أيام أحمد بن علوان ولياليه

"باهوت يفرس"؛ من عالم الناسوت إلى سماء الملكوت
د. أحمد السري
April 26, 2024

أيام أحمد بن علوان ولياليه

"باهوت يفرس"؛ من عالم الناسوت إلى سماء الملكوت
د. أحمد السري
April 26, 2024
.

مع كلّ رواية تاريخية، يثور سؤالٌ عن العلاقة بين الواقعيّ والمتخيل، وقد تباينت الاتجاهات والآراء، وتنوعت مواقف الكتّاب والنقّاد حول الرواية التاريخية حدّ التناقض، ويبقى القاسم المشترك الأبرز هو مطلب الموازنة بين الواقعي والمتخيل، وإلا تشوّه الواقعي وفقدت الرواية جنسها الأدبي، وعندما يتصدى روائي لتسريد سيرة ابن علوان، باهوت يفرس، فإنه يعلم أنه يلج أرضًا وعرة، ويغامر في تسريد شخصية استثنائية ذات أبعاد فكرية وروحية لا يسهل الإحاطة بها في رواية محدودة. وقد اجتهد الراوي في أن يربط بين الماضي والحاضر، لكني لم أستسغ هذا الربط، وسأتجاهله في هذا العرض.

بين الدولة الرسولية والباهوت

فهل قصد أحمد قاسم العريقي في رواية (باهوت يفرس)، عرْضَ تاريخ لابن علوان ولياليه، أو استحضار عصر الدولة الرسولية، أزهى عصور اليمن الوسيط قاطبة، أو هما معًا ضمن رؤية فنية يتم من خلالها تقييم عالم التصوف وصلته بعالم الفقهاء وبالدولة الرسولية الخادمة للعلم والعلماء يومئذٍ، ومن ثم عرض مجتمع القرن السابع الهجري في كلٍّ من تهامة وتعز وعدن؟ هل نجح في الموازنة بين الواقعي والخيالي؟ أم هل شطّ بعيدًا فأخرج شخصية للباهوت، شكّلها وفق تصوره الفني ومراميه، وليس كما وجده في كتب التاريخ أو في كتب ابن علوان ذاته؟ وفي كل الأحوال، يبقى العمل روائيًّا مُغمّسًا بالخيال، وإن مَشَجَه بشخصيات واقعية واستعار إطار الزمن التاريخي ومساره. يستثنى من هذا كل عمل روائي جعل غالب الهمّ إعادةَ ترتيب وقائع تاريخية واقتصر على ضَفْرها في خطٍّ روائيّ مشفوعًا بخيال رقيق قابل للإدراك والفرز، مثل رواية (وقش) لوليد دماج.

وأيًّا كان الجهد المبذول في التنقيب عن شخصية ابن علوان وزمنه، فإنّ رواية واحدة محدودة لن تسعَه، ويبقى للروائي العريقي فضلَ المغامرة والتجريب، وفضل الجهد في إقامة شخصية من مرقدها ومحاورتها وانتقاء باقة فكرية من شجرة العلم العلوانية، تعبر، ولو جزئيًّا، عن عالم ابن علوان الفسيح.

عالَم ابن علوان، عالم حب وروحانيات خالصة، عالمُ قربٍ من الله وأنس في حضرته، على نحوٍ يستعصي إدراكه على أكابر القوم فضلًا عن بُسطائهم، عالم لا يفقهه الخالي من تجربة في عالم الروح، ولا دلفت قدماه يومًا مدارج السالكين إلى رب العالمين.

شرط فهم عالَم ابن علوان أن تكون مُريدًا، أن تنغمس بحبٍّ في أنفاسه وحروف كلماته، أن تخرج من عالم الناسوت، عالم الإنسان الطيني، إلى عالم الملكوت النوراني. شرط فهم عالم ابن علوان أن تكون عاشقًا حدّ الذوبان، إذ العشق والعشق فقط، أكان معرفيًّا أم حسيًّا، هو وحده القادر على غمر المريد بنشوة الوجد، ليصير فراشةً طائفة حول مركز النور البهي، ويتحد بمدار شيخه السرمدي مردِّدًا أوراده، مُسبِّحًا معه في فلك الوجد بالله. 

