متحف سُقطرى اليتيم

موروث الجزيرة في غرفة واحدة بقرية نائية
أحمد الرميلي
December 28, 2023

متحف سُقطرى اليتيم

موروث الجزيرة في غرفة واحدة بقرية نائية
أحمد الرميلي
December 28, 2023
.

في قرية رقلة بمنطقة حالة، توجد غرفة واحدة أنشئت لتكون متحفًا يحتوي على جزء من تراث جزيرة سقطرى وماضيها العريق. وقرية رقلة هي منطقة ساحلية صغيرة تبعد عن العاصمة حديبو بحوالي (45) كم شرقًا. المتحف أنشأه الراحل أحمد بن سعد بن خميس تحكي، في عام 1991، بُعيد عودته من سلطنة عمان التي استقرّ فيها طويلًا، وتحكي من مواليد ونشأة منطقة (حومهل) القريبة من رقلة، وكان مهتمًّا كثيرًا بموروث الجزيرة المتنوع. المتحف عبارة عن غرفة مستطيلة مساحتها حوالي (9×5) أمتار، وأمام الغرفة سور له باب، وزُرعت فيه بعض الأشجار السقطرية. ويحرس المتحف حاليًّا شقيق الرجل الذي أنشأ المتحف من باب الحفاظ على مشروع العائلة الثقافي.

مجسم الأثافي وعليها قدور الطبخ القطرية القديمة

يحتوي المتحف على العديد من المقتنيات والأشكال التوضيحية المتصلة بالموروث السقطري المتنوع، فتجد فيه ما يتصل بتراث البحر وأدواته، من القارب التقليدي (هوري)، والحِبال والأدوات التي تستخدم أثناء الصيد، والمجاذيف التي يتحرك بها القارب، والشراع، وغيرها.

كما تجد في المتحف الأدوات المصنوعة من الفخار، كالقدور والمجامر وأدوات الطباخة وأواني الشرب، وأواني حفظ الحليب والسمن، وغيرها.

ويحتوي كذلك على الأدوات المصنوعة من الجلود بمختلف استخداماتها؛ فمنها ما يستخدم للافتراش، ومنها ما يستخدم لحفظ الأدوات (مطدها)، ومنها ما يستخدم لطلوع النخيل (حبهل)، ومنها ما يستخدم لحفظ التمور واللبان، وغيرها.

كما أنّه يحتوي على الأشياء التي تُصنَع من سعف النخيل باستخداماتها المختلفة، كالحصير وأدوات حفظ الحبوب وتمر النخيل. وكذلك الأشياء التي تصنع من جريد النخل، مثل الأبواب والمعالق التي عليها القدور والأواني والملابس، وغيره.

ويحتوي كذلك على لباس المرأة قديمًا، وأدوات الزينة المصنوعة من الفضة، التي كانت تستخدم للأذان والأيدي والأرجل، والحزام الذي يُربط به الثوب في الخاصرة (سلسلة)، وأدوات التجمُّل.

وتجد كذلك العملات القديمة التي كانت تُتداوَل في سقطرى، كالتي تعرف بـ(القروش والرُّبِّية).

يحتوي أيضًا على مخطوطات المصحف الشريف التي كتبها السقطريّون قديمًا، يعود بعضها إلى القرن الحادي عشر الهجري.

كما تجد فيه صورًا قديمة، تم جمعها من النت ومن بعض المهتمين، وتم عرضها في المتحف، منها صور لبعض السلاطين، وصور أخرى تعطي فكرة عن ماضي الجزيرة وإرثها.

مجسم للخشب (اللوح) الذي كانت تتم الكتابة عليه والقراءة منه قديمًا

ومن المعروضات أيضًا؛ الأدوات التي كانت تستخدم في الطبول والإيقاعات المساندة، وأدوات تستخدم في الحدادة، وأدوات تستخدم في الحجامة والمصنوعة من قرون البقر. وتجد الحبال المصنوعة من أشياء مختلفة، بعضها من الصوف، وبعضها من سعف النخيل. وتجد فيه الأداة التي كانت تستخدم في طحن الحبوب قديمًا، والتي تعرف بـ(رحا). وفيه أيضًا الصندوق الذي كانت المرأة تستخدمه لوضع الملابس والأدوات الخاصة، الذي يعرف محليًّا بـ(سسم)، وهو صندوق يتم استيراده من خارج الجزيرة، وفي الغالب من الهند وبعض دول شرق آسيا.

الجميل في المتحف أنّه يحتوي على مجسمات وأشكال تعطي الزائر انطباعًا وصورة واضحة عن ذلك الموروث، وتوصل له الفكرة بشكلٍ أدقّ وأعمق، ومن تلك المجسمات:

مجسم المرأة وعليها الثوب القديم، وأدوات الزينة على الأذان والأصابع والأرجل والأيدي والخاصرة والحلق.

