دراسة في الحُلية

مغامرة هاشم علي
د. آمنة النصيري
November 7, 2020

دراسة في الحُلية

مغامرة هاشم علي
د. آمنة النصيري
November 7, 2020

الوقوف بصورة متكاملة عند تجربة إبداعية بحجم تجربة الفنان "هاشم علي"، أمر يحتاج دراسة مطولة، ذلك أن تتبع حياة ونتاج هذا الفنان هو في الحقيقة بحث يتضمن تاريخ الحركة التشكيلية اليمنية المعاصرة بتطوراتها وملامحها المختلفة، التي ارتبط بها وكان في مقدمة جيل، وضع لها أسسها وبدايتها الأولى، متجاوزًا بذلك فاصلًا زمنيًّا كبيرًا وقطيعة شاسعة بيننا وبين معظم أشكال الفنون.

    كما أن طبيعة العملية التشكيلية لدى الفنان غنية وذات جوانبَ وأبعادٍ متعددة، فهي لم تنشأ وفق منهج وقالب محدد ثم تستمر فيه، وإنما كانت على قدر كبير من الثراء والتنوع؛ فإلى جانب دراسته لشتى المذاهب الفنية، غلبت عليه روحٌ تجريبية مكّنته فيما بعد من أن يصل إلى بلورة النموذج الذي صاغه برؤية فكرية بصرية ناتجة عن خبراته التي اكتسبها من الممارسة العملية الدؤوبة، إضافة إلى ثقافته واطلاعه على الفكر الفلسفي.

    على الرغم من أنه بعد تمكّنه، في سنواته الفنية الأولى، من الإلمام بقواعد الرسم والتصوير وإنتاجه العديد من اللوحات التي يتداخل فيها الأسلوب المدرسي والواقعي، فقد تحول بعد ذلك إلى التعبير ضمن اتجاهات حديثة، كالتكعيبية والتجريدية، إلا أنه أخذ يتراجع شيئًا فشيئًا باتجاه المنحى الواقعي، إلى الواقع المادي بدون مباشرة أو نقل حرفي، حيث أضحى تكوين لوحاته يعتمد لغة التشكيل من جزئيات المحيط الخارجي، وليس الواقعية. في كثير من أعماله تصميمٌ لعالم جديد، أعاد تشكيله من المفردات المحسوسة، لكن دون أن يتقيد بترکیب وبناء الشكل ضمن إطار الحقيقة البصرية، بل العكس؛ إذ إنه يعتمد إلغاء القياسات الشكلية المتعارف عليها، ويلجأ إلى معاييره الذاتية التي منها يحقق حضور عالم لا مرئي، فيكون التمثيل المادي موجودًا بطريقة عرضية لا تجعل منه هدفًا في حد ذاته، ففي لوحات، مثل: "فنان"، "الراقصة"، "أمومة"، "عازف الناي"، "ضارب الطار"، "لاعبة العجل"، يتحول الجزئي إلى كلي، والمادي إلى روحي، ذلك لأنه يربط بين الشكل والجوهر، ويمعن في إضفاء دلالات شتی تجعل المشاهد يتعامل مع المشهد الواقع كما لو كان يكتشف حياة لا واقعية.

"عازف الناي" - خيوط

     وهذا النهج لدى الفنان ليس بحثًا عن حقيقة مرئية، مثلما فعل التكعيبيون، ولكنه كما أسلفت بحثٌ عن الجوهر، عن الحقيقة الباطنة؛ إذ يصف العالم الداخلي من خلال الظواهر المادية.

     "ضارب الطار"، هذا التكوين الذي يصور فيه رجلًا جالسًا يمسك (الطار- الدف) بید، ويضرب عليه بالأخرى، وقد انفجرت شفتاه لإنشاد الكلمات التي تقربه من المطلق، ليشترك مع بطل اللوحة في عالمه.

    إن المسحة الروحية على وجه الرجل ونظرته الهائمة، ممتزجة بالطاقات اللونية، تعمل على تقليص المادي، بما في ذلك الجسد نفسه الذي تدوّر مع اللون إلى كيان شفاف.

