خطاب سرد التخييل التاريخي

مقاربة نقدية في رواية "وقش.. هجرة الشمس"
عبدالرقيب الوصابي
June 30, 2020

خطاب سرد التخييل التاريخي

مقاربة نقدية في رواية "وقش.. هجرة الشمس"
عبدالرقيب الوصابي
June 30, 2020

في هذه المقاربة النقدية التي تحاول سبر أغوار وأعماق رواية “وقش.. هجرة الشمس” للروائي وليد دماج، وقبل بدء الغوص ينبغي أن نعرف أن هذه الرواية/ الذاكرة، تقوم على استراتيجية المتواليات السردية المتواشجة، أي أنها تتطلب قارئاً نوعياً ذا ارتباط وثيق بالتاريخ، ينماز بسرعة البديهة وقوة الربط في الآن ذاته. تذويب يحتكّ فيه المتن التاريخي بفضاء المخيلة، أو لنقل بصياغة أدق، يتجلى الإبداع السردي وفق استراتيجة سرد التخييل التاريخي. أي أن رواية “وقش.. هجرة الشمس”، هي بالأصح رواية داخل رواية، أو رواية وراء رواية، يعتمد فيها المؤلف على الحفر الأنثربولوجي، ويجمع عشرات الشخصيات التاريخية يستنطقها ويشظّي صوته عبرها في استعانة بشذرات التاريخ النادرة عن طائفة دينية عقلانية مستنيرة في تاريخ اليمن القديم هي “المُطرّفية”.

 يستثمر المؤلف مادة التاريخ منطلقاً لعمله الإبداعي التخيلي، ويقدمه لنا بوصفه مادة إبداعية تخيلية، خلفيتها التاريخ، ومنطلقات نسيج متنها السردي الثيمة التاريخانية والزمكانية، مستعيناً ببعض ما تيسر له من إشارات متناثرة ورقوق وأطراس ومخطوطات تم الحفاظ عليها في خزانات بعض الأسر العلمية في أقاصي اليمن، بعيداً عن أنظار التسلّط والطغيان السياسي، بقصد تشييد فضاء روائي محفوف بالتشويق والمكاره والإسقاطات والمصاعب.

 وهكذا، فقد كتبت هذه الرواية بموازاة منهج ما وراء السرد- Meta-Narration وبما أن الرواية هي مزيج ما بين التناول التاريخي والتخيل التاريخاني؛ فإن تناولنا لأبعادها الفنية يأتي من هذا المنطلق. فالمؤلف يعيد إنتاج التاريخ وإضفاء ظلاله على شخصيات الرواية وأحداثها وطريقة سردها، وهذا نوع من سرد ما بعد حداثي، أي ما بعد الروي.

البناء الروائي.. اللغة الروائية

تتجلى اللغة المعتمدة في بناء الرواية عبر تمظهراتها وتشكّلاتها، لغة تراثية معجمية فصيحة، تحمل في سياقاتها روح الزمن التاريخي، كما تسهم بإحالاتها وإيحاءاتها في إنتاج خطاب المناظرات والمراسلات، وتخدم -في التوقيت ذاته- بإيصال ما يضمره المؤلف من موقف أخلاقي وفكري يتمثل في كشف الغطاء عن مظلومية “المُطرّفية”، واستنطاق المسكوت عنه والمضمر في هامش مدونات التاريخ، والرغبة الواعية في فضح وكشف جرائم الحاكم: عبدالله بن حمزة، وتزييفه الحقائق والشواهد عبر لغة معجمية تسهم –بجلاء- في تفكيك التاريخ والحاضر ثقافياً وسياسياً واجتماعياً في آن، تفكيكاً يمكّننا من إعادة قراءة التراث والتعرف على مواضع التأزم والتناحر وصراع الأفكار الدامي على مر التاريخ اليمني.

