ربيع كورونا

14 يومية عن الهجوم الوبائي والدفاع المناعي
نادية الكوكباني
April 30, 2021

ربيع كورونا

14 يومية عن الهجوم الوبائي والدفاع المناعي
نادية الكوكباني
April 30, 2021
(File photo: Reuters)

(مشاركة تجاربنا الحياتية على اختلافها، هي كوة ضوء لآخر يتماس مع بعض أو كل ذاته فيها)

هاجم فيروس كورونا العالم في الشتاء، وقرر أن يهاجمني في الربيع. كان مخاتلًا في اختيار موعده، فقد تعود جسمي على تحمل تقلب الجو في بداية الربيع. استنشاق شذا حبوب اللقاح، ومخاض براعم الأشجار، تصيب جسمي بالمرض، رغم استمتاعي روحيًّا بهذه المرحلة. تداخل اللون الزهري والأبيض لثمرة شجرة "البرقوق" يسحر فؤادي؛ لذلك كان والدي رحمة الله عليه يصر على أن نذهب لمنبع الأشجار في قرية حَدَّة. المنظر وعبق الرائحة المنبثقة من مجموعة الأشجار، المتراصة بمهنية مزارع مخلص، يذكي فيَّ البهجة، ويسيل لعابي لمجرد تخيل عودتنا الأسبوع القادم وقد نبتت من تلك الزهور براعم خضراء لألذ "جعر" قبل أن ينضج ليصبح ألذ "برقوق" يمكن أن يتناوله بشر.

نعود للبيت بعد "الدورة" (النزهة) وقد بدأت قواي تخور دونًا عن إخوتي وشقيقاتي، وأسمع بصمت عتاب أمي لأبي على أخذي معه، وهو يعلم تحسسي وما قد يصيبني، فيردّ عليها مازحًا: "بل آخذ معي نادية وأترك لك الباقين، فلا يأسر قلبي غير بهجتها وهي وسط أشجار البرقوق، وتأملها في نبع ماء قرية حدة ومناجاته بصمتها المدهش".

مع مرور السنين، تعوّد جسمي على "مرضة" الربيع، أكون طريحة الفراش لأيام أقاوم فيها الحمى و"صقيق" المفاصل، وتعرق الجسم البارد، ولا ينقذني من هذه الحالة إلا بزوغ براعم الثمار وانبثاق الأوراق الخضراء في سيقانها حتى تكسوها الخضرة من كل جانب. 

لذلك أقول إن مهاجمة فيروس كورونا كان مخاتلًا في اختيار التوقيت. قضيت ستة أيام في قمة المقاومة البدنية والنفسية الشديدة بالأدوية والأعشاب لإنهاء بعض المهام في عملي. وقررت مكافأة نفسي آخر الأسبوع بالذهاب لعرس أخت صديقتي، وفي حفل العرس كلما مددت يدي للسلام أصرت الأيدي الأخرى ألَّا تمتد، وأن الاحتضان والتقبيل هو الأفضل للترحيب بي وبقدومي. عدت بعدها لمنزلي وأنا أشعر بإعياء غريب وصداع هجم عليَّ بضراوة، لم أجد غير الالتجاء إلى النوم لأتخلص منه.

بصعوبة استيقظت اليوم التالي من خمول شديد بدأ يسيطر على جسمي، وكانت القهوة هي من سينقذني منه. لكن القهوة كانت بلا رائحة، وهذا أثار دهشتي، قربت الكوب من أنفي أكثر ورحت أستنشق عبقها بقوة، دون فائدة. تذوقتها وكانت بلا طعم. عندها صرخت: لا لا لا، غير معقول، هذا أحد أعراض "كورونا"؟ هل استغل الفيروس اللعين وَهَنِي وهاجمني أثناء استقبالي لأحضان الترحيب تلك؟

أيقنت عندها أن مرض حبوب اللقاح وزهر الربيع الذي يصيبني جعل مني فريسة سهلة لفيروس "كورونا"، وما عليَّ الآن سوى مواجهته. اتخذت فورًا، وبحسم، قرار العزل الذاتي في المملكة، والمملكة هي شقتي الصغيرة التي أعشق كل ركن فيها بعد أن عدلت في تصميمها، وتمعنت في فرشها كما تمنيت. قررت أيضًا التكتم الشديد وعدم إخبار أولادي أو حتى إخوتي وأخواتي، فلا أجد سببًا لأزعاجهم بالقلق عليَّ، وأنا لا أنوي القيام بالفحص، ولكن باتخاذ إجراء العزل والوقاية، سواء كان المرض كورونا أو غيره. 

