مشروع ثقافي لعصرنة التراث اليمني

عن طريق الترويج وتطوير المهارات الفنية
أروى عبدالكريم
February 4, 2021

مشروع ثقافي لعصرنة التراث اليمني

عن طريق الترويج وتطوير المهارات الفنية
أروى عبدالكريم
February 4, 2021

التراث اليمني غنيّ جدًّا بكل أنواع الفنون التي تميزت عن غيرها من الحضارات، لكنه يتعرض لاندثار متواصل، ولم يبقَ منه في ذاكرتنا سوى ما يزال استخدامه حاليًّا، وشيئًا فشيئًا سننسى أغلب التراث حتى لا نكاد نتعرف عليه.

في هذا السياق، جاء مشروع مجداف ليستهدف إنتاج مزيج رائع للزمنين، ما بين الحاضر والماضي والحداثة والتراث، بأيادي شبابية مبدعة.

شيماء جمال المديرة التنفيذية لمؤسسة "بيسمنت" الثقافية، تتحدث لـ"خيوط"، عن هذا المشروع بالقول، إن "مجداف" يهدف لترويج التراث ورفع قدرات الفنانين والفنانات في إدارة وتطوير تسويق منتجاتهم، عن طريق ورشات في مجال الإدارة الثقافية لتعريفهم بالسوق الفني وتوظيف المهارات الفنية بما يساهم في زيادة الدخل وتحسين الاستقرار المالي.

ويهدف المشروع الذي تم تنفيذه بالشراكة بين اليونسكو والصندوق الاجتماعي للتنمية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، إلى رفع قدرات الفنانين في مجال الإدارة الثقافية، وترويج منتجاتهم الفنية، وتسليط الضوء على الفن المعاصر والتراث، بوصفهما عنصرين متوافقين يمكن ترويجهما.

تنمية المهارات الفنية

لا يجد الفنان اليمني الاهتمام الكافي في تنمية مهاراته الفنية، أو حتى مساحات مهيئة لاستعراضها، لذلك أتى مشروع مجداف ليصب اهتمامه ببناء قدرات الفنانين، من خلال تقديم دورات تدريبية على المواضيع المتعلقة بتطوير الأعمال الفنية والترويج لها، بمجموعة من ورشات العمل المصممة لهذا الغرض.

تلقى الفنانون الإرشادات الكافية حول إنتاج الأعمال الفنية بهدف البيع والتسويق وتطوير أعمالهم، والحصول على مصدر دخل جيد يساعدهم على الاستمرار في العطاء الفني.

تقول شيماء جمال، إن مشروع مجداف من الأفكار القديمة، التي ظلت مؤسسة "بيسمنت" تبحث عن فرصة لتنفيذها، نظرًا لحاجة الفنانين للتأهيل والتدريب وتطوير قدراتهم ومهاراتهم.

لطالما يجد الفنان اليمني مشكلة في الاعتماد على فنه كمصدر للدخل، وأغلب الفنانين الذين تحتك بهم المؤسسة -وفق حديث شيماء- يعتمدون على أعمال أخرى لا تتعلق بمجالهم الفني، لذا يجب أن يحصل الفنان على فرص لتطوير مشروعه الفني وتأهيله، من خلال التخطيط والبحث عن التمويل والترويج، وكذا الإنتاج والموازنة.

أنتج "مجداف" أعمالًا فنية لـ30 فنانًا يمنيًّا، تختلف في طرق عرضها مابين النحت والرسم والعزف، إذ اجتمعت في عصرنة التراث من خلال إبرازه بطُرق رائعة، ومنتجات فنية خرجت عن المألوف

في هذا الخصوص، تأتي مهمة المؤسسات الثقافية والمبادرات والفاعلين الثقافيين في مساعدة الفنانين على الاستمرار في المجال الفني، حتى ينتعش المشهد الثقافي ويزداد الإنتاج الفني في اليمن.

تواصل شيماء: "سيتمكن الفنانون من الاستفادة من مهاراتهم الفنية كمصدر للدخل، مما يشجع الاستدامة الاقتصادية والازدهار"، إضافة إلى تصميم الأعمال الفنية لاستعراض التراث الثقافي اليمني، من خلال أعمال فنية مختلفة، وتسليط الضوء على تنوع التراث، والجمال، والقيمة الثقافية لزيادة الوعي حول أهمية الحفاظ على التراث الثقافي في اليمن.  

