موت مجاني لا يشبه حنين الفلاحين

عبدالناصر مجلي في "أشياء خاصة" و"رجال الثلج"
محمد عبدالوهاب الشيباني
February 4, 2021

موت مجاني لا يشبه حنين الفلاحين

عبدالناصر مجلي في "أشياء خاصة" و"رجال الثلج"
محمد عبدالوهاب الشيباني
February 4, 2021

قبل أن يصدر الكاتب اليمني المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، عبدالناصر مجلي رواية "رجال الثلج" في 2009، كان قد أصدر مجموعته القصصية "أشياء خاصة" في العام 2002، التي تنقل صوت المهاجرين الجدد إلى أمريكا والباحثين عن قيمتهم الوجودية بعيدًا، محمولات تواريخ ما قبل الهجرة في الوطن المُهاجر منه.

 المحترز الكتابي كخطاب في المجموعة، لم يتخلص من التعارضات الشديدة التي تنشغل بها الكثير من نماذج الكتابة المهجرية الجديدة، التي تنتمي إليها تجربة عبدالناصر مجلي، فنصوص المجموعة ترزح تحت حمل الداخل الثقيل، ولم تتصالح تمامًا مع الخارج الذي تحيا فيه. 

 الداخل -الوطن الأم- الذي تخلصت منه أَنَوات السرد أو توهمت التخلص منه بالهجرة إلى جغرافية مناقضة تمامًا لجغرافية المهجري القديم، الذي كان لا يعرف عن أقدار هجرته والجغرافيات، التي سيقيم فيها كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات. 

هذا الداخل يتحول إلى حنين جارف وبكاء وعويل من أول معاينة له من خارجه الجغرافي -موطن الإقامة الجديد- والذي يُشَدّ إليه الرحال هربًا من جحيم الأول، فيتحول الثاني إلى جحيم مضاعف، تُعبِّر عنه هذه الكتابات، وتُرد في نهاية المطاف إلى عدم قدرة الراوي/ الكاتب وشخوصه التعايش مع هذا الخارج، لأن نقيضه الداخل قد فجَّر فيهم كل مسالك الحنين إليه. 

إذن نحن أمام تعارضات جوهرية بين داخل مقيم في ذات المهجر، وخارج يقيم فيه المهجري، ولا يتعايش معه. هذه الكتابات لا تجيب عن أسئلة آنية بل تضاعف من إنتاج أسئلة إشكالية، ترحل في مفردات مواضيع الهجرة الأليمة، التي تصير في معظم النصوص معادلًا للموت المجاني، كما سنرى.

في نص عنوانه "ما قالته السيدة عذبة وآخرون" في مجموعة "أشياء خاصة" تتظهر السيدة اليمنية راوية حنينها إلى الوطن الذي قضت خارجه سنتين عن بقرتها الحمراء "سعيدة" التي "كانت تحتفظ لها بصورة ملونة تناجيها كل حين وتدعو الله أن يعيدها سريعًا إلى قريتها النائية في وطنها المنسي". 

الداخل يستدعيه عمال يمنيون، جاؤوا من بيئات فلاحية فقيرة، يبخِّرون أعمارهم في المطاعم ومحطات البنزين ومصانع السيارات والورش، ويبددون أيامهم الطرية في مطاردة سنتات قليلة وحياة هينة ليست في متناول اليد، على نحو حكاية "أحمد" العامل اليمني في نص "يوم موت لاري" والمكبَّل بالدَّين والزوجة والألم، يترك الورشة التي يعمل بها من أجل سنتات زيادة في أجر الساعة في إحدى محطات، وبعد أشهر قليلة يجدوه مقتولًا في هذه المحطة بعد حادثة سطو.

الداخل وطن يتلبس "الملاحي" العامل اليمني الكهل أيضًا، والذي قضى سنوات كثيرة عاملًا في البحر والمرافئ، وقابله الموت الرخيص في إحدى ورش "ديترويت" وعلى شفتيه مهجل قصير يقول: "بالله عليك واساير البيضاء بلغ سلامي على هيله". 

شبان يمنيون يعملون في أحد المصانع يتشابهون في أشياء كثيرة: الديون التي ترهق الكواهل/ الفقد المروع لأحبة بعيدين/ حنين لا يطاق لأوطان لا تسأل عن أحد.