أخبرت صديقتي المقربة التي أيدت فكرتي واهتمَّت بتغذيتي ومتابعة حالتي، كما أخبرت جارتيَّ للاطمئنان اليومي على سلامتي. وكمن ينتظر مجهولًا لا يعرف عنه شيئًا، رحت أنتظر ما سيحدث بعد فَقْد حاسة الشم والتذوق. 

اليوم الأول: يا لهذا الصباح التعيس الذي بدأ بغياب عبق القهوة في مملكتي، أصابتني هستيريا استنشاق البخار المتصاعد من الكوب، عله يصل لمركز خلايا الرائحة في الدماغ، دون فائدة، ولم أنتبه لسخونة القهوة ورحت أدلقها في جوفي بلا وعي، احترق لساني، ومع ذلك لم أذق طعمها. استسلمت، وعدت لسريري، فقد بدأ جسمي يرتجف ويجب أن أرتاح. تناولت الزنك، والبارامول، وفيتامين سي، وإسبرين، وفيتامين بي كومبلكس، ومضادًّا حيويًّا، ورحت في نوم عميق حتى الظهيرة. استيقظت وقد بعثت في جسمي تلك الأدوية العافية. هاتفت صديقتي لأطمئنها من أوهامي وأني بخير. تناولت طعامي، ورحت أنهي بعض مهام العمل. بعد مضي ساعتين، بدأت رجفة جسمي من جديد، وشعرت بوهن عام، ربطت رأسي بـ"مَصَرّ" أمي؛ أيقونتي التي ألجأ إليها في حالة تعب جسمي وانهيار معنوياتي أحيانًا، وألقيت بجسمي على السرير.

أكلت رغم فقداني للشهية، فعليَّ أن أقاوم بالأكل والفاكهة، خاصة الحمضيات. وبدأت في عمل "تبخيرة" الزِّر (القرنفل) والهُرُد (الكركم) والنعناع والليمون الحامض، للتنفس ولاسترجاع حاسة الشم والتذوق

بدأت حمى شديدة تهاجمني، ووخز عنيف في مفاصل القدمين، وصداع قوي أطبق بألمه على عيوني حتى شعرت بأن مآقيّ تكاد تخرج من مكانها. غبت بعدها في تلك النوبة حتى المغرب، لا أعرف إن كنت نائمة أو مستيقظة، لكن ما أعرفه تمامًا هو أن عليَّ أن أعد الساعات لأخذ جرعة الدواء للمرة الثانية حسب البروتوكول الذي تم تداوله على الواتس. في التاسعة مساء أخذت "البندول إكسترا 1000 ملجم" ورحت أنتظر راجية أن يتحسن الحال، كما حدث في الصباح، وقد كان. بعد ساعة نهضت من السرير متعافية من الحمى ومن الوخز ومن الصداع الذي أخبرتني مآقي عيوني المتألمة كم كان طاغيًا. أكلت رغم فقداني للشهية، فعليَّ أن أقاوم بالأكل والفاكهة، خاصة الحمضيات. وبدأت في عمل "تبخيرة" الزِّر (القرنفل) والهُرُد (الكركم) والنعناع والليمون الحامض، للتنفس الذي كان طبيعيًّا جدًّا حتى الآن، ولاسترجاع حاسة الشم والتذوق. انتهت ساعتا العافية لتعاودني الحمى والصداع من جديد، مع انتقال ألم المفاصل الشديد للركبتين ولأسفل الظهر. صارعت حتى الفجر ذلك الألم بأنين عالٍ، وبدموع ساخنة لم أستطع إيقافها، ناجيت فيها الله أن يرحم ضعفي، ومناجاة ذاتي بأن عليَّ احتمال كل هذا ومقاومته، بل وقبوله بنفسية ومعنويات عالية، وأن الغد أفضل. فتحت درج السرير إلى جواري وأخرجت ورقة وقلم أحتفظ بهما دائمًا فيه، ورحت أكتب في الظلام بيد مرتعشة هلوسات لا أعيها، مدركة أن عليَّ فعل ذلك لأحافظ على ذهنيتي من الانهيار، فيكفي انهيار جسمي الذي وصل ذروته.