فضاءات السرد

تخلّى سرد الأحداث في متن الرواية عن تقنيات السرد التقليدي وواحدية الصوت، وعمل –باقتدار- على جعل الأزمنة والفضاءات متواشجة مع بعضها من خلال الاهتمام بالتعدد اللغوي في أصوات السرد. كما اعتمدت البنية السردية في متن الرواية على خلخلة بناء السرد، والعمل على إفقاده التسلسل المنطقي والتتابع المعتاد. ويتجلى ذلك من خلال الحوار بشقّيه الداخلي والخارجي، وصياغة المناظرات العلمية المتعددة بين “المطرفية” من جهة، ومناوئيها “المخترعة والحسينية والإسماعيلة” من جهة أخرى، وأنسنة الأمكنة واستنطاقها (سناع– مدّ- وقش- جامع الشمس… إلخ) في النص الروائي، والإبانة عن أهداف الشخوص ومقاصدها، وإسقاط أحداث الحاضر على شواهد التاريخ في انعكاس مرآوي، وهو ما يجعل المتلقي في حالة ارتباك وقلق يتطلّبان منه شدة التركيز، وقوة الربط، وردّ الحدث اللاحق على السابق، حتى يتسنى له الإحاطة بمعالم العمل الروائي.

كما وظّفت الرواية قوالب وتقنيات جديدة داخل السرد الروائي، مثل ارتداء أقنعة التاريخ، أو إعادة تشخيص الصراعات والمكائد داخل المجتمع وطوائفه الدينية، وتقديم ذلك بلغة فصيحة معبّرة تمتزج من خلالها الأجناس السردية، كما يتم استحضار الأبعاد المعرفية والفلسفية بداخلها كهامش توضيحي يوازي المتن الروائي.

المكان الروائي

من المعلوم أن الأحداث في أية رواية لا تتم إلَّا عبر مكان وزمان هما بيئة العمل الروائي. وتأكيداً على الحقيقة ذاتها، فإن السرد في رواية “وقش” يعتمد اعتماداً كلياً وأساسياً على هذين الركنين.

أحداث الرواية المتتابعة تعكس دور علماءالطائفة “المطرفية” في معالجة المشكلات الاجتماعية المتمثلة في إلغاء الطبقية والاعتناء بالإنسان

فالمكان في الرواية ليس شرطاً أن يكون هو ذاته المكان في الواقع، بل على الأرجح هو المكان اللفظي “التخييلي”؛ بمعنى أدقّ، هو المكان الذي ترسمه وتصنعه اللغة، استجابة لمقاصد التخيّل الروائي، هو متعدد في الرواية، فالنص الروائي يخلق عن طريق الكلمات مكاناً رئيساً هو هجرة “وقش”، وأمكنة خيالية أخرى متعددة تعاضد السرد وتشد من أزر الحبكة (سناع- الجامع الكبير- صعدة- حجة- بهمان- حضرموت- مكة- القاهرة)، أي أن ثمة أماكن تتعدد بتعدد الرواة أنفسهم وتحولاتهم. إذن فالمكان يتعدد تعدداً له أنساقه الخاصة وأبعاده المميزة.

وهنا ينبغي التأكيد على أن رواية “وقش.. هجرة الشمس” تحاول تشييد المكان وفق الرؤية الروائية الخاصة بالنص، وهنا لا يتجلّى المكان الروائي مجرد ديكور بل هو الفضاء المتسع الذي تزدحم فيه شبكة من العلاقات “شديدة التعقيد” من خلال وجهات نظر الشخصيات الروائية، وهي وجهات نظر متباينة، شخصيات تعاضد “المطرفية” وتؤيد أفكارها وتناصرها، فاضحة أساليب الطغاة وحيلهم ودسائسهم، وبهذا تنعكس علاقتها بالمكان لنراها علاقة حميمية، ثم تلوح شخصيات أخرى تتبنى الموقف المضاد/ المعادي لـ”المطرفية” والناقمة عليها، فتنظر للمكان من زاوية أخرى.