يعيش الجيل الثاني من المهاجرين تناقضات بين انتماءات يجاهد الآباء كثيرًا في غرسها بدواخلهم لأوطان يحن إليها الآباء فقط، وبين تحققاتهم الوجودية في وطن وُلدوا فيه وتشربوا قِيمه بدون مباركة من الآباء

هذا هو الداخل، الوطن الذي يُستبدل في البداية بموطن جديد لإنفاذ أحلام من هاجروا إليه، غير أنه لا يمَّحي من وجدان الذين هجروه، فهو مذاب فيهم مقيم تحت جلودهم يستحضرونه حينما لا يستطيعون استيعاب الوطن البديل، ولا يتكيفون مع مفرداته وقيمه المختلفة، فهو في "أشياء خاصة" موطن مؤقت، لهذا يظهر الشخوص المقيمون فيه متخففون من مسألة الانتماء إليه، يمقتونه يسفهون قيمه ولا ينظرون إليه إلا باعتباره آلة يقايضون مجهوداتهم فيه بدولارات قليلة، وتاليًا يدفعون حياتهم ثمنًا لهذه المقايضات غير العادلة. حتى أولئك الذين أرادوا وضع حد لعلاقتهم بالوطن الأصل من خلال الانغماس الكلي والذوبان في ثنايا موطن الحلم الزائف، لا بد وأن توقظ فيهم الشيخوخة والوهن جذوة الحنين؛ الجذوة التي يحاولون نقلها مشتعلة إلى أبنائهم "المولّدين" على نحو حالة الأب المهاجر الذي يوصي ابنه في نص "ملامسة الأشياء البعيدة"، حينما يقول له: 

"عشت حياتي بالطول والعرض ونسيت أهلي وناسي. كنت شابًّا مجنونًا؛ كل ما كنت أجمعه من مال أنفقه على ملذاتي، لذلك لم أستطع العودة خالي الوفاض، بعدها قابلت والدتك وتزوجتها. أنت رجل من بعدي لا تنسَ أن لك أرضًا ووطنًا هناك وراء البحر، لقد كنت وحدي يتيمًا لكن ماذا عن الأبناء الذين تسدي إليهم مثل هذه النصائح؟!".

هم أيضًا يعيشون هذه التناقضات بين انتماءات، يجاهد الآباء كثيرًا في غرسها بدواخلهم لأوطان يحن إليها الآباء فقط، وبين تحققاتهم الوجودية في وطن وُلدوا فيه وتشربوا قِيمه بدون مباركة من الآباء. فتاة تعمل في أندية للتعري، أولاد يتاجرون بالمخدرات وتقديم الخدمات المجرَّمة أخلاقيًّا من وجهة نظر الآباء، الذين يتظهرون في وعي الأبناء ككائنات بالية ومحافظة.

(2)

في رواية "رجال الثلج" تصير معاناة اليمني في العالم الجديد عنوانًا مفتوحًا للهجرة القاتلة، وتعبِّر عنها ثلاث حكايات لمهاجرين من أزمنة مختلفة. الأولى "حكاية عبدالله" وهي تصوير قيامي مؤلم لموت لشاب ينتقل إلى أمريكا مع عائلته في منتصف السبعينيات ويتطبع بثقافة شبانها، كان "شديد الذكاء وكثير العراك مع أقرانه ويعيش حياته كأي مراهق أمريكي"، لكنه حينما يعود في زيارة لبلدة أبويه "جُبَن"، برغبة منهما، يتزوج هناك وينجب طفلة، هي آخر ما سيمر عليه في الشريط السينمائي أثناء قتله في محطة البنزين من قبل أربعة لصوص خيّروه بين المال وحياته.

الحكاية الثانية لـ"علي" الصحفي والكاتب الذي يهاجر إلى أمريكا بعد الوحدة، بعد أن بدأ يستشعر الخطر الداهم الذي يلف حلم اليمنيين. بعد حياة مضطربة في صنعاء "قات وخمر وصلاة ونساء وتصنُّع عملقة كاذبة"، تصعَّد في وحشتها وازداد ضجرًا مما حوله، هاجر إلى أقصى الأرض وإلى ديترويت. 

استقر في حي اسمه "دكس"، وعمل غاسلًا للصحون في مطعم يمتلكه شخص فلسطيني، لكن طبعه الانطوائي لم يعِنه على الاختلاط بمجتمعه الجديد، واقتصرت حياته بنسق ممل، بين العمل في المطعم وغرفته الباردة في كل الفصول، في فندق رخيص يعج بالعاطلين والعجزة والعاهرات، حتى جاء اليوم الذي أخذته زميلة له في المطعم تدعى "ديبي" إلى مسكنها، حيث تذوق لأول مرة الحياة الأمريكية.

تطورت علاقته بديبي، التي تداركها بالزواج حينما حملت منه، وكان هذا الزواج بالنسبة له حلًّا لمشاكله، وبه يستطيع البقاء في أمريكا دون مضايقة قانونية ومطاردة من رجال الهجرة القساة؛ وبعد حياة بطالة وبؤس يجد عملًا في ورشة صغيرة لتعبئة المياه الغازية، لكنه يتركها بعد معركة طاحنة، وينتقل للعمل في ورشة لتعبئة قطاع غيار سيارات وتغليفها، وهناك سيتعرف على أصدقاء يمنيين مثقلين بالديون، ومنهم قاسم، الذي ترك الورشة للعمل في محطة بنزين لتحسين دخله، لكن "لم ينقضِ شهر واحد حتى كنت أحد المصلين على جثمانه"، بعد أن قتلته عصابة تحترف السرقة.