اليوم الثاني: كسابقه، وأشد قليلًا للدرجة التي لم أستطع فيها فتح عينيَّ من شدة الصداع. جسمي في ذروة الحمى شعرت به ملتصقًا بالأرض، لا أستطيع تحريكه، شلل تام، لا ينقذني من وطأة شعوري به إلا وخز المفاصل الذي استمر في قدميَّ وركبتيَّ، وأسفل ظهري، وتركز اليوم في مفاصل اليدين والرقبة دون هوادة. تنفسي بدأ يضيق، ويخرج بصعوبة من جوفي. في خضم هذا الألم، أستمر في دعاء الله وفي مناجاة ذاتي، أحفّز "شاكرات" الطاقة السبع، وأشحذها بإيجابية الكون لتمنحني بعض القوة المعنوية، رغم دموعي التي لم يكن لي عليها أي سلطان، وشعور بالخوف من قادم لا أعرفه، ويجب ألَّا أفكر فيه! حتى لا تخور مقاومتي وتضعف مناعتي.

اليوم الثالث: باستثناء ساعتين في اليوم أشعر فيها ببعض التحسن بعد تناول الأدوية، أتناول فيها الطعام الذي أعدّته صديقتي بعد وضعه أمام باب مملكتي، أعود لمصارعة الحمى، والصداع والوخز المستمر في المفاصل التي لم أعد قادرة على تحديد مكانها، فقد كان جسمي بأسره كتلة من الألم والوهن حد عدم الشعور به، فقدت فيها الرغبة في تناول الطعام، وعوضت بشرب الكثير من الماء لتطفئ لظى جوفي من تلك الحمى الداخلية، وتنعش جسمي، ولو بتخيلها تسري في أوردتي.

اليوم الرابع: لحظات يدور فيه رأسك وكأنك في هاوية الجحيم، طعم الموت صار في حلقك وما عليك إلا أن تبتلعه لترتاح. يبدو أنني لن أنجو، لم أعد أقوى على احتمال كل هذا الألم، معنوياتي بدأت تخور هي الأخرى، وتأكد لي فعلًا أنني لن أنجو بعد أن زارتني أمي رحمة الله عليها في المنام. حلمت بها، كانت تربت على رأسي وهو في حجرها، ولأول مرة أعرف أن "مَصَرَّها" الذي ما زال رأسي مربوطًا به كان لأمها، لجدتي "تقية". طلبت مني أن أسترجع وجه جدتي ورباطها لجبينها بـ"المَصَرّ" لتحكم به قطعة القماش البيضاء المشغولة أطرافها بيد أمي، والتي كانت تلف بها رأسها وتغطي بها على شعرها. أغمضت عينيَّ وإذا بوجه جدتي الملائكي الذي لم أرَه إلا باسمًا، يتبدى لي، بـ"المَصَرّ" كما وصفته أمي. شعرت بسعادة غامرة وابتسمت لأمي، فها أنا أربط رأسي بـ"مَصَر" أمي الذي احتفظت به كأيقونة ذكرى من أمها، كما فعلت، وكان من التذكارات القليلة التي احتفظت بها من أشيائها.

نزلت أمي بيدها على جبيني وراحت تفركه. خرج منه بعض القِشر الذي التصقت به نتيجة تكرار الحمى والتعرق، وربما نتيجة عدم غسل وجهي لمدة أربعة أيام مضت. قالت لي مازحة: "ما هو هذا يا بنتي، أول مرة ما تغسلي وجهك هذه الفترة كلها". لم أنبس ببت شفة، ولا أتذكر غير استمرارها في التربيت على رأسي، وجبيني، وأكتافي، ولسانها يلهج بكلمات لم أفهمها ولم أعِها، ليس بسبب الحمى، ولكن بسبب رغبتها ألَّا ترفع صوتها لأسمع كلماتها التي كانت بالتأكيد تمائم دعاء بالشفاء. فتحت عينيَّ ورحت أردد: اللهم اجعله خير!

اليوم الخامس: أول ما قمت به في ذلك الفجر هو غسل وجهي، وفرك جبيني الذي راح يتساقط منه قشر، وربما درن الأربعة الأيام الماضية. غسلت أسناني فقد تنبهت أني لم أغسلها أيضًا فيما مضى من أيام الحمى المتشبثة بجسمي بكل قوتها. 