الزمان الروائي

يجد القارئ في رواية “وقش”، أزمنة متعددة ذات ميزات متنوعة، إذ إن المؤلف اعتمد بناءها دائرياً، موظفاً الزمن الاسترجاعي لتكون البداية من نهاية الأحداث. إذ يظهر “السفاح” عبدالله بن حمزة يعاني آلام الموت، وكأن جهنم تتّقد في أحشائه وتفتّ أوصاله، فلا يجد طبيباً يسكّن ألمه، وأنّى له ذلك؟ وهو الذي طمس آثار العلم وقتل علماء “المطرفية” وأطباءها، ويصور المشهد موت “السفاح” مراراً وتكراراً وكأنه يموت بعدد الأرواح البريئة التي أزهقها.

كما يتجلى زمن الكتابة، الزمن الذي تدور فيه الأحداث المُتخيلة، وهو يمثل الحاضر وما ينجم عنه من استدعاءات ومقايسات وإسقاطات مع التاريخ، وهناك زمن القراءة. وليس بخافٍ الزمن الداخلي للمتن الروائي، وهو الزمن الممتد من القرن الرابع والخامس والسادس الهجري، وهو الزمن “المُطرّفي” بامتياز. وهناك الزمن الذي تستغرقه الأحداث؛ فزمن الأحداث قد يكون زمناً استطرادياً، الآن وأمس وغداً. وهناك الزمن المتقطع الذي يتقدم بأحداث الرواية ثم يتراجع لغاية، وإضاءة التفاصيل المطمورة من زوايا متعددة.

أي أن الأحداث في الرواية المتواشجة تتّسم بالزمانية والزمن، وتتصف -في الآن ذاته- بالتاريخية. فالزمن المتعدد في الرواية والتاريخ هما شيء واحد، ولكن دون أن تغلف الأحداث المعالجات الاجتماعية والجمالية، فأحداث الرواية المتتابعة تعكس دور علماء الطائفة “المطرفية” في معالجة المشكلات الاجتماعية المتمثلة في إلغاء الطبقية والاعتناء بالإنسان، فنجد الإسكافي معتزاً بنفسه لا يرتضي الذل والهوان، ونلمح صفية بنت “المُزَيِّن” (المزين من يعمل في مهن كالحلاقة والختانة) وقد نالت المشيخة الكبرى، وتتصدر للرد على “السفاح” وتفنيد زيفه وأباطيله.

الحبكة

يدل مصطلح “الحبكة” على “تخطيط أو حبك شيء على نحو مقصود ومخطط، وهو ما يفعله الروائي الذي يحبك خيوط العمل الروائي ليوصل القارئ إلى نتيجة ما” (1).

وهي سلسلة الحوادث التي تجري في الرواية متصلة ومرتبطة برابط السببية فيما بينها، ولا تنفصل عن الشخصيات أبداً، فإن الروائي يعرض علينا شخصياته دائماً وهي متفاعلة مع الحوادث، متأثرة بها، ولا يفصلها عنها بوجه من الوجوه (2). وهي الطريقة التي يتم بها سرد الأحداث، ويقع التأكيد فيها على الأسباب والنتائج من خلال:

أ/ العرض:

ويقصد به بداية الرواية، حيث يقدم الروائي المعلومات الضرورية عن الشخصيات والبيئة التي تجري فيها الأحداث، ويتجلى في بزوغ نجم “المطرفية” وتأسيس “الهِجَر” العلمية الخاصة بها (جمع هجرة وهو المكان الذي كان يخصص للتعليم في اليمن حينها)، في مناطق متعددة (سناع-وقش- بهمان- قاعة– مدر)، وإقبال طلاب العلم والمريدين، وقيام علماء “المطرفية” بتعليم كل شرائح المجتمع أمور دينهم والعلوم الدنيوية الأخرى، بعيداً عن مظاهر الكراهية والتعصب، وتقويض فكرة الطبقية.

