مصير الرواية في مذبح الأكاديمي

كيف تحد ثقافة الهجاء والمديح من مخيلة الكاتب؟!
جمال حسن
November 24, 2021

مصير الرواية في مذبح الأكاديمي

كيف تحد ثقافة الهجاء والمديح من مخيلة الكاتب؟!
جمال حسن
November 24, 2021
اللوحة للفنان : عبدالجبار نعمان - © خيوط

هل الغاية من الرواية تسلية القراء فقط؟

إذا اعتبرناها كذلك، فإننا ننزع عنها وظيفتها الجوهرية، وهي إعادة خلق العالم من منظور جمالي. رأى بورخيس أن مهمة السرد، بما معناه، بثُّ حيلٍ للعقل وإثارته بإطار من المتعة، أي إن السرد تناغم الحسي بالذهني. 

أن تثير الرواية متعة جمالية، فذلك جوهر إلهامها، لكن هذا الغرض يصبح أكثر التباسًا بالنسبة لمن يحطون من دهشة جامحة تفتننا بها الرواية، ويعتقدون أن الجمالي هامش في روح المعرفة.

الرواية تبحث عن قارئها

لا أظن أن مارسيل بروست كتب عمله الضخم "البحث عن الزمن المفقود" ليسلي القراء فقط؛ فمن الوهلة الأولى قد يصاب القارئ بالملل وهو يقرأ ثلاثين صفحة من القطع الكبير مكتظة بحروف صغيرة، تستطرد في وصف اللحظات التي تسبق النوم. وقبل أن نسأل هل معنى ذلك أن رواية بروست لا تثير متعة القارئ، علينا تحديد نوع القارئ، أو تحديد وظيفته، التي أصبحت جزءًا عضويًّا في العمل الإبداعي، وفق رؤية ما بعد الحداثة.

أتذكر أني شعرت بالملل عندما قرأت "عشيق الليدي تشاترلي" للورانس أول مرة، وبعد سنوات عدت لها لتصبح واحدة من الروايات المفضلة بالنسبة لي. لم يكن موضوع المتعة سوى جانب متصل بالخلفية المعرفية.

وإذا اعتمدنا موضوع التسلية، فستأتي رواية بروست في مرتبة أقل أهمية من رواية ألكسندر دوماس "غادة الكاميليا"، أو رواية جول فيرن التي تتحدث عن رحلة في أعماق البحار، متنبأة باكتشاف الغواصات، بالنسبة لقارئ مبتدئ.

موت الحكاية

تثير رواية "هارون وقصص البحر" لسلمان رشدي مأزق الحكاية، ففي مدينة شديدة الحزن وكئيبة، كان مصدر البهجة الوحيدة راشد خليفة الذي لا تنقطع بحر حكاياته، والتي جعلته مطلوبًا في الاحتفالات لتسلية الجماهير. كان والد هارون صاحب الضحكة المجلجلة، الاستثناءَ الوحيد بين مواطنين شديدي التجهم.

مع ذلك، كانت حكاياته سببًا للحط منه، فجاره وصفه بعديم النفع، ساخرًا مما يرويه من قصص خرقاء، أمام زوجته ثريا. وذات يوم هربت ثريا مع الجار، تاركة لزوجها راشد رسالة هجاء تسخر من حكاياته "التي لا فائدة منها". وفجأة انقطع إلهام حكاياته وأصبح عاجزًا عن سرد قصة واحدة، وأصبحت حياته مهددة إذا لم يعد خلال أسبوع ومعه بحر حكاياته. ومأزق الرواية تمارسه المعامل الأكاديمية، وتصنيفات المنظمات التي تحد من ابتكار المخيلة.

بحسب نيتشه، يتصرف الفنان تجاه الواقع الرؤيوي؛ بينما الفيلسوف يتعامل مع الواقع الوجودي، وهما عالمان متوازيان ومهمان، لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر

المسرة المعجونة بالصدق

لا تخجل الرواية من المسرة التي تصنعها، وفي الجزء الثاني من "دون كيخوته"، لا يخفي ثربانتس التسلية التي أثارها الجزء الأول للناس، وأصبح خروج الفارس وتابعه "سنشو" تسبقه شهرتهما. لكنه أكد القيمة الرئيسية التي ستجعل من عمله حديث البشر على مر الأزمان.