في "رجال الثلج" ثمة مهاجرون يمنيون حضروا في النص عرَضًا، دون وظائف حكائية في البنية السردية الأصلية، لكنهم في نهاية الأمر يعيدون إنتاج وظيفة معينة لإدانة الهجرة التي سلبتهم كل شيء

بعد فترة بطالة وضياع، حاول تدارك نفسه في عملٍ لم يجده سوى في محطة بنزين في وردية ليل، حيث ستتكرر من جديد قصة عبدالله وقاسم مع الموت، وهذه المرة معه.

الحكاية الثالثة تتبع لموت مجاني ثالث لمهاجر في وقت مبكِّر اسمه "مثنى"، يدخل نيويورك في شتاء عام 1920، سباحة بعد أن قفز من على ظهر سفينة كانت تناور مناورتها الرئيسية استعدادًا للرسو، بعد رحلة لها من مرسيليا وعلى ظهرها هذا المهاجر الذي لا يحمل أوراق هوية، بعد أن قضى بضعة أسابيع متخفيًا فيها مثل جرذ، وكادت هذه المغامرة تكلفه حياته بعد إصابته بنزلة برد شديدة، لولا عناية أحد المهاجرين السوريين به لمدة ثلاثة أشهر. 

تعرف عن طريق مهاجر شامي على "ليوجي" الإيطالي المجنون الذي يمتلك مطعمًا، كان "حنا" قد عمل به سابقًا، حيث سيعمل مثنى في غسل الصحون وأدوات الطبخ، حيث سيتعرف على "جينا" زوجة "ليوجي" التي تطلق عليه اسم "مارتن". 

بعد أشهر سيقتل شر قتلة على يد "بتينو" الصغير "الحاكم الفعلي لعموم العصابات الإيطالية، ليس في بروكلين وحسب، بل في نيويورك الكبرى كلها، المدينة التي تنام كل ليلة على أنين عشرات الجثث التي يستفعل بها الموت، حيث سيعمد إلى قطع عضوه وخصيتيه أولًا، ثم يتم تقطيعه إربًا، ويرمي لحمه للكلاب ويتم حرق ما تبقى منه، بحيث سيختفي إلى الأبد"، ومقتل مثنى بهذه الطريقة البشعة جاء بعد أن ضبطه "بنيتو" مع زوجته "كارولين" على الفراش.

في "رجال الثلج" ثمة مهاجرون يمنيون حضروا في النص عرَضًا، دون وظائف حكائية في البنية السردية الأصلية، لكنهم في نهاية الأمر يعيدون إنتاج وظيفة معينة لإدانة الهجرة التي سلبتهم كل شيء، ويُستنبتون نصيًّا كوحدات حكائية مستقلة حملت عنوان "فصل وجوه في المهب حطمتها ريح نكد وعثرات كبار"، منهم: 

"السلطان" رجل طويل القامة، عريض المنكبين، ممتلئ الجسم، له شارب كثيف ووجه مدور يتميز بوسامة وقورة، يحب النساء، لكن الزمن انقلب عليه. كان يمشي في الشارع بثوبه العربي وعصاه السوداء كمليك مخلوع. بعد طرد الإنجليز من عدن سافر إلى السعودية، ثم انتقل كلاجئ إلى أمريكا.

متدين يصلي ويصوم، ويطارد الفتيات مغررًا بهن بوفرة المال. كان يذوي كل يوم، مثل سنديانة ماتت عروقها. شرهُهُ قضى عليه، فقد كان يحب الطعام كثيرًا.

"الدنجوان" شاب ثلاثيني، بالكاد يستطيع كتابة اسمه بالعربي، انفتحت أمامه بوابة الرزق. ربح ورقة يانصيب بمبلغ ضخم، استثمره جيّدًا في محطة بنزين ودكان لبيع الخمور ومحل بيتزا، لكنه أبطأ في العودة، سحرته نساء ميتشغن، فنسي أباه وأمه وزوجته الشابة، التي لم تطِق صبرًا، فنسجت علاقات عاطفية مع شبان القرية، وحين وصله الخبر تأزم؛ "هرب إلى الخمر، وأسرف فيها كمن ينتقم من نفسه ومن زوجته وأهله وبلاده. أهمل مصالحه حتى أفلس وكثرت ديونه، تعاطى الكوكائين وكل أرخص أنواع المخدرات، كان يسعى إلى دماره الشخصي بوعي مفزع النتائج، يجلده شعور ماحق بالذنب، يقضي ليالي طوالًا في غيبوبة وبكاء".

المهاجرون اليمنيون في هذا النص السردي "لم يكونوا سوى مجموعة من الرجال المهاجرين الذين ساقتهم أقدارهم إلى الفناء في بلاد الثلج بعيدًا عن أوطانهم الدافئة، والتهمهم الغرب مثل قطع الثلج الذائبة. ذابوا في كؤوس الغرب كقطع الثلج الصغيرة، أو كأنهم تماثيل صنعت من الثلج المتلاشي، عاجلهم قدرهم بالموت فيه مستبدلين بقبورهم الدافئة قبورًا ثلجية باردة"، كما يقول د.عبدالحكيم باقيس.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English