الكتابة عن ابن علوان تقتضي الحلول في روحه والتغلغل في مسامات عقله، ليمكن الإنصات إلى حديث قلبه مع الله، إلى عشق استثنائي الروعة، يطير بصاحبه عبر أوراد التهجد والتسبيح إلى عالم البهجة الخالصة، عالم الأنوار الروحية والأنس بالقرب من الله.

عالم ابن علوان، عالم متسع شاسع، أصله ثابت وفرعه في السماء، ولا تقبل السياحة فيه إلا من مُتلهف لمعرفة دروب عالمه ونفائسه العقلية، مُنفتح القلب ليستمتع بالواردات الإلهية بشغف عميق لا يخالطه خوف الصدود ولا قفل أبواب السعي إليه.

لعلها روح ابن علوان السارية في المكان، هي التي ألهمته اختراع شخصيات لا يعرفها التاريخ، أو إضافة حوادث وحوارات لشخصيات تاريخية ليعزز بها ما رآه مفقودًا في سيرة الباهوت.

من الناسوت إلى الملكوت

فهل دخل الروائي أحمد قاسم العريقي، عالمَ ابن علوان؟ هل تحسس حقًّا دنياه وخباياها؟ هل كشف له الباهوت سِرَّه، وأعاره لسانه ووجدانه، وهو يرى عاشقًا يقف على قبره، باحثًا عن زمنه الرسولي ليعرف كيف ظهر ابن علوان في عالم الناسوت أولًا، وكيف خرج منه بعلمٍ إلى عالم الملكوت، وصار قِبلةً تعلم معنى الإيمان ومعنى القرب من الله.

وعندما يتصدَّى مؤرخ لتقديم عرض نقديّ لرواية تاريخية، فإنّ عينه مجبرة على فرز الواقعي عن المتخيل ومراقبة حالات المزج بينهما، وهل أدّى ذلك إلى إنتاج عمل إبداعي متوازن يضمن الانسجام البديع بين صحة المعلومة التاريخية ومتعة الفن السردي؟ في الرواية ما يمكن استدراكه من الناحية التاريخية، لولا أنّها في الخلاصة رواية لها مسارها الفني ولا تُحاكم بمنهج علم التاريخ وأدواته.

عرضت الرواية لحياة ابن علوان، في عائلة كريمة مترفة، وصوّرته نابهًا مُصغيًا للقرآن وهو بعدُ ما يزال جنينًا في بطن أمه، ورافقت سنوات صباه وشبابه ببعض الحوادث المثيرة للدهشة والاستغراب، وجعلت عابر سبيل غامضًا يعلن نبوءة أمام أمّه، جوزة بنت الأهدل التهامية، تتوقع للفتى أحمد مستقبلًا علميًّا باهرًا يجعله أكثر حضورًا عند الناس من حكّام عصره. يشبّ الفتى أحمد ويبدأ تلقي العلوم في تهامة وجهات ذُبحان في المعافر وفي جبا حاضرة المعافر يومها ومركزها العلمي، يطّلع على كتب الفقهاء والصوفية، ويرى روحه توّاقة لعالم الصفاء والنقاء عالم الروح، عالم التصوف والقرب من الله. يدخل في عراك مع الفقهاء، وهو عراك مشهور ومتواتر عبر القرون، عنوانه "العلاقة بين الشريعة والحقيقة"، وتتم المناظرات العلمية حول القضايا الخلافية المشهورة أيضًا. يقطف العريقي من دوحة ابن علوان الفكرية ما دنى منه، في مواجهة خصومه، ومن خلال تلك القطوف الدانية، يتكشف مكنون عقل ابن علوان حول عالم الروح، وتتضح متانة حججه، وعمق صلته بالله.

