فحمان أبين يلهب الحناجر المتعطشة للحياة

النادي المتوج ببطولة الدوري اليمني بعد سنوات التوقف
عبد اللطيف سالمين
November 25, 2021

فحمان أبين يلهب الحناجر المتعطشة للحياة

النادي المتوج ببطولة الدوري اليمني بعد سنوات التوقف
عبد اللطيف سالمين
November 25, 2021

دموع الفرح الممزوجة بهتافات الحناجر المتعطشة للمتعة الكروية، طغت على العرس الكروي الذي احتضنه الملعب الأولمبي في محافظة سيئون في حضرموت، بعد فوز نادي فحمان أبين بلقب بطولة الدوري اليمني الممتاز على حساب نظيره نادي وحدة صنعاء بضربات الترجيح 2/4 بعد أن انتهت المباراة في وقتها الأصلي بالتعادل السلبي.

أجواء فرائحية عاشها المواطنون رفقة بعثة النادي الذي وصل إلى مقره وسط المدينة، للاحتفاء رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتهاوي الخدمات.

وبحفاوة بالغة، استقبل المئات من أبناء مديرية مودية بمحافظة أبين، بعثةَ نادي فحمان، القادم من مدينة سيئون بوادي حضرموت، حاملًا درع الدوري اليمني الممتاز لكرة القدم 2021، الذي تم استئنافه مجددًا في منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد توقف دام 6 سنوات بسبب الحرب الدائرة في اليمن منذ العام 2015، بمشاركة 14 ناديًا، خاضوا منافسات البطولة بنظام التجمع بعد أن تم تقسيمهم إلى مجموعتين تضم كل مجموعة 7 أندية.

الرياضة ترفض المستحيل

لم يكن يخطر على بال أحد أن هؤلاء اللاعبين الذين يمارسون تدريباتهم خلف جدار يحيط بملعب ترابي، تنتظرهم معجزة ستظل خالدة في أذهان الرياضة اليمنية للأبد.


المستحيل ليس في كرة القدم الأبْيَنية، هذا ما سطرته أقدام اللاعبين في البطولة التي تقدموا لها بخزينة فارغة، خالية على عروشها، ولاعبون معظمهم فقراء، معدمون، ورغم كونهم دخلوا البطولة بأقل الحظوظ وعدم اعتبارهم مرشحًا حقيقيًّا، أمام أندية تزخر بالتاريخ والألقاب والأسماء، إلا أنهم وقفوا الند بالند أمام كل من قابلهم، ورموا خلفهم كل الترشيحات التي كانت بعيدة عنهم تمامًا حتى لتجاوز الدور الأول، فضلًا عن النهائي، ليتحدى أبناء المدرب محمد البعداني كل الصعاب ويسقطوا كل الكبار واحدًا تلو الآخر ويظفروا بالبطولة، ويكتبوا من قصة معاناتهم دروسًا في الإصرار والتحدي ومواجهة الصعاب، قصة ستلهم الكثير في الحاضر والمستقبل.

يُجمع متابعون ورياضيون وإعلاميون أن نادي فحمان بقيادة مدربه محمد حسن البعداني ولاعبيه، صعق الجميع، وأذهل المتابعين، ووصل إلى النهائي بدراما مميزة.

الحصان الأسود

إجماع كبير في الشارع اليمني الرياضي باعتبار تتويج نادي فحمان -"الحصان الأسود" كما أطلقت عليه الجماهير- إنجازًا تاريخيًّا للكرة الأَبْيَنية، ينصف مدينة زاخرة بالمواهب والتي لطالما عانت من التهميش والإهمال بالمقارنة مع الأندية في بقية المحافظات اليمنية.

إنجاز مهم سيخلد في ذاكرة عشاق الكرة اليمنية وسيتحدث عنه الكثير بلا توقف، بحسب رأي الجماهير، كونه أضفى نكهة للبطولة التي عادت بعد توقف دام ست سنوات، لتسد جوع ونهم الشارع الرياضي في البلاد.

في حديث حصري، صرح لـ"خيوط"، الإعلامي اليمني الشهير في قنوات الكأس الرياضية القطرية ناصر الحربي، معتبرًا أن الحديث عن تتويج فحمان بطلًا لدوري الدرجة الأولى اليمني، لأول مرة في تاريخه وتاريخ أندية أبين والكرة اليمنية بقيادة مدربه القدير المُحنك محمد حسن البعداني، أشبه بالإعجاز في ظل الظروف التي يعيشها فحمان، وكذا الظروف الخاصة التي يمر بها الوطن بشكل عام جراء تداعيات حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد.

وأضاف أن فحمان جاء من الخلف دون أن يرشحه أحد للفوز، ليقتحم ميدان السباق ويسبق الجميع ويصل إلى المقدمة بكل جدارة وبأقل كلفة وعدة وعتاد، إذ إن يوم الأربعاء 17 نوفمبر 2021، هو يوم تاريخي لنادي فحمان ممثل محافظة أبين في بطولة الدوري، وانتصار رياضي متفرد غير مسبوق، أكد من خلاله هذا النادي الريفي أنه يملك من القدرات والإمكانات ما لا تملكه أندية المدن الكبيرة، وأن هذه المحافظة القادم منها، تظل على الدوام ولَّادة للمواهب والنجوم الرياضية المميزة.

واستنكر الحربي حديث بعض المشجعين الذين قللوا من أهمية الإنجاز تحت ذريعة تغير نظام البطولة بسبب ظروف البلاد قائلًا: "إن الأصوات التي تقلل من أهمية الإنجاز تحت أي مبرر كان، هدفُها -عبثًا- التشويشُ على حجم الإنجاز الكبير، وتغير نظام الدوري لا يقلل من أهمية ما حققه فحمان ونجومه ومدربه، الذين قالوا كلمتهم بقوة وسجلوا انتصارًا وإنجازًا تاريخيًّا سيظل خالدًا في تاريخ الكرة اليمنية".

