البحث عن جذور رقصة يمنية

رقصات "الفنطسية" المشتقة من المفردة اليونانية "فنتازيا"
جمال حسن
July 30, 2021

البحث عن جذور رقصة يمنية

رقصات "الفنطسية" المشتقة من المفردة اليونانية "فنتازيا"
جمال حسن
July 30, 2021
Photo © : Najwa Adra

  بحسب ما تناولته في مقالي السابق حول رقصات "الفنطازيا" المعروفة في اليمن، كان في اعتقادي أنها انقرضت مع حكم الإمام يحيى. غير أن صديقاً لي أكد أنها رقصات ظلت معروفة خلال فترة حكم الأئمة، وكان اليمنيون يطلقون عليها "فَنْطَسِيّة"، وهو تحريف بلهجة دراجة لكلمة "فنطازيا" أو "فانتازيا". ترى كيف دخلت تلك الرقصات، واللفظ ذو الجذور اليونانية إلى اليمن ومتى؟

يقول صديقي إنه سمع أشخاصًا في قريته يتحدثون عنها، وتعتمد على مصاحبة المزمار. ولأن تحريم الإمام للموسيقى استثنى عازفي المزمار، استمرت تلك العروض، كونها ارتبطت بعمل تلك الفئات. فالمعروف أنها أكثر الفئات الموسيقية تحقيراً، فلفظة "زَمّار" دلالة تحقير مجتمعية في اليمن. وظل المزمار مقتصراً على المجتمع السفلي، دون أن يحظى بتقدير أو انجذاب الطبقات العُليا، على خلاف الآلة الرئيسية العود المحلي "القَنْبُوس" الذي انخرط بعض أفراد الطبقة العُليا لتعلّمه، أو لاحتضانه والعازفين عليه ضمن مجالسهم.

استعنت باليوتيوب للبحث عن رقصة الفنطسية، ولحسن حظي وجدت فيديو وحيد لرقصة يصاحبها المزمار في منطقة "وادي بَنا"- وسط اليمن.

دخلت كلمة فنطازيا إلى العربية من اليونانية، مع بداية ظهور الترجمات العربية لمؤلفات أرسطو والكتب اليونانية في القرون الوسطى. وأصل الكلمة اليونانية فانتازيا، ومعناه خيال، لكن مصدر الرقصة أو تسميتها، يثير تساؤلًا، هل جاء من مؤثرات عربية أو يونانية؟ والأرجح أن استخدام لفظ "فنطازيا" في الكتابات العربية القديمة لم يشر لرقصة اسمها "فنطازيا". وفي اليمن أصبحت بمثابة ملهاة صغيرة تقام في احتفالات عامة أو خاصة.

  هناك عدة احتمالات حول مصدر الرقصة وتسميتها، فربما تكون انتقلت بمفهومها الدرامي خلال القرون الوسطى، نتيجة مؤثرات عربية، أو في العهد الكلاسيكي المتأخر نتيجة تأثيرات يونانية ورومانية، وبحسب ما عثرنا عليه، مازالت هناك رقصة" فنطسية" تقدم في منطقة "وادي بنا"، يصاحبها المزمار، أقيمت في حفلة عرس حيث يقف شاب مرتديا عقد فل في رأس حلقة، تحيط ساحة رقص صغيرة، وهي منطقة قريبة من مركز الحكم الحميري.

والجلي أن الرقصة كما يبدو، اختفت هي وتسميتها من مناطق عديدة ومازالت معروفة هناك وربما في مناطق محدودة، ما لم يكن لها حضور في بعض رقصات المزمار المعروفة في صنعاء مثلًا. ففي كتاب عن الرقصات الشعبية اليمنية كتبه علي محمد المحمدي وياسمين الشلال، ليس هناك إشارة لرقصة الفنطسية، وللأسف لم يستعرض الكتاب رقصات بعض المحافظات مثل إب. وبالتالي لم يستحضر رقصة مازالت معروفة بمنطقة "السَّدّة" تعرف بـ"فنطسية"، لكني ذهبت لرقصة المزمار المعروفة بصنعاء، معتقدًا أنها ربما تكون على صلة بتلك الرقصات، ومع أني وجدتها بعيدة عن رقصة الفنطسية المعروفة في "السدة"، إلاّ أن ما لفت انتباهي، وجود تقارب بين الرقصتين باعتبارهما تعتمدان حركية وإيقاعية. فهما من أصعب الرقصات، لاعتمادهما على الخفة، كما أن الرقصتين يصاحبهما المزمار والإيقاعات، وتؤدّيان في مناسبات فرائحية كالزواج. 