لم أجد تفسيرًا لزيارة أمي لي في الحلم غير أنها جاءت لتأخذني للدار الآخرة، لأكون معها ومع أبي وشقيقي. في تلك اللحظة فكرت في أولادي، وفي ضرورة أن أكتب وصيتي، فلن أنجو من هذا المرض، وزيارة أمي تمهيد من رب العالمين لأستعد، فهو بي أرحم، منحني من نِعمه الكثير، وها هو يختار وقتًا للرحيل صرت فيه مطمئنة على مستقبل أولادي، بعد أن وفقني أن أوصل ثلاثتهم لبرّ الأمان. كنت أشعر بالرضا وبالطمأنينة لكتابة الوصية، وللاستعداد للموت، مصيري ومصير كل من على هذه الأرض آجلًا أم عاجلًا.

اليوم السادس: خفّت الحمى قليلًا، واستطعت الحركة رغم الوهن الذي أعاني منه، وطلبت من الصيدلية جلوكوز وبعض الفيتامينات لاستمرار فقد شهيتي للطعام. جاءت الممرضة بعد العصر. طلبت منها أن تعقم يدها، وألَّا تزيل لثامها. عقمتُ يدي، وناولتها للممرضة، راحت تبحث عن وريد للوخز، ولم تجد، اختفت أوردتي رغم أنها من النوع الظاهر، قامت الممرضة بثلاث محاولات كان ألمها ينهش جسمي كاملًا حتى وجدت الوريد المناسب في المحاولة الرابعة. بعد سريان السكر والفيتامينات في جسمي شعرت ببعض العافية، وحمدت الله، وتمنيت أن تستمر وأن يكون هذا بداية الشفاء. وكالعادة منذ ستة أيام: التحسن لم يستمر أكثر من ساعتين، لتعاود الحمى مهاجمتي من جديد دون أن تكل أو تمل، يؤازر هجومها وخز المفاصل، وما زاد هذه المرة هو وخز شديد لا يحتمل بين الحلق والأذن في الجهة اليمنى، استمَرّ بقوة، كوخز كهربائي أشعر به يداهم كامل وجهي، شعرت أن دماغي يفور ووجهي تحوّل لقطعة نار بعد أن انتقل الوخز للجهة اليسرى، فقدت الحركة وعاد جسمي للالتصاق بالسرير دون حراك. أدركت أنه يجب عليَّ رفع وتيرة المقاومة بشراسة، وتحفيز "شاكرات الطاقة" أن تعمل، ألَّا تستسلم، أن توقظ جسمي من خدره، وتزيد من مقاومته ليظل حاضرًا ولا يغيب عني، أو أغيب عنه، وأن ما يجب عليَّ هو الراحة النوم، الاستسلام للنوم وليس للحمى، استمرت مناجاتي لذاتي حتى غفوت.

استيقظت فجرًا، وقد ابتلّت ملابسي بالعرق. فرحت؛ يقولون بأن هذه بداية العافية، وما إن نهضت من السرير حتى خاب ظني. كنت ألتقط أنفاسي بصعوبة وكأن جبلًا جاثمًا على صدري. يبدو أن ظهور أعراض المرض لم تنتهِ بعد، وعليَّ توقع المزيد. توجهت للمطبخ ورحت أعمل تبخيرة القرنفل والنعناع والهرد، أستنشقها بصعوبة، النفس لا يصل لجوف رئتي، يخنقني ذلك البخار، يرتفع سعالي حتى أشعر أني سأغيب عن الوعي، تخور قواي، أتوجه ببطء للسرير. يصل لأذني رنين الهاتف المحمول، وفي حالتي تلك لم أستطع الرد على الاتصال القادم من أختي.

اليوم السابع: لم أجد مفر من الرد على اتصال أختي الذي تكرر لثلاث مرات، لم أستطع إخفاء وهن صوتي وتلاحق أنفاسي، ولم أستطع خلق المزيد من الأعذار لاتصالاتها السابقة لبعض المهام التي علينا أن نقوم بها. أخبرتها أني متوعكة، ولدي أعراض كورونا، ولذلك حجرت نفسي ولا أخرج من مملكتي. استاءت من عدم مصارحتي لها من البداية، وتقبلت عتابها بمحبة، وراحت تسأل عمن يخدمني ومن يهتم بي. طمأنتها أن وضعي لا يدعو للقلق، وأن العزل أفضل لي وللجميع، ورجوتها ألَّا تخبر أحدًا. قالت لي: كيف لا أخبر أحدًا، هذا مرض ويجب أن نهتم بك. 