ما الذي يمكن أن تحمله لنا رواية "آنا كارنينا" بعد سقوط البطلة في حب حقيقي، رفضت أن تعيشه في الخداع على طريقة نساء طبقتِها. كانت فضيلتها الصدق، لكن الرواية لا تحمل قصدية الكاتب، ذلك اللبس الذي كرس عظمة الرواية، حتى لا تسقط في منظومة الأفكار أو التفلسف.

يمكن القول إن التسلية مرتبطة بصورة جوهرية في الحكاية، لكن الحكاية ليست الغاية الجوهرية للرواية، إنما موقف تظلل فيه الأفكار الوجودية وتثير حولها غبار الخيالات الجامحة. وفيها تلتقي الثقافات المتعددة من الفنون والشعر والموسيقى والمسرح وكذلك الفلسفة، والعلوم المختلفة. بحسب نيتشه يتصرف الفنان تجاه الواقع الرؤيوي؛ بينما الفيلسوف يتعامل مع الواقع الوجودي، وهما عالمان متوازيان ومهمان، لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر.

قطيعة الرواية المعرفية

في تصور مختلف ترى سوزان سونتاج، أن الرواية كانت الأقل قدرة على ملاحقة التطور العلمي والتكنولوجي. وهي مسألة واكبتها الفنون الأخرى، بينما تخلفت عنها الرواية.

هل لأن منبع الرواية، أي الحكاية، يمتد لجذور بدائية؟ لا أعتقد؛ فالفنون نشأت بتلك الصورة، لكن الحكاية لم تكن أدبًا أو فنًّا بذاته، فتسللت عبر أكثر من شكل. ففي الرسوم المكتشفة على جدران الكهوف كأول تجلٍّ لفن التصوير، كانت ربما تحاول سرد حكاية عبر أشكال مرسومة، وإن كانت غايتها تدوين واقع. لكن الحكاية نشأت ملتبسة ما بين الواقعي والخرافي.

وهو اللبس الذي وقع فيه دون كيخوته، معتبرًا أن كل ما تقوله حكايات الفرسان حقيقيًّا، ويا له من منعطف أحدثته الرواية. فأسست لسرد واقعي، تجسده شخصيات متصلة بالواقع، وليس تلك التي تشط في الخيال والخرافة، كما لو كانت قطيعة معرفية مع التصورات القروسطية التي خالت أن الكلمات حقائق لمعنى الأشياء، وليست رموز تعارف عليها الناس للتفاهم، ومثلتها في الأدب حكايات الفرسان الخيالية. وهي قطيعة توازت مع ما أحدثه جاليلو وديكارت من قطيعة أكثر منهجية. رغم أن الجاحظ أحاطنا قبل ذلك بقرون في "البيان والتبيين" إلى الكلمات كدلالات رمزية للمعنى، وليس المعنى في ذاته.

تحكي (أي تؤرخ) فكرة قديمة

قديمًا كانت الحكايات تؤخذ كوقائع حدثت بالفعل، فما تقوله ينبغي أن يكون حقيقيًّا، وعليه نشأت مفاهيم وتصورات وكائنات خرافية أو أسطورية، آمن بها الإنسان وصدق بوجودها. وولدت الميثولوجيا وفق هذا المفهوم، فدلالتها في اللغة الإغريقية ليست كما هي اليوم، إنما بوصفها سيرة دينية تتعلق بالآلهات المقيمة في جبل الأولمب، ومن الهرطقة الكفر بها. ومع طغيان مفاهيم دينية أخرى، أصبحت ذات دلالة أسطورية أو خرافية لا صلة بينها وبين الحقيقة، وهو ما أصبحت عليه دلالة الميثولوجيا في اللغات الحديثة، أو كما نصطلح عليه بـ"الأسطورة" في العربية.