    إن "هاشم" يتعمد أن يمنح لوحاته قيمًا متعددة، هذه القيم تكمل بعضها بعضًا، فالقياسات الجمالية تتسق دومًا مع المضمون الأدبي والفكرة الفلسفية إلى جانب الوعي التام بوظيفة الفن الاجتماعية ودوره في استيعاب التحولات الاجتماعية العديدة، ثم دوره في التغيير، إيمانًا بأن الفن ليس نتاجًا للمنفعة والترف الفكري، وإنما هو فعل إنساني خلّاق يهدف إلى التغيير الذي يتجاوز المعنى التقليدي للكلمة إلى معنى أكثر شمولًا؛ فالتغيير في فلسفته هو إعادة الإنسان إلى وجوده الإنساني، لذلك فإن الهيئة البشرية في اللوحات تتمرد على الشكل الساكن، وتبدي نزوعًا نحو حركة لا مادية تنبع من عوالمها الروحية التي يضفيها الفنان على حالات الوجوه وأجواء وفضاءات اللوحة.

     إن الإنسان يحاول أن يكتمل في العمل الفني، وهنا بالضبط تكمن رغبة الفنان في التغيير، فهو يتمرد على عالمه الذي هو عالمنا عبر إرادة التغيير تلك التي تبرز في لوحاته، وهذه الإرادة هي أيضًا حرية الفنان التي تتحقق في العمل، والتي لا تلبث أن تنتقل إلينا نحن؛ فالرائي لا يكتفي بالمتعة الجمالية المتحققة من العمل الفني، وإنما تشده إلى تكوين معانٍ أخرى؛ فالحركة الداخلية والحالة الوجدانية للشخوص تجعلان المشاهد يندمج معها متجاوزًا الفضاءات الزمانية-المكانية لعالمه ويعيش، للحظات، حالة من النشوة والانعتاق. ولا ينتهي هذا التأثير بمجرد الانتهاء من تأمل اللوحة، إذ يبقی فعل التعبير- الذي ينتقل بصورة غير مباشرة- حيًّا في داخله يحثه على النزوع إلى عالم أفضل.

    ينبغي القول إنه على الرغم من وجود مسحة صوفية في التعامل مع المعطيات المادية؛ إلا أن "هاشم" يتعمد الوصول بنا إلى تصور يتنافى مع الرؤية الصوفية للوجود التي تقوم على التأمل السلبي وتصل إلى نتيجة سلبية تقتضي بالتسليم والإيجاب بكل ما هو كائن، بينما يدفع الفنان في لوحاته بالإنسان إلى محاولة التغيير والتساؤل والقلق، فهو يرى أن التمثلات الجمالية المتجسدة في القيم الاجتماعية هي صورة صادقة لتحولات المجتمع، ومقياسٌ حقيقي يقاس بها تطوره المتعاقب عبر التاريخ، ولذلك لا يمكن اعتبار الحديث إذا كان تکرارًا لما هو موجود أو مجرد تغير من شكل إلى شكل، بينما في واقع الأمر هو فعل إبداعي ابتكاري تكمن فيه قوة تغييرية تتوخی نقلة نوعية وجوهرية للإنسان، وصدق الفن هنا هو صدق الرؤية المستقبلية الحديثة التي يتجسد فيها وهو يعكس صورة حقيقية لما يطمح إليه المجتمع.

يعلن هاشم علي في لوحاته رؤيته في معالجات شديدة الصدق والجدية لموضوع المرأة؛ ما يجعله يتفادى مغبة الانزلاق في ابتذال الجسد الأنثوي، وهو ما يقع فيه كثير من الفنانين الذين يجندون ذواتهم عن واقع المرأة

    في لوحاته يصور نماذج بشرية كثيرة وموضوعات متنوعة: فلاّحين، حدادين، حرفيين، راقصين، عازفين، مدّاحين، راعيات، باعة متجولين... إلخ. إنه يرفض في كل لوحاته تهميش الإنسان، حتى في مناظره الطبيعية لا ينسى أن يترك شخصًا ما يتجول أو يجلس على قارعة الطريق بل إنه يضفي على الأشياء في مناظره بعدًا إنسانيًّا يؤكد وجود البشر بين ثنايا الطبيعة.

    إن ثمة منظورًا روحيًّا يبدأ من الشخوص وينتقل إلى الأشياء؛ حيث يمكن ملاحظة النفس داخل اللوحات وهي تتبدل وتتحول وتنفعل، وهذه التبدلات الظاهرية تخضع لحركة دائمة تصعّدها التقنية اللونية المعقدة التي يستخدمها لإبراز الجانب الروحي.