لم يتجاوز اقتناعها بطلبي المساء، اتصل بي أخي الذي استاء هو أيضًا من عدم إخباره وأنا في هذه الحال الحرجة. أخبرته عن مبرراتي، لكنه كان في شدة حنقه، وأنه سيأتي لرؤيتي غدًا، شئت أم أبيت. رجوته ألَّا يفعل، وأن أموري في الحجر كلها مرتبة، لكنه لم يقتنع، وأعلم أنه سيأتي، وما لا أعلمه هو ردة فعلي حينها.

ما إن فتحت عينيَّ في الساعة السادسة من هذا الصباح، حتى رحت أتحسس جسمي، وأهز رأسي، والسبب شعوري بالعافية الكاملة، غبت في لحظة تأمل للعشرة الأيام الماضية، وهل فعلًا مررت بكل هذا الألم، أم أنني كنت أحلم وللتو صحوت من كابوس

اهتديت إلى الاتصال بجارتي فقد كان زوجها مختص حُميات، وشرحت لها حالتي، وأرسلت لي برتوكول علاج وصفه زوجها. وصل البرتوكول من الصيدلية، وبدأت في استخدامه، فقد كنت كالغريق الذي سيتعلق بقشه لينجو. جاءت الممرضة، لأمُرّ بنفس رحلة البحث عن وريد، لكن هذه المرة رجوتها أن تختار وريدًا مناسبًا حتى تستمر "الكنيولة" لثلاثة أيام. لم يعد الوقت الذي أشعر فيه بتحسن يسعدني، فقد كنت أخشى ما بعده. سبعة أيام وأنا في ذات الدائرة بين العافية المؤقتة لساعة أو ساعتين والألم المستمر بقية اليوم. لكن الأسوأ الذي أمرّ به الآن، هو تلاحق أنفاسي وضيق وصول الهواء لرئتي، كانت التبخيرة تجعلني أشعر ببعض التحسن، وأضفت لها استنشاق قطع البصل الصغيرة بكل ما أوتيت من قوة. وبسبب فقدان حاسة الشم والتذوق لم أكن أشعر بحرقته إلا عندما تخرج الدموع من عينيًّ. 

اليوم الثامن: مكالمة صباحية من أختي: افتحي الباب، عملت لك "مطيط" وكثرت الثوم، ووضعتها باب الشقة. بكيت دون أشعر لذلك سببًا واضحًا، هل شعوري بالذنب أني لم أخبر أهلي حرصًا عليهم، أم من معرفة أختي كم كنت بحاجة لـ"مطيطها"، وبعد مضي أربعة وعشرين ساعة من استخدام برتوكول الدكتور، بدأت أشعر بفرق حقيقي من زيادة أمد شعوري بالتحسن ومن الحمى التي خفت وطأتها على جسدي.

أثار قرع جرس الباب استغرابي، وتفاجأت من رؤيتي أخي وأولاده يرتدون الكمامات بعد رؤيتهم من العين السحرية للباب. احترت لثواني بين فتح الباب من عدمه، لكني أعرف عناد أخي الذي لن يرضيه تصرفي تجاه صحته وصحة أولاده. فتحت الباب، وابتعدت، وطلبت منهم تعقيم أيديهم، في حين أصر على احتضاني حتى يبعد من رأسي الأوهام، كما يقول. رجوته ألَّا يفعل وتكومت على ذاتي في ركن الصالة، وأنا أبكي حتى لا يقترب مني. تماسكت بعدها حتى لا أزيد قلقه، ورحت أستقبل توبيخه لي وتحذيره في نفس الوقت، ألَّا أفعل ما فعلته مستقبلًا، وترك لي ابنته رغم رجائي ألَّا يفعل حتى لا تصاب بمكروه، لكنه حلف يمين مغلظة وأصر على بقائها. رضخت لبقائها شرط أن يكون ليوم واحد فقط. 