تحمل الدراما اليونانية شكلًا من الحكاية، وفي المسرح التراجيدي اليوناني، كانت الحكاية الرئيسية مبنية أساسًا على حكايات من الميثولوجية، أو من التاريخ. أي إنها مبنية، بحسب المعتقد العام، على محاكاة لحوادث حقيقية. ويأتي دور الفنان، أو مؤلف التراجيديا، بصياغته كبنية درامية محكمة، تجسدها الحوارات، وبناءه للشخصيات، وبراعته اللغوية. اتبع شكسبير هذا المنحى باعتماده على التاريخ كمرجع لكثيرٍ من مسرحياته، أيضًا راسين استعاد تراجيديات ميثولوجية. وهكذا كان يمكن التفريق بين فن الدراما كأسلوب بطله المؤلف بشكل مستقل، وبين ما كان بنظرهم حقيقي.

ربما ذلك ما دفع ثربانتس إلى اختلاق مسوّدَة تاريخية، ناسبًا أحداث "دون كيخوته" لمخطوطة تعود لراوٍ عربيّ. الأرجح أنه أراد أن يضفي على عمله سمة أكثر واقعية أو قابلية للتصديق. وهنا تلعب المخطوطة دور الراوي المباشر الذي يستند لشهرزاد في "ألف ليلة وليلة". لكن وظيفة مؤلف الرواية أو الحكاية شهد تغيرًا جوهريًّا، خلافًا للمسرح الذي اتصل بالشعر.

اتبعت السّيَر الشعبية العربية في القرون الوسطى هذا الخلط بين التاريخي والخيالي، فالظاهر بيبرس شخصية حقيقية كما روت عنه كتب التاريخ؛ لكن سيرته الشعبية أضفت عليه تاريخًا خياليًّا، في تحوير للحقيقي، وجعلت شجرة الدر أمه، أي إن أدبَ الحكي تأسيسٌ لحرية اللعب على الواقع.

اتفق لأوروبا أن تتنافس جيوشها وعلومها وآدابها؛ بينما ما زال لدى العرب تصورات تزدري شكلًا من الفنون أو المعارف، لأنها وسيلة للقطيعة مع جانب نريد الحط منه في الهجاء من أجل تمجيد مدائحيّ لآخر، وكأن الفن والمعرفة عالمان متعارضان

ازدراء الرواية من منظور طبقي

في تلك الأزمنة، كان لا يزال السرد فنًّا تحط منه ثقافة النخب، وهو ما جعل ثربانتس يعاني دون أن يحظى برعاية نبيل إسباني، على خلاف الشعر. وازدهرت الرواية مع اتساع طبقة المتعلمين؛ لذا ارتفع شأنها في إنجلترا وفرنسا، بينما اضمحلت في أسبانيا. وما زال هناك صراع إنجليزي أوروبي حول أين وُلدت الرواية. فالإنجليز يعتبرونها ابتكارهم، بينما في أوروبا يعيدونها إلى رابليه وثربانتس.

تزامن ازدهار الرواية مع ظهور دور النشر، وارتباطها المباشر بتسلية القراء. لكنها فرضت وجودها كأدب رفيع، عبر عباقرة هذا الفن، مثل فيلدينغو ريتشاردسون. الأخير، أحدث فرقًا ليس فقط بابتكاره رواية الرسائل، إنما في جعل كلاريسا القادمة من طبقة متواضعة، تنتصر وتبلغ بفضائلها أعلى طبقات المجتمع حين تصبح زوجة نبيل إنجليزي، كان بمثابة انتصار للمرأة وطبقتها. لم يكن ذلك ممكنًا حدوثه في الواقع، لكن الرواية تفتتح الواقع بتخيلاتها وتصوره كحقيقة.