    فكرة الاندماج الصوفي بين الإنسان وعالمه-سواء الصغير أو الأرحب- تعد إحدى السمات البارزة في لوحاته عندما يصبح المحيط المادي جزءًا من كيان الجسد البشري داخل اللوحة للأجزاء الجامدة؛ حياتها التي لا تتناقض مع وجوده، بل ويلتحم معها في كيان واحد، ولذا لا تكون الأرض والبيوت والشوارع مجرد خلفية يقف في مقدمتها الإنسان، ولا يكون المحراث والمطرقة وشباك الصيد أدوات عمل، وإنما تتعايش الأشكال المادية والبشرية مع بعضها وتتحول الأرض إلى كائن حي يحتضن الموجودات، عندما تميل المنازل وتحاول انتزاع نفسها من أعماقها كي تكسر حدود عالمها الساكن وتشارك الفتاة انطلاقها في "لاعبة العَجَل"، وترقص الملابس والعصي والآلات الموسيقية وهي تعيش مع الراقصين نشوتهم، فهنا تتم أنسنة الأشياء. نتأمل المزيد من اللوحات لنشعر بذلك حيث تسود الظاهرة في أغلب التكوينات، ولعل أبرزها "عازف الربابة"، "رقصة العصي"، "ذات الجعف".

معالجات شديدة الصدق لموضوع المرأة

     (المرأة) هي أحد النماذج الإنسانية المهمة في لوحاته، حيث يتناولها کموضوع في معالجة تُسقط الطرح المباشر، ويحملها مختلف الرموز والدلالات، كما يضفي عليها في الأعمال تحويرًا جسديًّا مبالغًا لكي يخلق جوًّا موحيًا وأبعادًا متعددة تعكس موقفه من المرأة ككل، سواء من منطلقات وجدانية أو جمالية أو فكرية.

     إنه لا يهمل الإشارة في معظم الأعمال- التي تنطلق من المرأة كموضوع- إلى المفاهيم والقيم الاجتماعية والدينية المرتبطة بها، ويقدمها كقضية بحاجة للتأمل. هو أيضًا يمنح المرأة-كما يمنح سائر شخوصه- حلم التغيير والانعتاق، ويحملها أحيانًا رموزًا عديدة، فتصير نفسها رمزًا لمواضيع أعم وأشمل.

    لديه طرح جريء لا يتحرج من الإشارة إلى أكثر القضايا تعقيدًا في المجتمع الذي لا یزال يمارس قهرًا واضطهادًا للأنثى، غير أنه يعلن رؤيته في معالجات شديدة الصدق والجدية؛ مما يجعله يتفادى مغبة الانزلاق في ابتذال الجسد الأنثوي، وهو ما يقع فيه كثير من الفنانين الذين يجندون ذواتهم عن واقع المرأة.

     يوجد ترابط قوي بين الشكل والمحتوى في نتاجه، ذلك أن الشكل يتحد في بناء متماسك مع المضمون الفكري، بدون أن يفقد كلٌّ منهما أهميته، فهناك جمالية عالية يظل الفنان محافظًا عليها حتى في أكثر الموضوعات تعقيدًا، ويوظفها في الوقت ذاته لخدمة المضمون فيخلق توازنًا بينهما.

    في تجربته اللونية يحرص هاشم علي، على ملاحقة التفاصيل اللونية لإغناء بنية الأشكال ومنحها طاقة تعبيرية أكبر. إنه يغني العوالم الفقيرة التي يصورها بترف ألوانه وتنوعها.

    يعمل اللون في كثير من اللوحات على الحد من طغيان حسّية الأشياء، ليؤكد بذلك أبعاده الفلسفية والرؤية التي تبحث عن معانٍ مطلقة من خلال إعادة خلق الأشياء.

    يحافظ الفنان من خلال اللون على الإيقاع الحركي الذي يجعل العين تنتقل في جزئيات اللوحة، كما أن ضربات الفرشاة، واهتزازات اللون، والتوزيع المدروس للتدرجات اللونية، كل ذلك يخلق إيقاعًا خفيًّا يصنع للوحة هارمونية عالية.