لا أدري إن كان التحسن العام الذي أشعر به نتيجة تفاعل جسمي مع برتوكول الدواء الجديد أم أن روح ابنة أخي الجميلة التي راحت تحلق في أرجاء الشقة، هي سبب رأفة الحمى بي تلك الليلة، والنوم العميق، لأستيقظ في صباح اليوم التالي بجسم تدب في أوصاله بعض العافية عما سبقه من أيام.

اليوم التاسع: رغم خوفي على ابنة أخي التي رفضت المغادرة حتى تطمئن عليَّ، إلا أن وجودها كان يمنحني طاقة أخرى للمقاومة والحركة وتناول الدواء وعمل التبخيرة المعتادة للتنفس. كانت تستخدم حمامًا، وأنا أستخدم الآخر، تستخدم غرفة وأنا أستخدم الأخرى، تدخل المطبخ لتعد لي ما أحتاج، وأدخل بعدها بعد التعقيم لتناول الطعام. وإذا ما التقينا في الصالة مساءً لبعض الوقت لمشاهدة التلفزيون، فبيننا مسافة آمنة. 

استخدمت المغذية الثانية المحقونة ببعض الأدوية لليوم الثاني، مع بقية أدوية البرتوكول وشعرت باستقرار حالتي رغم التحسن البطيء للتنفس. هذا الاستقرار رفع من معنوياتي، وبعث بارقة أمل في ذاتي أني قد تجاوزت الصعب، وأن جسمي يستجيب للأدوية وأن مسألة التعافي الكامل مسألة وقت ليس إلا، وما عليَّ سوى الصبر، وشحذ "شاكرات الطاقة" بذات الوتيرة، والإيمان أن الصعب قد مضى، وأن تجاوز صعوبة التنفس يحتاج لبذل الجهد السابق في المقاومة.

اليوم العاشر: كثفت من تبخيرة القرنفل والنعناع والهُرُد، ورغم شعوري بالتحسن الطفيف عن الأيام الماضية، إلا أن مرور البخار من أنفي كان حارقًا، وهو يشق طريقه للرئة دون أن ينجح في التقدم حتى يصل أعماقها. تحملت تلك النار وفي كل شهيق أشعر بتقدمه عن سابقه، وفي كل تقدم يرتفع سعالي، وما أن يهدأ حتى أعود من جديد. كان التحسن الطفيف يمنحني بعض الأمل والكثير من ضرورة احتمال الألم. استخدمت المغذية الثالثة واستمريت في تناول باقي الأدوية.

لم تقصّر صديقتي في إحضار ما لذ وطاب من الطعام، ولم تقصّر بنت أخي في خدمتي، بدأت أشعر برغبة في تناول الطعام، وأكثرت من الفاكهة خاصة البرتقال والكيوي، والعصائر خاصة الليمون والزنجبيل، المشروبات الساخنة كالهرد واليانسون. ورغم استمرار فقد حاشة الشم والتذوق، إلا أني كنت أشعر بتحسن كبير، وأشهد أن زوج جارتي طبيب الحُميات، خبير وبارع في تخصصه، وكان عليَّ الاتصال بها لشكره والدعاء له بالصحة والعافية، فمثله نادرون.

اليوم الحادي عشر: ما إن فتحت عينيَّ في الساعة السادسة من هذا الصباح، حتى رحت أتحسس جسمي، وأهز رأسي، والسبب شعوري بالعافية الكاملة، غبت في لحظة تأمل للعشرة الأيام الماضية، وهل فعلًا مريت بكل هذا الألم، أم أنني كنت أحلم وللتو صحوت من كابوس؟! أزحت ستارة نافذتي وفتحتها واستنشقت هواء صنعاء النقي في تلك الساعة، وتوجهت للحمام، غسلت وجهي وأسناني، وعند عودتي للغرفة رأيت بنت أخي في الغرفة المجاورة. ابتسمت. إذن لم يكن كابوسًا، بل محنة وابتلاء بمرض، وشعوري بالعافية الكاملة اليوم، دليل تجاوزه والحمد لله على نعمته.