التراث بطرق خلاقة

مرّ المشروع بعدة مراحل أولها تنفيذ دورة تدريبية في مجال إدارة وتصميم المشاريع الثقافية، ثم تنفيذ ورشة عمل فنية للفنانين لإنتاج أعمال فنية تعبر عن التراث اليمني، وتنظيم فعاليتين لاستعراض الأعمال الفنية، وأخيرًا إطلاق منصة إلكترونية لترويج الأعمال على نطاق واسع.

أنتج "مجداف" أعمالًا فنية لـ30 فنانًا يمنيًّا، تختلف في طرق عرضها مابين النحت والرسم والعزف، إذ اجتمعت في عصرنة التراث من خلال إبرازه بطُرق رائعة، ومنتجات فنية خرجت عن المألوف.

تشدد المديرة التنفيذية لمؤسسة "بيسمنت"، على تميز الأعمال الفنية المشاركة في مشروع "مجداف"، التي تعد بمثابة محاولة لعصرنة التراث اليمني وتقديمه بطريقة خلاقة ومختلفة.

يبدأ ذلك خلال فترة التدريبات وورش العمل التي تستهدف تشجيع الفنانين لإنتاج أعمال فنية، باستخدام خامات مختلفة وتكنيكات مبتكرة، ومحاولة الخوض في تجارب جديدة يتحدون فيها طاقاتهم وإبداعاتهم. تقول شيماء: "عندما أشاهد هذه الأعمال أجد فيها تنوعًا في استخدام الخامات بين "الكولاج"، والتلوين، والرسم، و"التخييط"، والنحت واستخدام الضوء، والويبتون، والرسم الرقمي.

استعراض المشاريع

وفي استعراضنا لأبرز مخرجات مشروع "مجداف"، نجد أعمالًا مميزة تعكس تنوعًا لافتًا في استخدام ودمج أكثر من خامة فنية في هذه الأعمال:

ـــ في البداية هناك مشروع "أباجورة الدُّبا المضيئة"، للفنانة أماني الأديمي، إذ تعتبر الدُبا من الأشياء التراثية التي ما زالت تُستخدم بكثرة في المناطق الريفية في تحويل حليب الأبقار لإنتاج "الحقين" (من منتجات الألبان) والسمن البلدي.

(أباجورة الدُبا المضيئة) عمل فني للفنانة أماني أحمد الأديمي

قدمت أماني "الدبا"، بشكل مختلف، حيث قامت بصنع قاعدة خشبية مثبت عليها غصن شجرة ومعلق بطرف الغصن "الدُبا" الشعبية، منحوتة بالحروف المسندية القديمة، وأضافت إضاءة لتعطي "الدُبا" شكلًا جماليًّا من الداخل.

ـــ مشروع "الستارة الرداعية"، عمل فني للمصور سلطان الشيباني، الذي قرر تسليط الضوء على جمالية "الستارة الرداعية"، وتصويرها فوق مجسم (غير بشري)، باستخدام الدبابيس لتشكيلها وإظهار أكبر جزء منها.

(الستارة الرداعية) عمل فني للمصور سلطان أحمدالشيباني.

يقول سلطان لـ"خيوط"، إن "الستارة الرداعية" إحدى أزهى وأقدم الرداءات القديمة التي ترتديها المرأة اليمنية، رغم أن الكثير من اليمنيين -كما يأسف سلطان- لا يعرفون سوى الستارة الصنعانية كرمز للتراث اليمني.

ـــ مشروع "أويس الألفية الثالثة"، عمل فني للفنانة التشكيلية جهاد يحيى جار الله، ويهدف للتأكيد على ضرورة العلاقة التكاملية ما بين التراث اليمني والفن المعاصر من أجل خلق بنية ثقافية يمنية أصيلة ومعاصرة.