رأى العريقي، إذ يتصفح كتب التاريخ، أنّها لا تقدّم سِيَرًا مكتملة تشبع الفضول المعرفي وتعين على استعادة وافية لأيام الباهوت ولياليه، فكان عليه أن يملأ الفجوات التاريخية من عنده، وقد ملأها مستعينًا بروح الزمن ونبضه المعرفي، لعلها روح ابن علوان السارية في المكان هي التي ألهمته اختراع شخصيات لا يعرفها التاريخ، أو إضافة حوادث وحوارات لشخصيات تاريخية ليعزز بها ما رآه مفقودًا في "الباهوت".

الأمّ جوزة مثلًا، هي أمّ ابن علوان فعلًا، لكن معظم ما نُسب إليها في الرواية من قول أو فعل متخيل. "حُسن"، المعذَّبة بحبِّها لابن علوان، شخصية مختلقة بالكامل، وهي من أجمل شخصيات الرواية، غير أنّ الكاتب ظلمها جدًّا، وغيَّبَها سريعًا عن مسرح الأحداث، ومن خلالها نزع جزئيًّا بعض البهاء عن صورة ابن علوان بجعله قاسيَ القلب، مُعرضًا باستكبار عن حب حسن الجميلة (وسنعود إليها). حنتش، شخصية مختلقة، هو الآخر، سدّ بها الروائيُّ العريقي فراغَ تفاصيل الخصومة بين الفقهاء والصوفية، وقد كان له دور كاشف ومفيد، لولا أن حنتش ذهب بعيدًا في الخصومة حدّ استعداده ليكون أداة "المجمع الفقهي المتآمر" للتخلص من ابن علوان بالسم. هذه المعلومة تحديدًا، أراها خدشت جمال الموازنة بين الواقعي والمتخيل، تجاوزت حدّ إكمال الفراغ، وغامرت في تغيير صورة واقعية لصالح خيالٍ يخشى أن يتسلل إلى الوعي ويستقر فيه وكأنه واقع تاريخي.

تمكّن الكاتب من انتقاء أبرز الأفكار التي كانت موضع خصومات ومناظرات، وما تزال ممتدة إلى اليوم، ومنها فكرة الحلول، ومزاعم إسقاط التكاليف، والموقف من الغناء والرقص، وطبيعة المعرفة.

توديع الزائر المعاصر

ويبدو أنّ باهوت يفرس لم يشأ أن يودع زائره المعاصر، الروائي العريقي خُلْوًا من لمسة روحية، فمنحه بركاتٍ خاصة مكّنته من استحضار لغة زمن بعيد، فجرى بها قلمه ورسم بها سيرته. خرج العريقي من زمنه اللغوي ودخل عالم القرن السابع الهجري، انغمس في صِيَغِه ومفرداته وأشعاره وأشواقه الروحية، فنطَّق شخوص روايته لغة عتيقة جزلة، جعلت روائح زمن ابن علوان الفكرية تفوح ممزوجة بألق الروحانيات وأريجها المنعش. طبق لُغويّ عتيق قدّمه العريقي مُزينًا بقطوف من دوحة ابن علوان الفكرية وشَّى بها سيرته، واقتصر على الدالِّ منها والكاشف لعقل ابن علوان ومشاغل زمنه الفكرية، وخصوماته مع الفقهاء، تمكن العريقي محفوفًا بكرامات ابن علوان من انتقاء أبرز الأفكار التي كانت موضع خصومات ومناظرات، وما تزال ممتدة إلى اليوم، ومنها فكرة الحلول، ومزاعم إسقاط التكاليف، والموقف من الغناء والرقص، وطبيعة المعرفة وكيف تحصل؛ أَبِالاكتسابِ أم بالتجلي والإشراق، الموقف من الأولياء والكرامات، رؤية الله، وصفات الله وتجلياتها في محبيه وأوليائه.

