بامؤمن شطراً من هذا التاريخ السياسي، فيذكر أنه عندما اعترى الحكم الأيوبي في اليمن الضعف، وسادت الفوضى القبلية في مناطق حضرموت، تطلّعت الزعامات القبلية هناك إلى الحكم والاستقلال، فنشأت في المدن الرئيسية الثلاث: تريم وشبام والشحر، إمارات مستقلة، هي: إمارة آل راشد في تريم، إمارة آل الدغار في شبام، وإمارة آل إقبال في الشحر. كما حكمت الزعامات القبلية المناطق الأخرى من حضرموت. وفي فترة لاحقة، وقبل أن يفضي الصراع القبلي بين الكثيري والقعيطي إلى اقتسام حضرموت بتأسيس الدولتين الشهيرتين فيها، فإن الصراع قد استعر شديدًا في السابق. فمنذ عام 1130هـ، بعد أن اعترى الدولة الكثيرية الأولى الضعف، وانتشرت الفوضى القبلية في مناطق عدة من حضرموت، برزت من جديد دويلات المدن، منها:

– دويلة عمر بن بدر الكثيري في هينن في الفترة 1220– 1239هـ.

– دويلة عيسى بن بدر الكثيري في شبام في الفترة 1239– 1274هـ.

– دويلة ناجي بن علي بن بريك اليافعي في الشحر التي نشأت في عام 1165هـ.

– دويلة محمد بن عبدالحبيب الكسادي اليافعي في المكلا التي نشأت في عام 1115هـ.

 وقد بلغت الفوضى والانقسامات مداها بقيام إمارات الحارات في المدينة الواحدة، كما فعل نقباء يافع الذين تقاسموا فيما بينهم مدينة تريم على النحو التالي:

– آل بن همام: وهم ينتسبون إلى آل الناخبي من يافع السفلى، وقد سيطروا على حارة الخليف في جنوب وغرب المدينة.

– آل عبدالقادر: سيطروا على حارة النويدرة في شمال المدينة.

– آل غرامة: سيطروا على حارة السوق في وسط المدينة وشرقيها، حيث يوجد جامع تريم (بامؤمن: 196-198).

– استولى عوض بن عمر على بلدة شحير بحضرموت بعد أن اشترط عليه قبائلها الإعفاء من الضرائب، وإبقاء عوائدهم (السقاف 2002: 62).

– كان في دوعن بحضرموت جماعات من الأمراء كلٌ ينفرد بناحية، فباقتادة في القرين، وباعبدالله في رحاب، وابن حِمْيَر في صِيف، وباعُويدَين في الوادي الأيسر، والقويرة ونواحيها للكثيري، وللعمودي الرباط وبِضّة والجزع والعِرْسِمة وقَيْدون (السابق: 162).

 هكذا كانت الكيانات السياسية تنشأ وتختفي اعتماداً على العصبية القبلية وعلى أطماع الزعامات القبلية، وبصورة مجردة عن أي رداء ديني، وليس كما كان الحال لدى “الإمامة” في المرتفعات الشمالية التي كانت تغلف أطماعها بنشر “الشريعة الغراء”. هنا، كان الحكام القبليون واضحين مباشرة في التعبير عن أطماعهم: “من غلب حكم”. ومن الجدير بالذكر أن حكام تلك الكيانات السياسية، أو بعضهم على الأقل، كانوا يلجؤون إلى استثمار الصراعات القبلية لتثبيت أركان حكمهم –مثلهم في ذلك مثل “الأئمة” في المرتفعات الشمالية– كما يذكر الشاطري أنه كان بعض الحكام يلجؤون إلى ضرب قبيلة بأخرى (الشاطري 1994: 229).

عندما تولى علي بن صلاح القعيطي السلطة في منطقة شبام، كانت المشكلة الأولى الملحّة هي مشكلة الصراع القبلي الذي يحدّ من طاقات الأمة