ما زال في العمر بقية، توجهت للبلكونة لتحية أشجاري وسقايتها، ولوضع بعض الحبوب للعصافير التي افتقدت زقزقتها طيلة العشرة الأيام الماضية. قلبت تربة بعض الأشجار وزرعت بعضها. فتحت الإذاعة واستمعت لأغنية منى مرعشلي" لك شوقة عندنا، يا اللي انت مننا"، وكأنها تحكي حالي وحالي أشجاري في تلك اللحظة. وبعدها شدوت مع صوت فيروز وقهوة الصباح حتى لو لم يصلني عبقها السحري الذي أعشقه، أو مذاقها المرّ الذي ينعش خلايا دماغي في كل صباح. أعددت فطورًا مميزًا من الفول والبيض والجبنة والزيتون وخبز الشعير، ولم أتذوق غير البسباس الذي رحت أحفز لساني بحرارته الشديدة لاستعجال عودة حاسة التذوق.

استيقظت بنت أخي ولم تصدق ما رأته، وقالت: "طاقتك الإيجابية يا عمة، كفيلة بهزيمة أي مرض، ما شاء الله عليكم". الأكيد أني في تلك اللحظة كنت بحاجة ماسة لاحتضانها لكني لم أفعل، واكتفينا بتبادل الابتسامات. وبعد مرور سبع ساعات من النشاط، وتناول غداء وصل لباب الشقة من صديق ابني تفننت في طبخه والدته، تناولت الدواء ودخلت غرفتي لأرتاح، ولم تمر ساعة إلا وشعرت بعودة الوخز في كامل مفاصلي بقوة أشد من سابقتها، فزعت؛ فبعد الوخز ستأتي الحمى اللعينة وما عليَّ سوى انتظار هجومها. تكومت على ذاتي في السرير، أحاول إيجاد تفسير لما أمر به! ورغم أن المجهود الذي قمت به كان خفيفًا، إلا أني أنبت نفسي عليه، وأنه كان يجب عليَّ أن أرتاح، فما زلت في أيام المرض، وأن العافية "قراريط" كما يقول المثل.

لم أعد الأيام في حياتي كما فعلت في هذا المرض اللعين، وما إن فتحت عينيَّ في الثامنة صباحًا حتى استبشرت خيرًا، فلم يعد أمامي غير اليوم وغدٍ لتنتهي أيام المرض، كما تفيد أخبار التلفزيون ورسائل الواتس وخبرات من مروا بهذه الجائحة

وعوضًا عن انتظار هجوم الحمى، رحت أنسجم مع وخز المفاصل، وأتتبع زهو تنقله من مفاصل القدمين إلى الركبتين إلى الظهر إلى خلف الرقبة، وبترقب انتظرت وخز أذنيّ وحلقي، وما عليَّ الآن سوى الاستمتاع بألم الوخز وهذه خير وسيلة لعدم الشعور بالألم؛ الاستمتاع به. تذكرت حالات ماضية لآلام تجاوزتها باستمتاع تجربتها، وكان أكثرها حالة الولادة التي تمر بها النساء، مر على مخيلتي لحظات ولادتي، ثلاث ولادات لصِبية هم كل حياتي. كنت أشعر بمتعة في ألمها الذي لا سبيل إلى وصفه، وبأني أمر بمرحلة الخلق الإلهية التي كرم بها الله الأنثى وجعلها مصدر الحياة، لحظات لا تستحق إلا تقديسها، والزهو بها، رغم شدة ألمها الذي يربك الكينونة البشرية من هوله.

الولادة: سمفونية لا تسمعها إلا الأم؛ لأنها صانعتها الحقيقية، تبدأ بإرهاصات ألم صامتة كتلك التي تبدأ بها بعض سمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وشتراوس، يزداد رتمها كنغمات موسيقية متلاحقة، "هارموني" يصعد لذروته، يتبعه ذروة أخرى، نشوة خروج الرأس من رحم الخلق، لحظة لا يمكن إدراكها إلا بجعلها متعة من متع الحياة التي خص بها الله المرأة. تذكرت وتذكرت وتذكرت، ومن التذكر نجاة، وها هي الذكريات الجميلة تمدني بالطاقة والحيوية لأنجو. خف الوخز، لكن دون أن ترافقه الحمى! نمت بعدها بهدوء، واستيقظت وما زلت أشعر بوهن جسمي وروحي معًا.

قالت صديقتي بحزم: لا تكرري ما فعلتيه، والمطلوب منك في هذه الفترة الاهتمام بنفسك وصحتك وتغذيتك، حتى لا تصابي بأي مضاعفات، الحمى التي مررت بها تسحب من الجسد طاقته وحيويته، ولا يتعافى بعدها المرء بسهولة. وفعلًا هذا ما بدأت أستوعبه، وأن الدواء لم يكتمل بعد، وأن مرحلة التعافي والنقاهة مهمة لتلافي أي انتكاسة. 

