" لغلغي في صنعاء" و"حافة إسحاق" في تعز

عبد الرحمن بجاش وتطويع اليومي لصالح الحكاية
زيد الفقيه
October 19, 2023

" لغلغي في صنعاء" و"حافة إسحاق" في تعز

عبد الرحمن بجاش وتطويع اليومي لصالح الحكاية
زيد الفقيه
October 19, 2023

يتفرّد عبدالرحمن بجاش بأسلوب كتابيّ خاص، يعتمد على توظيف الملفوظات الشعبية وتحريكها في مدار النص، وهذا الأسلوب ليس تصنّعًا، لكنه سجيةٌ تشرَّبها في حياته اليومية وأنتجها للقارئ بقوالب حكائية مميزة.

في كتابه (حافة إسحاق) مثلًا يستخدم ألفاظًا شعبية كانت هي الشائعة في وقتها، من هذه الكلمات: كلمة "الخشبة"، وهي ما تسمى بالنقطة اليوم، وكلمة "الدامار" وهي تعني الأسفلت اليوم، وغيرها الكثير الكثير من الألفاظ الشعبية التي تطرِّز الحيز السردي في حافة إسحاق، وقد صنع بأسلوبه الرشيق صورةً ذهنية لدى المتلقي، ومن الأساليب الفريدة في كتاباته عرض الأحداث بأسلوب فكاهي ساخر، من هذه الأساليب قوله: "ذهبتُ أقارن بعد أن أجلسني على الكرسي الأبيض المهيب كأنه كرسي ملك كما خُيِّل إليّ، فلم أكن قد جلست على كرسي مثله، اللهم إلَّا دكة عمتي"، إلى أن يقول: "صورتي بدت كبيرة في مرآة الحلاق ولأول مرة أرى عبدالرحمن قاسم بجاش بشحمه ولحمه وبقايا الجدري على وجهه". 

كيف لي أن أصف هذا الأسلوب الجميل، وقد ساق إليَّ هذا المشهد السينمائي بأسلوب متفرد وبفكاهة احترافية تدفعك أن تقبِّلَ بقايا حبات الجدري على وجهه حبة حبة.

ولم يقف إدهاش الكتابة عند بجاش عند هذا الحد، بل في كل صفحة وكل سطر وكل كلمة يُشعرك بالدهشة، هذه الدهشة تكمن في أسلوب تقديمه للمعلومة، في صنع لغة مشاهد الحكاية، في اختيار المفردة، حتى في الحوار يجعلك مشاركًا فيه وكأنك أحد طرفيه، ففي حواره مع ابن محمد راجح ذلك الفتى المشاغب في حافة إسحاق يقول: "بعد سنواتٍ لمحته في شارع علي عبدالمغني بصنعاء، فتعمَّدت أن أقف بجانبه، دار بيننا حوارٌ قسري:

- كيف حالك؟ 

نظر إليَّ مليًّا، وتلفَّت حوله، قال: 

- هل تقصدني؟ 

- قُلتُ: المظلوم لا ينسى.

باندهاش واستغراب: 

- من تكلم؟ وأيش من مظلوم؟

قلت: 

  • أنت ابن مُحمَّد راجح؟

انفرجت أساريره بعض الشيء:

 - نعم. 

- ألا تذكرني؟ 

- لا، والله، من أنت؟ 

- أنا فُلان، كُنَّا في حافة إسحاق، نسيتني؟ كيف ذا الحين أفعل بك؟

دمعت عيناه، ونزلت أنا لنحتضن بعضنا، ويعتذر كثيرًا:

- كُنَّا جُهَّال، وأرجوك سامحني.

ضحكتُ:

- أبدًا والله، أحببت -فقط- أن أستفز ذاكرتك، أمَّا ما كان يحدث، فيتكرّر في كُلِّ زمان ومكان. 

رجاني كثيرًا أن أطلب منه أي خدمة، قبَّلته على رأسه ومضيت".   

أي روح شفافة هذه التي يحملها؟ هل نستطيع أن نبذر منها فتنبتُ أجيالًا متسامحة بعيدة عن الأحقاد والانتقام؟ هنا ما يستحق أن يُدْرسَ اجتماعيًّا لدى علماء الاجتماع، بدءًا من الغوص في الحياة الاجتماعية، وانتهاءً بالتسامح والروح الشفافة.

إنه يرسم صورةً بالغة الجمال من خلال أسلوب الكتابة الناعمة واللغة الشعبية الشفافة القريبة من وعي القارئ.

وعلى مثل ذلك جاء كتابه "لغلغي في صنعاء"، فمن أول سطر فيه تجد ذات الروعة في الأسلوب واللغة والسرد، فقد احتفى به قبلنا يحيى حسين العرشي، من خلال المقدمة الفائضة التي دبَّجها عن الكتاب وصاحبه.

حين يتحدث عن الشوارع يصفها بدقة شديدة إلى درجة أنك تشعرُ أنه يرصدُ أنفاسها، وهذا الرصد لا يجيده إلا بعض الروائيين المجربين، ولا يتوقف عند وصف الشارع وما احتواه من معالمَ ومبانٍ، لكنه يتحدث عن الأشخاص المقيمين فيه وأدوارهم.