أدب الرسائل سنجده في رائعة فرنسية هي "علاقات خطرة"، لكنها تكشف الانحلال لدى طبقات المجتمع الفرنسي العالية. بينما تتغير العلاقة في رواية "عشيق الليدي تشاترلي" لديفيد هربرت لورانس. فانتصار الليدي تحدده نوع العلاقة بعشيقها؛ الفلاح، لقد اختارته كحبيب على حساب زوجها الأرستقراطي والثري. كانت هناك مسافة بين القرن الثامن عشر ومطلع القرن العشرين.

العملان الأخيران المذكوران، أثارا بعدًا إشكاليًّا، ضمن تصنيفات أخلاقية، مسألة تلتقي بها رواية "مدام بوفاري" للفرنسي فلوبير. موضوع الخيانة الزوجية تشترك فيه الأخيرة مع رواية لورانس، لكن الأخير كان متأثرًا برواية "آنا كارنينا". لم يكن المجون هو هدف الليدي تشاترلي وآنا كارنينا الرئيسي، مع هذا تلتقي الشخصيات بالضياع، وكان بمقدور الليدي أن تتخذ موقفًا أكثر قوة، من النهاية المأساوية لشخصيتي تولستوي وفولبير. لم تكن التسلية الهدف الرئيسي، إنما التصرف بالواقع الرؤيوي في موازاة مع الواقع الوجودي. تلك العلاقة المركبة تثير بُعد الرواية المعرفي، لكن بطريقتها. فموضوع التسلية يظل جزئيًّا، لا تتساوى فيه الروايات، في حبكة مشوقة بألغاز بوليسية أو بتكثيف عوالم تتعايش برمزية واقعية وَفق تصرفات وأساليب متعددة اشتقها مبدعوها على مدى قرون.

عندما شعر والدي أني شاب بلا طموح، مغرق باهتمامات فارغة -إذ كنت متوهجًا بالفضول، لكنه فضول مستلب بتفاهات- ذهب إلى مكتبته وقدم لي روايات. كان هدفه استعادتي لشغف القراءة، وبالتالي سأنتقل لقراءات أكثر جدية. لكن الرواية أنقذتني بشكل وجودي. بعد سنوات وجدت أن قراءة "الجبل السحري" لتوماس مان ليس أقل جدية من قراءة أرسطو وسبينوزا. ولا يمكن الحديث عن ابتكار الرواية كحدث أقل أهمية من اكتشافات جاليلو؛ ففي أوروبا تشكل العصر الذهبي جنبًا إلى جنب في العلم والفلسفة والفن، عبر توهجات امتدت من جاليلو مرورًا بنيوتن إلى انفجار القرن التاسع عشر. وهكذا كانت الرواية من "دون كيوخته" إلى "آنا كارنينا"، ومن توم جونز إلى شياطين ديستوفيسكي. ومن ديكارت إلى كانْت وشوبنهاور، وفي التصوير حدد دافنشي ومايكل أنجلو تجليات مونتفردي التي انبثقت من عصر جاليليو، وكان العصر الذهبي الممتد من باخ إلى هايدن وبيتهوفن، وتوهج الانفعال الرومانتيكي، وفي المقابل، بعث تيتان ورامبرانت وفيلاثكيث، اللون. وفي البندقية ابتكر جورجينيو التصوير بالألوان الزيتية والقماش، وافتتحت البندقية زخم الأوبرا المبكر. واتفق لأوروبا أن تتنافس جيوشها وعلومها وآدابها. بينما ما زال لدى العرب تصورات تزدري شكلًا من الفنون أو المعارف؛ لأنها وسيلة للقطيعة مع جانب نريد الحط منه في الهجاء من أجل تمجيد مدائحيّ لآخر، وكأن الفن والمعرفة عالمان متعارضان. إنها ثقافة الهجائيين والمدّاحين. وإذا كانت الرواية موضوعًا غايته الأساسية التسلية، فسأفضّل عليه مشاهدة مسلسل أو برنامج من برامج الترفيه المنزلي. فهل نعيش زمن احتضار الرواية، بسبب المتجهّمين الخارجين من دوغمائية البحث الأكاديمي؟


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English