    لقد تأثر هاشم علي بألوان الانطباعيين ثم ما بعد الانطباعيين، غير أنه بتجربة متواصلة تمكّن من الوصول إلى أنساق لونية تخصه وحده، تعتمد على نسيج لوني معقد، يركّبه من عدة ألوان خالصة، فلا نجد أبيض فقط أو أزرق أو أحمر، وإنما يعتمد عند وضع بعض الضربات بلون ما، على مزج مجموعة كاملة بدرجات متفاوتة، حتى إنه يمكن اكتشاف أن مساحة السماء الزرقاء الصافية لا تخلو من إضافات بالفرشاة لألوان كثيرة، كما لا يكون الأزرق نفسه دانه بذاته، بل يصبح مزيجًا لونيًّا يغلب عليه الأزرق...، وهكذا.

     من خلال اللون يعكس "هاشم علي" في الأشياء روحها وفي العالم جوهره، ويحاول من خلال تقنياته أن يجعل رؤاه الفكرية وتصوراته، مسجلة على قماش اللوحة، في نسق فني يتحد فيه الشكل بالمضمون لاستيعاب كافة أشكال التقنيات والتيارات والرؤى الفكرية التي تضمنها أسلوبه الفني المتنوع في التصوير.

أسلوبه الجرافيكي

    نستطلع نمطًا آخر من تجارب الفنان، يتمثل في أعمال "الجرافيك" المنفذة بالحبر الصيني، فهذه الأعمال، على الرغم من فرادتها وجديتها، لم تحظَ بالدراسة والبحث.

    في أسلوبه الجرافيكي تتجلى رؤيته المنهجية الواضحة والمعهودة، القائمة على خلق فني يتسق فلسفيًّا مع مفردات الحياة ومضامينها- دونما استلاب للواقع- من خلال البحث عن لغة جمالية تعتمد على اختزال وترميز الواقع وتحويله إلى نظائر بصرية تجعله نموذجًا جديدًا أكثر جمالًا وصدقًا وعمقًا.

أتذكر عبارات كان يرددها الكثير من الفنانين والنقاد الأوروبيين (في موسكو وباريس)، الذين شاهدوا نماذج من "جرافيك" هاشم علي، وهم يؤكدون أن هذا الأسلوب متميز في التصوير ورؤيته شديدة الخصوصية، وهو بالفعل كذلك، فنحن بغض النظر عن شهادات الآخرين، نستطيع أن نلمس هذا التفرد
"بائعة الباباي" - هاشم علي

    فيما يتعلق بتقنية لوحات الجرافيك التي أنتجها الفنان، فإنها تعتمد على استخدام اللونين (الأبيض، الأسود)، حيث يرسمها بالحبر الصيني، لذا فإنه يتخذ هنا أسلوبًا مختلفًا نوعًا ما عن أسلوبه في تقنية التصوير الزيتي، الذي تلعب فيه الألوان المعقدة والكثيرة الدور الأهم. بينما تصبح اللغة اللونية للجرافيك محصورة في لونين فقط، ولأن الرسام يدرك هذا الاختلاف، فقد عمد إلى توزيع الأبيض والأسود في شكل جريء ومن خلال حرفية وتمكّن، وتعامل مع الأسود كما لو كان عدة ألوان في بعضها، ولم يلجأ إلى إيقاع رتیب في عملية التوزيع هذه بحيث ينتقل في تصميم الأشكال بصورة منتظمة من الأبيض إلى الأسود، بل اختار للوحاته توترًا حركيًّا واضحًا ناتجًا عن خلخلة المساحات البيضاء والسوداء، وإضافة طابع ديناميكي في التكوينات التي غالبًا ما يعيش شخوصها في حركة لا نهائية، نشاهدها في نشوة الراقصين الشعبيين والموسيقى ولحظات العمل في صورة الفلاحين والحرفيين وبائعات "الملوج" و"العنب– الباباي"، حتى في أوقات التعب والاسترخاء يظل للتوتر الحركي وجوده في التكوين ليضفي عليه حيوية تقترب به من عالمنا، وثمة أمثلة لذلك، منها لوحة "المخزّن"، ولوحة "بائعة الملوج".

"بائعة الملوج" - هاشم علي

    ففي العمل الأول "المخزّن"، نرى الرجل وقد جلس مسترخيًا منهكًا يمتص الدخان من خرطوم "المداعة" الطويل، وتبدو "المداعة" (نوع من الأرجيلة) مثل كائن حي، فهي تتحرك بخطوط تتبادل مع الجالس حوارًا نكاد نسمعه. ويؤكد هذا الجو الحي الدينامیکي تلك التموجات التي تظهر في كل أجواء اللوحة، بدءًا من ثنيات الملابس والسجاد وحتى الخطوط والاهتزازات المحيطة بالأجسام والموحية بتوتر غير عادي.