يستدعي المؤلف أكثر شخصيات روايته من مدونة التاريخ، قاصداً بذلك إضاءة جوانب هذه الفترة الزمنية من القرن الرابع الهجري حتى القرن السادس الهجري

ب/ الحدث الصاعد:

حيث تظهر فيه أسباب الخلاف أو الأزمة، فتبدأ العقدة بالصعود والتطور ببطء. ويتمثل “الحدث الصاعد” في انتشار “المطرفية”، وعقد المناظرات العلمية مع الطوائف المناوئة كـ”المخترعة” و”الحسينية”، وبروز تفوق الأولى ونبوغ منتسبيها في الحجاج والجدال بالدليل والحجج العقلية والنقلية الواضحة. ولعل من أهم الأفكار التي تنادوا بها أن الله أوجد العناصر الأربعة: الماء، والنار، والهواء، والتراب، في حين جاءت المخلوقات بعد ذلك نتيجة تفاعل هذه العناصر مع بعضها، بالإحالة والاستحالة والأعراض والتكاثر، وآراء أخرى تتعلق بالأرزاق والأجل والذرّية والإرادة، وتقديم تفسير علمي لهطول المطر، وكذلك تبرير موت الأطفال علمياً. غير أن تبني علماء “المطرفية” للرأي القائل بإجازة الإمامة في غير آل البيت، وعدم الاشتراط بأن يكون الإمام من البطنين، هو ما أغاظ خصوم “المطرفية” بشكل خاص، وتصنيفهم كخصوم مارقين عن الدين وأعداء للإماميين في الوقت نفسه.

ج/ الذروة:

وتعني النقطة التي تتأزم فيها الأحداث فتصل العقدة إلى أقصى درجات التكثيف والتوتر، وتتمثل بإشعال فتيل الصراع بين القحطانيين والعدنانين، وخلع أئمة من الهاشميين، وخروج نشوان بن سعيد الحميري ثائراً قولاً وفعلاً، ومنابذاً للأفكار العنصرية، وتأليفه لـ”الدامغة”، وإعلان استحقاقه للإمامة، وقيام الأئمة في المقابل بالتحريض على الهِجَر المطرّفية، ونشر الكراهية، وتلفيق الأكاذيب، والقول بكفرهم ومخالفتهم لما يقارب 473 آية محكمة من القرآن الكريم، ولعل التشويه التحريضي الذي انبرى له جعفر بن عبدالسلام وعبدالله بن حمزة في مجتمع مغلق كاليمن، هو ما سهّل إبادة “المطرفية” واستئصالهم من الناحية المعرفية.

د/ الحدث النازل:

وهو الحدث الذي يعقب الذروة حيث يخفّ التوتر رويداً رويداً، ويشعر القارئ بانتهاء الذروة تمهيداً للحل، ويتمثل في الرواية بقبول “المطرفية” -على مضض- بإمامة عبدالله بن حمزة، كمحاولة لتهدئة حدة الصراع، ولكن الأمر لم يستمر طويلاً، إذ خلعت “المطرفية” إمامة بن حمزة، وأوضحت لليمانيين مظاهر طغيانه واستبداده، وتجاوزه للأعراف والاشتراطات التي لا بد من توفرها في إمام الزمان، وهو ما جعل عبدالله بن حمزة يتحين الفرص للإطاحة بـ”المطرفية” هجرة هجرة، ابتداء بـ”هجرة بهمان” في نهم و”هجرة قاعة”، والتحريض المتواصل على بقية رموز “المطرفية” في منطقة “وقش”.

و/ الحل والخاتمة:

ويقصد به القسم الأخير من العقدة، وفيه تأتي النتيجة التي ستنتهي إليها أزمة الرواية، وتمثل في بطش عبدالله بن حمزة بالمطرفية وإبادة علمائها، وسبي نسائها، وإحراق جامع الشمس وكل تراثها الفكري والمعرفي. ليس هذا وحسب، بل وانتهاك الإنسانية في صور لا يقرّها عقل ولا دين، اتضحت في اغتصاب النساء والعجائز وسحل العلماء، والتمثيل بأجسادهم، وارتضاء المطرفية -بكل يقين- ما حل بهم ونزل بساحتهم، مشفوعاً بتنزيههم المطلق لله عما حدث لهم، كبرهان ناصع للأفكار التي آمنوا بها وكرسوا لها حياتهم.