أفكار خلافية امتنع عقل "المجمع الفقهي" عن استساغتها، فبقيت بصائرهم عَصِيّةً على الاستنارة والفَهم، بقيت في حواف العقل مشوشةً مُلغِزة، تحرض على الخصومات والاتهامات بالزندقة والمروق، وما تزال تلك الأفكار تحتاج إلى عقول متأملة متسائلة، منفلتة عن عالم الطين (عالم الناسوت) لتشرئب نحو السماء (عالم اللاهوت) فتفهم، أما من انحبست روحه في عالم الناسوت، وانغرست قدماه في طين الأرض، فإنّ عقله يطاله من ذلك الطين نصيبًا ويمتنع عن السمو والتألق في سماء الفكر، مهما شرح ابن علوان وفصَّل.

وظهر ما اقتُبِس من كلام ابن علوان، الطالع من عقل متأمل والمتبل بمخاضات روحية ومعرفية، كأنه بساط معرفي محكم الصنع لمن أراد قربًا حقيقيًّا من الله، وشرطه أن يُخْلي قلبه من حبّ الدنيا وجهالات أهلها، عليه أن يضع قلبه طاهرًا من أرجاس الدنيا في عتبات الصوفية النقية، الخالية من الدروشات والتخريف، ليرتقي المعراج الروحي الذي نصبه ابن علوان في زمنه ويصعد عبره نحو الملكوت ويسمو بنفسه وروحه عن عالم الطين، ليكون جزءًا من عالم الحقيقة وألق الحرية. هناك في الأعالي تتجلى ثمرات التجربة الروحية، ومن هناك فقط يمكن للقلب أن يملي أجمل الكلام وإن تَطَلْسم على من بقي بقلبه وعقله في عالم الناسوت.

وسيقف القارئ للرواية على محطات كثيرة لا تقر بالخرافات المتداولة وتدحضها، وتقدّم بدلًا من ذلك شرحًا واقعيًّا لأسباب شفاء العلل على يد الباهوت، وتجعل الكرامات الخارقة ترد على لسان حَطَّاب مسكين لبيان أنّ العامة هم رعاة الخرافات في كل مكان وآن لعجزهم عن فهم الأحوال المشاهدة بعقل فاحص. وبالمقابل، ثمة محطات أخرى يصور فيها الباهوت واقفًا بقدميه على سطح الماء، وأنه يغيب ويحضر في لحظات، وأكثر من ذلك، يقدم الشرح المقنع من الباهوت، وكيف أنّ هذه الأحوال ممكنة ومعقولة، وأنها تجليات لصفات الله في الإنسان، وهي محطات للتأمل والتفكير تشحذ عقل القارئ وتختبر قدراته النقدية.

شخصية حُسْن التي اخترعها المؤلف، تستحق التوقف عندها؛ ابنة الجيران الفقيرة، نبت في أحشائها مع الزمن حب أحمد، فأخذ ينمو معها وهي تراقب معشوقها، زينة شباب قرية ذي الجنان في يُفرس.

الحاجة إلى اليقظة الحادّة

بذل العريقي جهدًا جبّارًا ليعيد إنتاج زمن الباهوت بسياساته وتبدلات قواه، بفقهائه التقليديين وعلمائه المستنيرين.

ويحتاج القراء إلى يقظة حادّة عند قراءة الرواية، يقظة قد تفسد جمال الاسترسال وتتبع صور الشخصيات المستحضرة ووقائعها، لكنها قراءة توقفك أولًا أمام ما بذل المؤلف من جهد في التعرف على زمن الدولة الرسولية وأحداثه السياسية ومدارسه العلمية ومشاغله الفكرية.

ولنلتفت الآن إلى أبرز شخصيتين في الرواية، ونراقبهما عن كثب، وهما: حُسْن، وحنتش.