وما لفت انتباهي في رقصة المزمار، وجود شكل من أشكال التزوّر، وهي حالة فردية تصيب عادةً شاب يمثل فئة تحضر دائمًا ساحات الرقص، ويجري الاعتقاد أن هذا الشاب يستوطنه "الزار"، بحسب الكتاب، وهو كائن شيطاني غير شرير، لكنه طروب ومنفعل بالموسيقى، ليطلق الشاب العنان لنفسه وتخلى الساحة له، ليرقص بأكثر الأشكال جنونًا، وتتخذ حركات رقصه ملامح عنف، بينما يتسارع الإيقاع مع تسارع رقصه المتّسم بالخفة والحركات الخطيرة، وربما البهلوانية، ولا تخمد حركته إلا بوقوعه مغميًّا. فيقوم الحاضرون بتشميمه العطر لإفاقته. 

  وفي ذلك محاكاة درامية واضحة، ربما على صلة بشعائر دينية يمنية قديمة، بما أن الراقص الذي تسكنه تلك الروح، قد يتمثل فيه إخماد روح شريرة، ما لم تكن ذات دلالات أخرى.

  والمحاكاة الدرامية، أو وجود مغزى أسطوري أو ديني أو غيره، ربما سمة لكثير من الرقصات، تم تجريدها من ذلك المغزى لتبقى حركة جسدية مجردة.

  والمؤكد أن فئات تخصصت بتلك الرقصات، فانتقلت من الطابع الديني الذي كانت تمارسه فتيات المعبد في طقوس سحرية، تحظى بمكانة لتصبح جزء من عمل الفئات المهمّشة والمحتقرة مع تغيّر المضمون الديني. وحقيقة لا نمتلك دلائل واسعة حول الشعائر الدينية ونظام المعابد في الحضارة اليمنية، لكن لا نستبعد وجود صلات مع حضارات تلك العصور، وكذلك مع بعض السمات البدائية.

هكذا اتخذ الرقص موروثًا تمارسه فرق متجولة، وساد فيها المزمار، ومن الممكن أن كثيرًا من الرقص غطى مواضيع عديدة، فهناك الحب والحرب والآلهة. ربما تمثل "البَرَع" رقصات الحرب، لكن مانزوني أشار للأغاني التي صاحبت عروض "الفنطسية" في منزل قائمقام ذمار، بأنها أغاني حب وحرب. وهناك كان الغرض من الرقص الحب الجسدي، بينما يختلف مضمونها في الساحات العامة.

الجلي أن تلك الرقصات ارتبطت بعهود قروسطية، ظلت سمة اليمن حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، والتي سمحت بدخول بعض ملامح الحضارة. ومع ظهور دور السينما وانتشار الراديو ثم التلفزيون، أصبحت "الفنطسية" شكلًا عتيقًا

وكما في الرقصة التي شاهدها مانزوني، هناك استخدام بسيط من المفردات، راقصة رئيسية تصرخ: "نحلة"، يتبعها ردّ الأخريات بصرخة دهشة: "أوووه نحلة". ليبدأ الموضوع الدرامي للرقصة، فهل كانت هناك مضامين أخرى يتخلل فيها الرقصات بعض الكلام؟

ما يجب التنويه له، أن تلك الرقصات لم تكن مقتصرة على حفلات سرّية خليعة، بل على العكس كانت تقام في ساحات القرى والمدن، على مرأى الناس. كما أن مانزوني تحدث عنها باعتبارها عروض لتمثيليات موسيقية راقصة معروفة في اليمن، ووصف إحدى الرقصات التي شاهدها وكانت ذات مضمون خليع. فهناك العديد من تلك العروض تقام في ساحات القرى والمدن، وذات طابع مختلف في مضمونها، وربما بعضها كان يقام مجردًا من مضمونه الدرامي.