الشخصيات

يوظف وليد دماج في روايته “وقش.. هجرة الشمس” شخصياتها توظيفاً محكماً؛ فنجده يستدعي أكثر شخصيات روايته من مدونة التاريخ، قاصداً بذلك إضاءة جوانب هذه الفترة الزمنية من القرن الرابع الهجري حتى القرن السادس الهجري، باحثاً عن خيوط أو إشارات في مدونة التاريخ ذاته، تكون ذات صلة بالطائفة “المطرفية”، هذه الفرقة المغيّبة –عمداً- والحفر الجاد والواعي للتعرف على أهم مآثر علمائها وأفكارهم، وصولاً إلى تسليط الضوء على أبرز إسهاماتهم المعرفية، وهو الهم المعرفي الذي دفع به للسعي وراء استنطاق المسكوت عنه، وتجميع الشذرات والإشارات التاريخية هنا وهناك، ابتغاء معرفة حجم التشويه والدسائس والجرائم والانتهاكات الإنسانية التي لحقت بهذه الطائفة. ليس هذا فحسب، بل والإشارة إلى حجم الخسائر التي أصيبت بها “ذاكرة اليمن/ المعرفي” جراء إتلاف الموروث الثقافي والفكري والعقلاني الخاص بـ”المطرفية”.

تتجلى عبر الحوارات الداخلية والخارجية للرواية، أفكار ونقاشات، وظفها الكاتب بإتقان مدهش وثراء معرفي متماسك، تنمو معه الأفكار وتتعايش داخل نسيج الرواية المنتظم بقوتين مختلفين تعملان في الطبيعة: الحب والكره

تحضر في الرواية شخصيات تاريخية كـ”مطرف بن شهاب- أحمد بن سليمان- نشوان بن سعيد الحميري- علي بن أبي رزين- السفاح عبدالله بن حمزة… إلخ”، وتعكس هذه الشخصيات التاريخية مدى تفاعل حقائق كثيرة في الزمان والمكان، كما تصور في تجاورها وتفاعلها مدى خبرة المؤلف الوجودية، وتفصح عن سعة ثقافته ومنهجيته في التعامل مع إشارات التاريخ المتغير حسب إملاءات المنتصر وتزويره للوقائع والأحداث.

لم يكتفِ الروائي باستدعاء شخصيات تاريخية، إذ نجده في مواضع متفرقة من الرواية، يبتكر شخصيات خيالية “زهراء- حجاج بن سواد الليل.. وآخرون”، لنتفاجأ بها شخصيات مفعمة بالحياة تتحرك داخل الفضاء الروائي وفقاً للحركة الكليّة التي تسيطر على حركة النص السردي. وقد استعان، بناء على استراتيجية تعدد الأصوات، في تقديم صورة متكاملة عن “المطرفية”، بتوظيف الضمير «أنا»، واستثمار مكنوناته التي تتدعم مع صوت السارد وهو الضمير الأكثر قدرة على الكشف عن مكنونات الذات، وقدرة هذا الضمير -إلى حدما- على متابعة الأحداث المحيطة في أكثر من مكان واحد.

تتجلى شخصية “نشوان بن سعيد” التاريخية شخصية رافضة ثائرة على مبدأ التفاضل، لا يرتضي بالضيم والهوان، يعتز بقحطانيته اعتزازاً يدفعه إلى وضع المؤلفات والقصائد التي تؤكد أصالة امتدادها في عمق التاريخ، ويؤكد بنبوغه المبكر أن قيمة الإنسان وفضله على الآخرين، إنما يكون بالجد والاجتهاد والمثابرة، وتبلغ ثورته أوج قوتها حين يخرج داعياً الإمامة لنفسه غير مكترث باشتراط النسب والبطنين في إمام الزمان.