حُسْن المعذبة

شخصية حُسْن التي اخترعها المؤلف، شخصية لافتة، تستحق التوقف عندها، حُسن ابنة الجيران الفقيرة التي كانت تستدعى لبيت علوان لإعانة جوزة في أعمال البيت، نبت في أحشائها مع الزمن حب أحمد، فأخذ ينمو معها وهي تراقب معشوقها، زينة شباب قرية ذي الجنان في يُفرس، حتى إذا تفتحت أزهار أنوثتها وبرز أمام ناظريها شباب أحمد متوهجًا، شغفت به حبًّا. أخذت تحتال بعقلها الصغير كي تراه وتلقاه وتُعينه على حمل ما يشتري من كتب، بل وتمثّل الإغماء كي يحملها الباهوت بين ذراعيه فتذوب هناك كما قالت، ثم يضعها على السرير ويرش عليها الماء، لكن الراوي كان قاسيًا معها؛ جعل قلب ابن علوان مُعرِضًا عنها، مُفضلًا عليها ابنة عمه حفصة، كسر قلبها لحظة مصارحتها له بحبها، أعرض عنها ودعا الله "أن يشفي قلبها من حبه". حسن وردةٌ نضرة في الرواية، أنطقها الراوي بأجمل الكلام وأعذبه، وكله منذور لحبيبها أحمد، لا ينكسر قلبها فقط، بل تذهب القسوة بالراوي بعيدًا، فجعل حسن تتبتل في حياتها، وتلتفت إلى ما يلتفت إليه ابن علوان من حب الله، تُعرض عن الزواج ويُصوِّرها الراوي منصرفة عن لذائذ الدنيا إلى لذائذ الحب الإلهي، صحيح أنّه يرسمها وقد زاد علمها وتطور وصارت فقيهة ولها زاويتها العلمية الخاصة، وكلما قَدِم إليها خاطب صدته، محتجة بانشغالها بحب الله بعد أن دعا لها ابن علوان أن تنتقل من حب العباد إلى حب رب العباد، لكنها تغيب سريعًا عن المشهد وكأنها لم تكن.

حسن الفتاة الصغيرة العاشقة المتفانية في خدمة أم الباهوت، الحالمة أن تكون زوجة لمن تهوى كما تحلم كل الفتيات، جعلها الكاتب قديسة متبتلة، رغم أن التبتل (الامتناع الطوعي عن الزواج) ليس مما يقتضيه الدِّين ولا التصوف، فالباهوت نفسه تزوج ابنة عمه وأنجب منها، فلما تُوفِّيت بعد عام، خطبت له أمه حسن، بموافقته قطعًا، لكنها رفضت، ليس انتقامًا من رفضه الأول لها كما سنظن، ولها الحق إن فعلت، لكنها ترفض لأنّها ترى لذائذ الدنيا باهتة أمام لذائذ أخرى تتذوقها من خلال عشق الله، مع أنّ الباهوت لا يبقى متبتلًا بل يسعى للزواج بأخرى وينجب أيضًا. فإن كان ابن علوان هو معلمها وقدوتها في حب الله، فلِمَ لا يصير قدوتها في التمتع بطيبات الحياة الدنيا أيضًا. تنكسر العلاقة بين الاثنين بعد زواج ابن علوان من ابنة عمه، ولا نرى بعد ذلك لهما لقاءً قطّ، لا على المستوى العلمي ولا الاجتماعي، تنكفئ شخصية حُسْن الجميلة المعذَّبة بعشقها، وتغيب عن الرواية تلك اللغة الفواحة بالعشق والعذوبة، ينكسر قلبها بعنف ولا يتلملم بعدُ قط إلا في بساط المعشوق الأعلى، من ستجد عنده عافية من عشقها لابن علوان.

حسن، شخصية مختلقة، نعم، لكن المؤلف نجح في أن يُصوِّرَها لنا بلغة حب غير مألوفة، بوح مشاعرها الحالمة والمتأرجحة، بدا كأرق وأجمل ما يكون الوصف والبوح، يذكّر بما قال المتنبي يومًا:

    وأحلى الهوى ما شكّ في الوصلِ ربُّه     وفي الهجرِ فهو الدَّهرَ يرجو ويتقي

تنكفئ حسن وتتبتل في زاويتها الروحانية، ولا تظهر ثانية إلا مُعزية بموت ابن علوان. لقد كان العريقي قاسيًا مع حسن، وآلمني ذلك جدًّا، بل رأيتها في المنام تتوجع وتشكو.