 عموماً، كانت العلاقة بين القبيلة الحضرمية والكيانات القبلية السياسية متوترة على الدوام، فما إن تهدأ برهة من الزمن حتى تمد أعناقها لأكثر من سبب وسبب، حتى وصل الأمر ببعض القادة الاجتماعيين والسياسيين في حضرموت إلى الانتهاء إلى خلاصة مفادها أن إمكانية إخماد التمردات القبلية لن تتحقق كما ينبغي إلا بالتدخل الخارجي المتمثل آنذاك بسلطة الحماية البريطانية. بهذا الصدد يقول القعيطي إن السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، كان من روّاد التحديث، وكان يرى أنه بدون قوة خارجية فعالة فإن الحروب القبلية لن تنتهي وستتعرض البلاد إلى المزيد من التدهور. وأعلن عدد من قيادات المجتمع الحضرمي عن رغبتهم في تدخل البريطانيين. وقد أبدى علي بن صلاح الرغبة في التعاون مع السيد الكاف وكتب له في هذا الصدد. وعندما تولى علي بن صلاح السلطة في منطقة شبام، كانت المشكلة الأولى الملحّة هي مشكلة الصراع القبلي الذي يحدّ من طاقات الأمة. ولعل علي بن صلاح كان أكثر الحكام تأهيلاً للتصدي لها لمعايشته قضايا المنطقة، ولمعرفته الوثيقة بالقبائل وللثقة التي يحظى بها بينهم، فلا غرو إذا استعان به السلطان والإنجليز. وقد عبر علي بن صلاح عن تمكّنه من فهم مشاكل القبائل في لقائه مع إنجرامس، إذ قال له: “سوف نستميل رؤساء القبائل بطريقتنا العربية الخاصة من حسن استقبال وإعطاء الاعتبار وتوزيع السلاح وتجديد الأحلاف والاتفاقات القديمة، ونربط من لم يرتبط بعد، ونكون على اتصال واحتكاك بهم وبالأرض، وتعزيز ذلك بفتح المطارات”.

 وكان علي بن صلاح عنصراً فعالاً في تلك العملية بحكم تواجده في المنطقة ومعرفته بها. وتكوّن وفد للطواف ومتابعة التوقيعات من السلطان علي بن صلاح والسيد أبو بكر الكاف و”الحَكَم” (المقدّم) علي بن صالح بن ثابت النهدي حَكَم نهد وإنجرامس (القدال: 57).

 وينقل الباحث الروسي روديونوف عن إنجرامز (كان عام 1937، أول مستشار بريطاني لدى السلطان القعيطي في جميع الأعمال، باستثناء مسائل العقيدة والعادات. ومنذ 1939، امتدت صلاحياته لتشمل السلطنة الكثيرية أيضاً)، أنه كانت أمامه مهمة رئيسية في حضرموت، هي التوقيع على اتفاقية هدنة شاملة، فكتب يقول: “في بعض الأحيان، بدا وكأن توقيع أحد الزعماء كافٍ لتقييد عدة آلاف من الرجال المسلحين بالتعهد، وأذكر على الأقل حالة واحدة، عندما جاء للتوقيع درزينة فحسب. وكذا اجتمع لدينا أكثر من 1400 (ألف وأربع مئة) “حكومة” متفرقة في دولتين اثنتين. كما كان هناك عدة مئات من المدن المستقلة ذات السكان العزّل (حافظ زعماؤها عادة على الموالين المسلحين، وأخذ الرهائن بغرض الأمن، وعقد اتفاقيات الدفاع مع القبائل المجاورة)، وكذلك الحوطات (المدن المقدسة) التي لا تمسّ حرمتها حسب العادات القديمة أو حسب الاتفاقيات. وبلغ إجمالي ما أحصيته في حضرموت حوالي ألفي “حكومة” منفردة، من بينها فقط اثنتان اللتان اعترفت بهما بريطانيا” (روديونوف: 84).

 تبقى مسألة مهمة، أنه ليس بالضرورة أن نتفق على كل مسألة تواجهنا، بل والغريب أن نتفق على كل شيء، أما الأكثر أهمية فهو العمل على تحديد نقاط أو مواقع الاتفاق من جهة، والاختلاف من جهة أخرى.

مع تحيتي لـ”خيوط” وللقارئ.

المراجع:

– بامؤمن، كرامة مبارك سليمان 2006: الفكر والمجتمع في حضرموت، صنعاء، دار التيسير للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة.

– روديونوف، ميخائيل 2003: عادات وتقاليد حضرموت الغربية، ترجمة د. على صالح الخلاقي، إصدارات جامعة عدن، الطبعة الأولى.

– السقاف، عبدالرحمن بن عبيدالله 2002: معجم بلدان حضرموت المسمى إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت، تحقيق: إبراهيم أحمد المقحفي وعبدالرحمن حسن السقاف، صنعاء، مكتبة الإرشاد، الطبعة الأولى.

– الشاطري، محمد أحمد1990: أدوار التاريخ الحضرمي، تريم، دار المهاجر، ط:3، 1994.

– القدال، د. محمد سعيد والقعبطي، عبدالعزيز علي بن صلاح 1999: السلطان علي بن صلاح القعيطي، دار جامعة عدن للطباعة والنشر.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English