(أويس الألفية الثالثة) عمل فني للفنانة التشكيلية جهاد يحيى جارالله

يتجسد العمل في شكل منحوتة تكعيبية مستلهمة من شواهد القبور الحميرية، وتحديدًا قبر لرجل يمني قديم يدعى أويس، مكونة من أربع قطع معدنية متباينة في الحجم مصنوعة من الأسلاك ومكسوة في أجزاء منها بطبقة من عجينة السيراميك.

ـــ مشروع "معد يكرب" للفنان جلال الشميري، يهدف من خلاله إلى إبراز التاريخ والثقافة اليمنية بشكل فني حديث، يلامس مفهوم المتلقي المعاصر، إذ قرر جلال عملَ مجسم للملك اليمني "ذمار بن علي" باستخدام أخشاب قديمة مستخدمة، وإعادة تدويرها من جديد وتركيبها بشكل جمالي يخدم فكرة ترويج التراث.

(معد يكرب) عمل فني للفنان جلال الشميري

ـــ "مشاديف" عمل فني للفنانة ميساء مطهر، التي عملت في هذا المشروع على رسم آلة "القنبوس" اليمنية على الزجاج، الذي يرمز إلى هشاشة التراث اليمني اللامادي وضرورة الاعتناء به بحرص، وبجوارها كلمات أغنية شعبية ريفية قديمة تسميها ميساء أغنية "المشاديف"، وهي أغنية غزل محتواها، كما تقول، مضحك ومسلٍّ.

(مشاديف) عمل فني للفنانة ميساء مطهر.

ـــ "الترشة" للفنان التشكيلي علي المعبري، وهو عمل فني تراثي، على شكل مستطيل خشبي مظفور عليه ترشة جلد طبيعي أخضر "شغل يد". وقام علي بتثبيت "مدقة حديدية" قديمة تراثية منقوشة في وسط اللوحة، بإطار مكون من حزام "كبسي" ذهبي قديم. يسعى علي من خلال هذا المشروع، الذي دفعه لمسك "المدقة" والنقر على اللوحة، إلى إشراك المتلقي في العمل الفني وإشباع فضوله.

(الترشة)عمل فني للفنان التشكيلي علي المعبري

ـــ مشروع "ممشوق القوام، وخطر غصن القنا" للفنان الموسيقي أمجد فقيرة، عبارة عن ستة موسيقيين قاموا بعزف أغنيتين "ممشوق القوام، وخطر غصن القنا" بأسلوب الروك والفلامنكو، وقدم أمجد فقيرة الأغنية بشكل مبسط، شرح فيه فلسفة العمل الفني والإضافات التي تم إضافتها للأغنية.

(ممشوقالقوام، وخطر غصن القنا) الفنان الموسيقي أمجد فقيرة

أعمال مدهشة

مثل هذه الأعمال الرائعة تثير دهشة المشاهد وإرواء ذائقة المتابع اليمني المتعطش لرؤية كل هذا الجمال، بعيدًا عن كل أخبار الحرب المحيطة به.

تؤكد شيماء جمال، أن عدد الحضور اللافت يوضح مدى اهتمام الجمهور اليمني بهذه الأعمال، والتعرف على تنوعها وتميزها. إضافة إلى استفادة الفنانين من التدريبات خصوصًا تلك التي تتعلق بالترويج. 

وعملت مؤسسة "بيسمنت" على الترويج لهذه الأعمال والمشاريع، والتي لاقت ردود أفعال إيجابية واسعة. ولن يتوقف الأمر هنا بل سيتم إطلاق منصة إلكترونية خاصة بالترويج لإعمال الفنانين على نطاق محلي وعالمي.

وتتطلع جمال، أن يستفيد الفنانون من التدريبات التي قدمت لهم وتنعكس إيجابيًا على حياتهم الفنية، من خلال إيجاد قنوات لترويج أعمالهم، وأن يستمر الفنانون في تسليط الضوء على التراث اليمني وتنوعه، واستخدام الأدوات المعاصرة والمبتكرة في ترويج التراث اليمني. فيما تأمل أن يكون "مجداف" بداية لمشاريع أخرى تهدف إلى تحسين وضع الفنانين في اليمن وتطوير مهاراتهم.


•••
أروى عبدالكريم

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English