اليوم الثاني عشر: استيقظت في تمام التاسعة، على غير عادة الأيام الماضية التي كنت أنتظر فيها خيوط الضوء الفضية معلنة بداية النهار. تفقدت حال جسمي، فطاوعني في النهوض والذهاب للحمام بخطوات بطيئة لا ألم فيها، وتفقدت حال تنفسي باستنشاق الهواء أمام النافذة المفتوحة على مصراعيها فلم يخيّب الشهيق ظني ووصل لحد تجاوز منتصف رئتيَّ وهذا أفضل من البارحة. تشجعت لعمل التبخيرة المعتادة، واستنشاقها، وبعد ثلاث محاولات لشهيق طويل دون سعال بينها، اخترق الشهيق الرابع جوفي ووصل لرئتي، وكأنها الحياة تدب في أوصالي من جديد، تبعتها بشهيق خامس وسادس، وفي السابع بدأ دوار رأسي، وشعرت بدوخة فتوقفت. 

حمدت الله على نعمة هذا اليوم التي أمدني بها، غمرني شعور بالسعادة قادني للسرير، وما أن استلقيت حتى عاودت التنفس بهدوء تحت تأثير تبخيرة القرنفل، شهيق واثنان وثلاثة، دار رأسي من جديد، دوخة لا مفر منها إلا بالنوم. باستثناء الوهن العام الذي أشعر به مر اليوم بسلام، دون حمى ودون وخز في المفاصل، ودون ضيق في النفَس. يبدو أني فعلًا نجوت.

اليوم الثالث عشر: لم أعد الأيام في حياتي كما فعلت في هذا المرض اللعين، وما أن فتحت عينيَّ في الثامنة صباحًا حتى استبشرت خيرًا، فلم يعد غير اليوم وغدٍ لتنتهي أيام المرض، كما تشير أخبار التلفزيون ورسائل الواتس وخبرات من مروا بهذه الجائحة. كانت بنت أخي قد ذهبت لجامعتها، وسيفوتها فطور خبز جارتي اللذيذ، الذي وصل ساخنًا مع كأسين من الشاي، ورغم قصر المدة التي مكثتها، ألا أني افتقدت وجودها كحمامة سلام في مملكتي.

مر اليوم بسلام، باستثناء وجع في الأكتاف، فسرته بسوء وضعية نومي، رغم شدته وبُعد أعراضه عن سوء وضعية النوم، إلا أنه تفسير مناسب يبعدني عن التفكير في عودة المرض، ولذلك قضيت بقية اليوم في راحة تامة مستلقية على ظهري، لأتجنب بنهوضي حمل أثقال العالم من على كتفيَّ.

اليوم الرابع عشر: دعوت الله أن يمر اليوم الأخير بسلام حال استيقاظي، ودعوته أن ينجي كل من حولي من هذا المرض الخبيث: أهلي وجيراني وزملاء عملي، وألَّا يفجع قلوبهم وقلبي في أحد. لم أقم بأي مجهود ذهني أو بدني. استمعت لموسيقى هادئة، استرخيت أمام التلفزيون، أقلب القنوات لكن لفترة بسيطة بسبب وجع عينيَّ، أشاهد ولوقت قليل بعض المقاطع عن روايات عالمية أحبها. لا أفتح الواتس إلا للضرورة.

دخلت حجرتي، رددت الستائر، وبقيت في ظلام طيلة اليوم، دخلت شرنقة سكون لتجنب أي أعراض مباغته، واحتمال مرور ما تبقى من ساعات اليوم الذي زاد ترقبي لها من وطأة بطئها. وفي صباح اليوم التالي وجدتني أصرخ في وجهي الشاحب أمام المرآة: "نجوووت".

مر الأسبوع الأول نقاهة، راحة تامة، أكل جيد، شرب عصائر وماء بكثرة. طبقت النصائح بحرفيتها، خوف عودة المرض عالقٌ في ذهني. وفي نهاية الأسبوع وجدتني أفتح أجندة الملاحظات التي كنت أدونها، أفك طلاسم حروفها، وأبني جملها، وأبتسم من إصراري على تدوين هذيان فترة أتمنى ألَّا تعود.

صنعاء، أبريل 2021

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English