من جهته، يعبر الصحفي الرياضي محسن فضل، في حديثه لـ"خيوط"، عن سعادته البالغة بهذا الإنجاز، والجهود المبذولة لإبرازه على كافة المستويات الإعلامية.

وقال فضل: "قدمنا كإعلاميين كل ما بوسعنا لتغطية الدوري اليمني لجميع الأندية التي كانت حاضرة ما بين سيئون وشبوة في مختلف مراحل البطولة حتى انتهائها بتتويج إعجازي لنادي فحمان بدرع الدوري".

دراما مميزة

يُجمع متابعون ورياضيون وإعلاميون أن نادي فحمان بقيادة مدربه محمد حسن البعداني ولاعبيه صعق الجميع، وأذهل المتابعين، ووصل إلى النهائي بدراما مميزة لا يجيد كتابتها إلا هذا الرجل النحيل صاحب (الجرينتا) التي تقودك إلى شيء من الخيال، وبجانبه المتعة والروح والصراع المتجذر في فلسفة هذا المدرب.

ويرى الصحفي الرياضي سمير القاسمي، أنه لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل أن يأتي فريق مغمور من أبين غير نادي المحافظة المعروف نادي حسان، وينافس على لقب الدوري اليمني، لعدة أسباب؛ منها المال الذي يعيق أندية هذه المحافظة الخصبة باللاعبين الموهوبين.

واستطرد بالقول: "إن المدرب البعداني حقق حلم الكادحين المنتظرين لأدوارهم في خارطة كرة القدم، حقق حلم كل مدرب لم يجد فرصة مع فِرَق ذات جماهيرية وتاريخ، وحلم جماهير كرة القدم التي تعشق اللعب خارج إطار المال والجاه والسلطة".

دروس وعبر

"عندما توجد الإدارة الفنية الناجحة يتحقق الفوز"، هكذا لخص الإنجازَ سميح المعلمي -اللاعب السابق لنادي اليرموك والمنسق الإعلامي للمنتخب الوطني للشباب- والذي ذهب للحديث عن الدروس والعبر المستمدة من الرياضة وكرة القدم خصوصًا، قائلًا: "علمتنا مثل هذه الدروس أن التحدي، الصبر، الاجتهاد، الطموح، الألم، الخسارة أو الفوز، والإنجاز، تمثل دورات تدريبية لكل مجالات الحياة، إن استمرت في حياة أي رياضي، ولاعبو فحمان لم يكن يعرفهم أحد قبل هذه البطولة، واليوم اختصروا مشوارًا كبيرًا، وصار الجميع يتغنى باسم ناديهم وبأسمائهم".

ويلفت المعلمي إلى أن "هاشتاق" نهائي الدوري بين فحمان ووحدة صنعاء تصدر "ترند" اليمن في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد سنوات من "ترندات" متنوعة أفرزتها الحرب، كالاغتيالات والقصف والدمار وغيرها، ما يدل على شغف الناس بأجواء السلام واشتياقهم لها، وهو ما جسدته الجماهير اليمنية في كل مكان، من حب ووحدة أبناء اليمن، ونبذ أي تدخلات سياسية في الرياضة.

هل تضيع الفرصة؟

يجب ألّا تقف قيمة الإنجاز عند الإشادة الواسعة التي حظي بها النادي القادم من ريف أبين، ولا بدرع الدوري والجوائز، حيث من المفترض أن يفتح الفوز باللقب البابَ أمام النادي للمشاركة في ملحق كأس الاتحاد الآسيوي 2022، بمباريات خروج المغلوب لبلوغ مرحلة المجموعات لبطولة كأس الاتحاد الآسيوي، رفقة أندية الملحق ممثلة بأندية الرفاع الشرقي البحريني، وظفار العماني، والعربي الكويتي، ومركز شباب بلاطة الفلسطيني.

إلا أن الأمر يبدو أنه سيظل حلمًا في أذهان اللاعبين، الذين لم تكتمل فرحتهم، حيث برزت مؤخرًا أخبارٌ تكشف إن النادي قد لا يُسمح له بالمشاركة لعدم استيفاء الشروط والمعايير المحددة من قبل الاتحاد الآسيوي لمثل هذا النوع من المسابقات القارية.

ويؤكد الإعلامي الرياضي، ذو النورين ناصر، لـ"خيوط"، أن اتحاد كرة القدم فضّل بيع الوهم للفرق المشاركة -بأن بطل الدوري سيشارك في التصفيات المؤهلة لمجموعات كأس الاتحاد الآسيوي- وهو يعلم بأنه لن يتم ولن يشارك أحد مهما كان اسم البطل.

ويرجع ناصر ذلك إلى مجموعة كثيرة من الأسباب؛ منها توقف الأنشطة الرياضية الرسمية في البلاد منذ سبع سنوات، وكذلك غياب قوانين الاحتراف في الأندية اليمنية بشكل عام، وعدم السماح للأندية في هذا الدوري بجلب اللاعبين المحترفين من خارج البلاد، بالإضافة إلى عدم ضمان إيجاد ملاعب آمنة في الظروف الراهنة، وغيرها من القوانين الآسيوية الصارمة لاستخراج رخصة المشاركة؛ مما أدى إلى استحالة توفرها للأندية اليمنية بالوقت الراهن.

* الصور مأخوذة عن الصفحة الرسمية للنادي


•••
عبد اللطيف سالمين

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English