    ينطبق الأمر على العمل الثاني "بائعة الملوج"؛ فالبائعة الجالسة التي تميل بوجهها في نظرة جانبية تتحرك في فراغ اللوحة.

    ويمكن الإشارة هنا إلى أسلوبية "الخط الخارجي" الذي يحدد الأجسام والأشکال، والذي يتعمد الفنان أن يجعله عبارة عن اهتزازات خطية، بينما يختفي الخط الرتيب والتساب عدا بعض الأجزاء، هذا الأمر يخرج الأشكال من العالم الساكن المغلف بالجمود إلى حياة دائمة.

    ويصعب تصنيف هذه الأعمال الجرافيكية، فهي في طابعها واقعية بعض الشيء، ثم هي تعبيرية، كما أن فيها مسحة سريالية وأحيانًا رمزية، وهي في الأخير هذا كله، إذ إنها تجارب قد استفادت من معالم التيارات المذكورة، غير أنها بلورت، من هذا الدمج بين أشكال التصوير، شكلًا فنيًّا خاصًّا لا يمكن أن نجده إلا لدى "هاشم"، وإني لأتذكر دائمًا تلك العبارات التي كان يرددها الكثير من الفنانين والنقاد الأوروبيين (في موسكو وباريس)، الذين شاهدوا نماذج من "جرافيك" الفنان، وهم يؤكدون أن هذا الأسلوب متميز في التصوير ورؤيته شديدة الخصوصية، وهو بالفعل كذلك، فنحن بغض النظر عن شهادات الآخرين، نستطيع أن نلمس هذا التفرد.

"المخزن" - هاشم علي

    لعله من المهم أن نذكر بأن تقنية الفنان في تصوير لوحاته بالحبر الصيني لا تعتمد على استخدام الأقلام الخاصة بهذا الحبر، التي يستخدمها كثير من فناني الجرافيك، وإنما يصور أعماله بالفرشاة التي يرسم بها لوحاته الملونة، سواء زيتية كانت أم مائية، وهنا يتضح سرّ هذه الديناميكية والحيوية فيها، إذ إنه يضع ضرباته باللون الأسود على المساحة البيضاء بالروح نفسها التي يضع بها ألوانه على القماش، ويتحرك بفرشاته بحرية تبعده عن القيود والرتابة التي يفرضها استخدام القلم.

الحركة أو الديناميكية الصاخبة هي إحدى ميزات أعمال هاشم علي، التي يحاول أن يحافظ عليها في جميع التقنيات، بما فيها الجرافيك

     في تجربته اختار الفنان صيغة فنية متميزة وشديدة التعقيد، على الرغم من أنها تبدو بسيطة في ظاهرها، وذلك -كما يقال- هو السهل الممتنع، حيث إن الاعتماد على اللونين فقط، أمر ليس باليسير؛ لأنه يحدد الفنان ويضعه أمام خيار واحد وعليه أن يستكشف من خلاله أشكالًا للتعبير شديدة الثراء والتنوع.

     إن التقنيات الجرافيكية المتعددة والمعتمدة على الطباعة واستخدام الألوان، تمنح الفنان فرصًا هائلة للإنتاج، بل والتنوع في العمل الواحد، ذلك أن طباعة التكوين لعدة مرات يعطي في کل مرة صورة مختلفة، وتلعب فيه الصدفة والمفاجأة دورًا رئيسيًّا، بينما تختلف تقنية "الحبر على الورق" أو كما يطلق عليها "الحفر على الورق" وبلون واحد هو الأسود، ففي هذا النمط الجرافیکي تتم صناعة التأثيرات التشكيلية من خلال طريقة وضع الأسود على الأبيض بصورة مباشرة لا تحتمل التغيير أو التعدد کما في لوحات الطباعة.