إن الغوص في شرايين الكتابة البجّاشية تحتاج إلى ثقافة شعبية واسعة وانتماءٍ قروي أصيل، أقول ذلك وأنا أتكئ على رؤية الأستاذ عبدالله البردوني الذي يرى أن "فن المزارع والشعاب أسخى ينابيع الثقافة وأهم مبرراتها"، وبجاش قد خط في كتابه (لُغلُغي في صنعاء) بنفس اللغة المدهشة التي كانت في حافة إسحاق، فقد تحدث عن صنعاء بتفاصيل دقيقة أحسن من أن يتحدث عنها ابن صنعاء نفسه، تحدث عن نفسه بحقائق خالية من الرتوش، وعلى سبيل المثال يتحدث في ص105 عن الجاكت النسائي الذي اشتراه من السوداني الذي كان يستورد الملابس بالبَنْدة وبأثمانٍ رخيصة، وكان بجاش لا يعلم أن الجاكت الذي اشتراه نسائيّ، لكنه أراد أن "يهنجم" أمام زملائه بذلك الجاكت حتى عرف أنه نسائي وأن زميله صالح الذاري الذي شاركه البحث في بندة الملابس لم ينبهه إلى ذلك، وأراد أن يعمل له مقلبًا أمام زملائه في سينما بلقيس، خاصة حين قال مخاطبًا بجاش: "قسمًا إن شكلك الليلة مثل الممرضات حق مستشفى الثورة"، صمت بجاش حتى أُطفئت أنوار السينما، وخلعه ورماه على وجه صالح الذاري، لكن ما أريد أن أصل إليه ليس الحادثة نفسها، بل الشاهد هنا هو أسلوب عرض هذه الطرفة أو الحادثة أو المقلب سَمِّهُ ما شئت، لقد عرض الحدث بأسلوبه الجميل ولغته العذبة، فيها من الظرافة والتندُّر ما يجعل القارئ منتشيًا أثناء قراءته.

حين يتحدث عن الشوارع يصفها بدقة شديدة إلى درجة أنك تشعرُ أنه يرصدُ أنفاسها، وهذا الرصد لا يجيده إلا بعض الروائيين المجربين، ولا يتوقف عند وصف الشارع وما احتواه من معالمَ ومبانٍ، لكنه يتحدث عن الأشخاص المقيمين فيه وأدوارهم مثل العمة "فراصة" والعم "علي مانع" -وهو الذي نصح الإمام بعدم قصف المدرسة الأحمدية بتعز أيام مظاهرة الطلبة- ذلك أثناء حديثه عن شارع القصر الجنوبي المارّ بجوار السفارة الصينية إلى المستشفى الجمهوري في الصفحات (59-61).

بجاش حكواتي من الطراز الرفيع، يجعلك تسابق أنفاسك وأنت تقرأ له وفي ذهنك سؤالٌ ملحّ ماذا بعد؟ وعلى سبيل المثال في الصفحات (147 و148)، يتحدث عن شهادة حسن سيرة وسلوك لإحدى قريباته وعن معرفته بغالب القمش، وأنت تتساءل ماذا بعد؟ يصدمك بمهيوب السيد أمهر نجار من عدن إلى صنعاء واكتشافه بالمصادفة لعمته شقيقة والده عن طريق حضورها مع ابنيها إلى ورشته، أحداث متداخلة ومتشابكة، يُمْتِع قارئها إلى حدٍّ بعيد.

ساحرٌ ممتع، أقول لكم لماذا ساحرٌ؛ تتبع معي حكاية (محمد وهاس) وأمه (تاج) وإيجار خاله الذي استلمه ثم أعاده سلفة "للغالغة"، يقول:

"ذات ليلة، طلب إليه خاله: 

  • يا محمد سير خذ الإيجار من اللغالغة. 
  • ما هم اللغالغة يا خال؟!

ضحك الخال: 

  • المستأجرين في بيت السائلة.                 

 ذهب، وجد الباب مفتوحًا، دلف إلى الداخل: 

  • مسّاكم الله بالخير. 
  • مساء النور.
  • أين منكم اللغالغة؟

جاوبه صوت أحدهم: 

-كلنا.

تداخل الصوت بضحكة آخر. وقف طه: 

  • أيش تشتي؟ 
  • الإيجار. 
  • طيب، ومالك ما طرقت الباب قبل أن تدخل؟!
  • وانْتو غلقوا بابكم. ما احد يخلّي بابه مفتوح في الليل. ذا الحين هاتوا الإيجار حق خالي. هيذي الحوالة. أكون كل شهر أستلم أنا. 

كبيرهم هناك صاح من وسط "الحدرة":

- أعطي له يا طه.

كان طه سكرتير الشلة والبيت.

  • أيش اسمك؟ 
  • الوهاس. 
  • اعمل استلام.
  • ما بين اكتبش. 
  • كان ابصُم. 

استلم مبلغ الإيجار 7000 ريال وهمَّ بالخروج، لاحظ أنّ كل واحد في الجلسة أمامه كأس صغير محتواه أبيض. 

  • ما هو هذا؟ (سأل).
  • اجلس.

قال طه: 

  • اتفضل اتعشى معانا.

جلس. أكل. ابتدره "البرح": 

  • اشرب من هذا. (ومدّ له بالكأس). 
  • ناهي، ما هو هذا؟! 
  • اشرب وما لكش دعوة.

تناول الكأس وشربه دفعة واحدة. أكل قليلًا. أشار باتجاه الكأس الثاني، تناوله وشرب. 

بعد منتصف الليل، قال طه لرئيس الجلسة: 

  • كملنا. 
  • روح إلى عند سيدة. 
  • ما فيش فلوس. 
  • اتسلف من ابن عمنا هذا الطيب! قلت أيش اسمك؟ 
  • قلنا: الوهاس. ما تشتوا؟ 
  • أقرضنا من الفلوس حق الإيجار. 
  • من عيني، يا أحسن ناس. 

أدخل يده في جيبه وناول طه الذي خرج مسرعًا كالريح، وعاد بما تيسر، لتتواصل السهرة وصاحبنا وسطها يضحك بصوت مسموع. 

شعشع غبش السحر وقد اقترضوا منه الإيجار كله!

•••
زيد الفقيه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English