حنتش المتآمر

أما الشخصية المختلقة الثانية التي تستدعي التوقف عندها، هو حنتش، هذه الشخصية اختلقها الراوي لتؤدّي دورًا مهمًّا في عرض طبيعة الخصومات بين الفقهاء والمتصوفة، وقد رافق مناظراتهم، وصُوِّر كارهًا للمتصوفة، عضوًا في مجمع فقهي سري مهمته مجابهة المتصوفة وإبراز عيوب أفكارهم والوشاية بهم عند الحكام كي ينقطع أيّ سند سياسي لهم، بل يصل بهم الأمر إلى التآمر لاغتيال من يرونه خطرًا على الدين من وجهة نظرهم، مثل محاولة اغتيال الصوفي المقدسي وانكشاف الأمر. حنتش هذا وقد رأى عبر المناظرات الفقهية مقدرة الباهوت الفكرية على الإقناع، يزداد غيضًا منه وكرهًا له، فيرشحه المجمع العلمي لتنفيذ اغتيال الباهوت، فيتظاهر أنّه أحد المريدين وينخرط في رباطه ويقترب من ابن علوان ويتعرف عليه ويرى حُسْن معاملته هو وكل المريدين، لا يتأثر بحسن المعاملة بل يترقب الفرصة لقتل ابن علوان بخنجر مسموم أو بدس السم له، ويتمكن من دس السم أخيرًا لابن علوان، ويصور بعدها نادمًا، وتمضي سنة ولا يظهر للسم أثر. يترك الراوي القارئ هنا متقلبًا بين فكرتين؛ فكرة تغلُّب ابن علوان على السُّمّ بكراماته وروحانيته، وفكرة أنه سقط ميتًا بالسم بعد عام كما يسقط أيُّ إنسان آخر.

بعد عام وزيادة، يعتل ابن علوان ويقذف فمه دمًا من جوفه ويموت موتة أرضية قاسية لا روحانية فيها ولا حُسن ختام. هل أراد العريقي بهذا الغموض المرمَّز تعرية أوهام القداسة وكراماتها؟ هل يريد استعادة صورة الإنسان الأرضي وكشف زيف الروحانيات المُدّعاة، وأن لا شيء في الإنسان سوى الإنسان من لحم ودم؟

والباعث على هذه الأسئلة هو أن شخصية حنتش أدّت بنجاح دورها المتعلق بعرض الخصومات بين الفقهاء والمتصوفة، لكن فكرة اغتيال ابن علوان وتسميمه ليست في أي كتاب من كتب التاريخ، ويخشى، والحال هذه، أن تُصدَّق حكاية التسميم التي اخترعها الكاتب لبيان حقد خصوم ابن علوان عليه، وقد لزم التنبيه هنا إلى خطورة مثل هذه الإضافات؛ فالشحصية مختلقة والتسميم من الخيال، لقد مات ابن علوان ميتة طبيعية وكان محاطًا بمريديه، ومحبوه كثرٌ، وعلاقته بسلاطين بني رسول ممتازة، ولم يكن لقصيدة الشباب التي دعا بها السلطان الرسولي عمر بن علي ليهتم بالرعية في سنوات الجفاف أثرٌ على السلاطين من بعده.

وفي الختام، كل التحية والتقدير للجهد المبذول في هذه الرواية وللمغامرة في استعمال شخصيات مؤثرة في التاريخ، وتقديمها في ثوب روائي تذكر بها وبزمنها، وتحفز أهل الفضول المعرفي للقراءة، للتعرف أكثر على شخصية الباهوت الواقعية، وعلى الزمن الرسولي البهي، الذي ظهر فيه ابن علوان وحشدٌ من العلماء الذين أثْرَوا المكتبة اليمنية والإسلامية بمؤلفات ما يزال معظمها ينتظر التحقيق والإخراج.

•••
د. أحمد السري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English