مجسم للمعمل المستخدم في غزل الصوف السقطري بكل أدواته التي يعتمد عليها الغزل. 

مجسم للقارب القديم (هوري)، وعليها المجاذيف والأدوات المستخدمة في الاصطياد.

مجسم للأدوات التي توضع على ظهر البعير، والتي تعرف بالسقطرية: (مقاطف، زمال، مرادف، مشدة، محاتل، ...).

مجسم الأثافي وعليها قدور الطبخ القطرية القديمة.

مجسم لِـ(هندول) الطفل.

مجسم لصغير البقر تم تحنيطه، وهو يتناول اللبن من القربة.

مجسم النخلة وعليها الأدوات التي تستخدم فيها. 

مجسم للخشب (اللوح) الذي كانت تتم الكتابة عليه والقراءة منه قديمًا.

ومن الأشياء المهمة في المعرض، وجود بعض اللوائح التعريفية التي تحوي بعض المعلومات عن الأشياء الموجودة داخل المتحف.

المتحف يحتاج إلى خبراء ومتخصصين، يضعون كل شيء في مكانه الصحيح وبشكل ممنهج، وإلى تقنيات ووسائل تحافظ على المقتنيات والأشكال التوضيحية، ووضع المعروضات داخل رفوف زجاجية خاصة.

ومن خلال الجلوس مع حارس المتحف، حسن سعد خميس تحكي -شقيق مؤسس المتحف- تبيّنَ أنّه لا يتقاضى مرتبًا مقابل الحفاظ على المتحف، لا من الجهات المختصة ولا من غيرها، كما أفاد أنّ المتحف تعرّض للإهمال وعدم التفاعل مع رسالته التوثيقية والثقافية من الجهات المعنية في السلطة المحلية أو وزارة الثقافة، وأن حركة زيارة المتحف ضعيفة للغاية. ودعا (تحكي) الجهات المختصة والمنظمات الداعمة لدعم المتحف وتوسيعه، وتوظيف عاملين فيه من أبناء المنطقة، بعد تأهيلهم من أجل للحفاظ على ديمومته. 

مجسم للمعمل المستخدم في غزل الصوف السقطري بكل أدواته التي يعتمد عليها الغزل

الحديث عن هذا المتحف لا ينتهي وذو شجون كما يقال، فهناك ما يفرح القلب، وهناك ما يُحزنهن؛ فأما الذي يبهج القلب فهو أنّ هذا المتحف يعكس بشكلٍ واضح ماضي سقطرى وتاريخها، كما أنّه المكان الوحيد الذي تُشاهَد فيه صنوف متنوعة من التراث السقطري التي لم تعد تُشاهَد في الحياة اليومية اليوم، ومن المفرح أيضًا أنه يوجد من أهل القرية من يكافح ويبدل جهودًا ذاتية ليبقى المتحف بصورة أفضل، وفاتحًا بابه لمن يرغب زيارته في أي وقت وبدون مقابل. 

والذي يحزن هو الإهمال الشديد من الجهات الرسمية والمنظمات ذات العلاقة، وعدم الالتفات إلى المتحف ورسالته بشيء يُذكر. كما أنّ محتويات المتحف ومقتنياته وُضعت بشكل عشوائي وغير منظم، وكل المقتنيات عرضة للمس باليد، وقابلة للنقل هنا وهناك، وهذا مدعاة لتعرض الكثير منها للتلف. 

مجسم المرأة وعليها الثوب القديم، وأدوات الزينة على الأذان والأصابع والأرجل والأيدي والخاصرة والحلق

موضوع المتحف يحتاج إلى خبراء ومتخصصين يضعون كل شيء في مكانه الصحيح وبشكل ممنهج، وإلى تقنيات ووسائل تحافظ على المقتنيات والأشكال التوضيحية، ووضع المعروضات داخل رفوف زجاجية خاصة. كما أنّ الكثير من المعروضات تحتاج إلى لوحات إرشادية واضحة ومفصلة ودقيقة حتى يتسنى للزائر معرفة كل شيء عن مكوناتها ووظائفها، كما أنّ المتحف يحتاج إلى توسيع باستحداث قاعات عرض وتصنيف الأشياء الموجودة، كلٌّ في جناح مستقل. كما أنّه من المؤسف وجود المتحف في قرية نائية وبعيدة عن عاصمة الجزيرة "حديبو". ولو أنه موجود في حديبو لَكانَ الاهتمام به أكبر، ولَكَثُرَ عددُ زوّاره، واستفاد منه الكثير، ولَنُظِّمَت إليه زيارات بحثية وإرشادية من قبل طلاب الجامعة والمدارس.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English