  وعادة ما تقام في مناسبات فرائحية كالزواج والأعياد، أو أي مناسبات أخرى. ويبدو أن المتجولين يعتمدون في تلك الحالة على تحصيل أجورهم موزعة بين جمهور الحاضرين، أو ما يمنحه صاحب الحفلة.

  وهكذا اتخذت مفردة "فنطسية" دلالة في الاستخدام اليومي والعام لتعني حفلة مرح أو عرض، تم توظيفه كإشارة بأن واقعة سياسية كبيرة ستحدث في الغد، لكن تلك المفردة انقرضت من الاستخدام اليومي مع انكماش تلك الرقصات واختفاء مضامينها الدرامية.

  والجلي أن تلك الرقصات ارتبطت بعهود قروسطية، ظلت سمة اليمن حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، والتي سمحت بدخول بعض ملامح الحضارة. ومع ظهور دور السينما وانتشار الراديو ثم التلفزيون، أصبحت "الفنطسية" شكلًا عتيقًا، وعرف اليمنيون رقصات شرقية وهندية وأجنبية.

  ولعل بعض ما احتوته الأوبريتات اليمنية من رقصات شعبية، يعود لرقصة "الفنطسية". ولا يخفى وجود جذور درامية بسبب مقطع الفيديو المتاح لتلك الرقصة، فهناك ما يشبه المحاكاة، وإيماءات حوارية بين الراقصين؛ شكل من التفاعل، توقعه حركة الأقدام، الدوران والجلوس، ورفع الأيدي، وهناك تعابير متجاوبة، مع أنها طابع عام للرقصات جوهره إيجاد تفاعل مستمر بين الراقصين لا يقتصر على الأداء النمطي.

  والحديث عن مصدر تلك الرقصة يبدو ملتبسًا، لكن دعونا نبحث في مؤثرات ممكنة منذ القدم. فالمعروف، أن مؤثرات يونانية واضحة ظهرت في اليمن، وبصورة خاصة خلال العهد الحميري. وكثير من التماثيل التي تم اكتشافها في تلك الفترة، تم نحتها بالأسلوب اليوناني، كما أن تمثال الملك ذمار علي، وابنه ثاران، صنعه نحات يوناني، ووجدت عليه حروف يونانية. 

  وفي تمثال سيدة شابة، نراها ترتدي ملابس يونانية، بل إن أحد ملوك "أوسان" قبل ذلك بقرون، يتم تصويره في تمثال مرتديا ملابس يونانية. ولا ننسى الهيمنة البيزنطية على اليمن خلال الاحتلال الحبشي، لكن هذا لا يعني أن الرقصات الدرامية ومفردة "فنطسية" تعود إلى تلك الفترة البعيدة.

  حاولت أيضًا البحث عن وجود رقصات عربية، تسمى "فانتازيا"، ووجدت رقصة بهذا الاسم في بلدان المغرب العربي. وموضوعها العام لا صلة له برقيات الفرنسية اليمنية، إذ تحاكي هجوم فرسان في معركة، ويؤديها الراقصون راكبين على الخيول وحاملين البنادق بملابسهم التقليدية. غير أن تلك الرقصة عرفت بالفانتازيا لاحقا، إذ كانت تعرف باسم "الباردية"، ويبدو أن الأوروبيين هم من أطلقوا عليها "فانتازيا" في القرن التاسع عشر، أو بحسب لوحة الفنان الفرنسي دولاكروا "فانتازيا مغربية" التي صورت تلك الرقصة.

  أي أن كل رقصة ذات طابع درامي، تسمى "فانتازيا"، ولا نعرف إن شاع لدى اليونانيين القدماء هذا المصطلح لهذا النوع من الرقصات، أو أنه مسمى غربي. ما يعني أنه ربما في اليمن أيضًا، شاعت التسمية بعد ظهور الرقصة بزمن طويل، لتصبح "فنطسية"، وربما كانت رقصة "الفنطسية" اليمنية أقدم مما نتصوره.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English