    والفنان يدرك قوانين العمل الجرافيكي، كما هو واضح في التكوينات، ولعل أهم هذه القوانين اعتماد مبادئ التصميم التي تجعل اللوحة انعكاسًا لنموذج مبتكر تمت صياغته بصورة عقلانية من قبل الفنان وأخذ قدرًا كبيرًا في خلق اللوحة، ولكننا نعني هنا بأن تصميم العمل الجرافيكي كثيرًا ما يصاغ ضمن قوانين مسبقة للشكل، وللرؤية، وهذه القواعد تضع في اعتبارها طبيعة المادة المستخدمة، كما هو الحال في تقنية الحبر على الورق، التي فرضت على الرسام أن يعد لها تصميمًا خاضعًا لطبيعتها ومحدوديتها، غير أنه تمكن أيضًا من الإفلات من مأزق الرتابة والتكرار، وذلك لأنه قد توصل إلى ابتكار أسلوب خاص وأدائية مختلفة، فيها قوانين تصميم لوحة الجرافيك بقوانين التصوير الملون بالفرشاة.

    لقد وضع "هاشم" لأعماله قواعد خاصة لتوازن الشكل، تنفي كثيرًا من قواعد الشكل -المسيطرة على فناني الجرافيك- التي لا يخلو بعضها من نزعة كلاسيكية متأثرة بتطورات "أفلاطون" التي تقتضي بأن ينبذ الفن المثالي كل التفاصيل الزائدة، ليصل إلى أن الدائرة هي الشكل الأكثر مثالية؛ لأنها تسير في نسق واحد لا يشوبه تعرج أو تكشر أو بروز، بينما يتعمد "هاشم" أن يكسر من رتابة خطوطه فيجعلها تهتز وتتعرج وتتداخل في حرية مبالغة، ومردّ ذلك أن عملية التوازن لا تتقيد بقانون عام، لكنها مرتبطة بعدة عوامل، أهمها طريقة توزيع المساحات اللونية (البيضاء والسوداء)، وحركة الكتل التي يجعلها تسير في مختلف اتجاهات اللوحة فتمنحها توازنًا واضحًا.

    ويلاحظ في تلك الأعمال، بأن الخلفية البيضاء -التي لا وظيفة لها إلا منح العين بعضًا من الراحة- تحتفي لكي يحل محلّها مفهوم آخر، فلا خلفية هنا، حيث إن اللون الأبيض في كل جزئیات اللوحة يمثل العالم الذي تعيش فيه شخوص الفنان، هذا العالم الذي يندمج فيه الإنسان اندماجًا كاملًا. إن المشاهد لا يستطيع في تلك التكوينات أن يحدد نهاية الشكل وبدايته، ولا يتمكن من انتزاع الكتل عن محيطها الأبيض، أو على الأصح من وجودها الذي يحتويها. إن الفراغ يتحول هنا إلى فلسفة وإلى معنى، ويمكن مراجعة عدد من لوحات الفنان للتحقق من ذلك؛ ففي صور الراقصين المختلفة -على سبيل المثال– تندمج الشخوص في حركة عنيفة، وبمقدار هذه الحركة في الكتل السوداء نفسها، نشعر بحركة المساحات البيضاء التي تقترب وتقحم نفسها مع هيئة الشخوص ليطغى على اللوحة نسق واحد، كل شيء فيه حيّ، وكل شيء يتحرك. هذه الحركة أو الديناميكية الصاخبة هي إحدى ميزات أعمال هاشم علي، التي يحاول أن يحافظ عليها في جميع التقنيات، بما فيها الجرافيك، ذلك أن سمات القيم التشكيلية الجرافيكية تظل جزءًا من القيم التشكيلية العامة في تجربته الفنية، وقد أشرنا إلى ذلك بشكل أكثر تفصيلًا في جزء سابق من الموضوع.

    أما مضامین لوحة الجرافيك عنده، فنجد الإنسان يتصدرها كما في أعماله الزيتية، حيث يركز على التقاط ملامح متعددة من حياة البسطاء في تلقائية مشوبة بفكر فلسفي يتأمل العالم ويتغلغل في أعماقه، ولأنه يعيش في عالم البسطاء أيضًا، فإنه لا يفتعل التعبير عنهم، بل ينقلهم بصدق إلى لوحاته، في طابع أشبه بالمنحى التعبيري الذي يتم فيه تضمين الذاتي داخل العام.

    بقي أن نقول بأن الفنان هاشم علي قدم تجربة فنية فريدة في فن الجرافيك، ونجح في أن يجعل أسلوبه متسقًا مع التقنية المستخدمة التي توصل من خلالها إلى خلق قيم جمالية عالية.


•••
د. آمنة النصيري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English