وتتجلى شخصية “حجاج بن سواد الليل” الخيالية للتأكيد على دور الطائفة/ الفرقة “المطرفية” وقدرتها على تغيير المجتمع من داخله، ودورها في إصلاح المجتمع وتعليم أفراده، والتحول بهم من التقويض والهدم “حجاج/ قاطع الطريق” إلى البناء والتعمير وإصلاح المجتمع” حجاج/ العابد والعارف المتأمل”.

فضاء النص الروائي

علينا قبل كل شيء التسليم بأن طائفة “المطرفية” الدينية العقلانية ليست طائفة عابرة في كلام عابر تأتي في هامش سجلات تاريخنا العلمي والمعرفي، بل هي طائفة مختلفة كل الاختلاف عن باقي الطوائف والنِّحَل الدينية الأخرى، وذلك باختلاف مصادر تكوينها المعرفي، وطرائقها المعتمدة في التفكير وإعمال العقل في قراءة وفهم العالم ومفرداته من حولنا. فطائفة “المطرفية”، وفي وقت مبكر من التاريخ الوسيط، أقبلت على الفلسفة وغاصت بعيداً في أعماقها، وآمنت بالعقل وقدرته الحقيقية على كشف بواطن المعاني واستكناه الأسرار الوجودية للوجود وللموجودات.

ويحسب للمطرفية، كما يتجلى لنا من خلال أحداث رواية “وقش.. هجرة الشمس”، دون غيرها من الطوائف والجماعات، أن تاريخ أفكارها وفلسفتها لم يكن محصوراً بالرجال فقط، أي أن النساء لم تكن مقموعات كنساء وككائنات مفكّرة ومحاورة وعالمة، وقد استطاعت المرأة على امتداد حضور الطائفة “المطرفية” أن تأخذ مكانها في تاريخ الطائفة فوجدناها “صفية بنت إسماعيل- والشيخة تقية- سلمى بنت أحمد- والشيخة منعة- زهراء”، تنافح عن الأفكار، وتحرر الرسائل والردود، وتتصدر للمحاورات والمناظرات العلمية.

كما يحسب لهذه الطائفة من جهة أخرى انفتاحها المبكر على تاريخ الأفكار الفلسفية، وتحولات وتدريس آراء الفلاسفة اليونان ونظرياتهم والتثاقف معها وتطوير الأفكار الفلسفية. فحين كان طاليس يعتقد أن الماء أساس كل الكائنات، وإن كنّا لا نعرف -في الوقت ذاته- ماذا كان يقصد بذلك؟ نجد علماء “المطرفية” يقولون بأن خلق كل ما يتجلى على الطبيعة يعود إلى الأصول الأربعة: التراب والماء والهواء والنار، وأن ما عدا ذلك، فمنشؤه عائد إلى الإحالة والاستحالة والتزاوج والتكاثر والأعراض.

ولعل قريباً مما قال به علماء المطرفية هو ما نجده عند الفيلسوف اليوناني “أمفيدوكليس” والذي كان يشير إليه بمصطلح “الجذور الأربعة” ونظرية النسبة (3).

تتجلى هذه الأفكار والنقاشات عبر الحوارات الداخلية والخارجية التي وظفتها رواية “وقش.. هجرة الشمس” بإتقان مدهش وثراء معرفي متماسك، تنمو معه الأفكار وتتعايش داخل نسيج الرواية المنتظم بقوتين مختلفين تعملان في الطبيعة: الحب والكره.

ما يوحّد الأشياء هو الحب، ويتجلى في الرواية من خلال حب رموز “المطرّفية” لكل شرائح المجتمع، ونشر الحب والخير بين الناس، ونبذ التعصب والتفاضل المقيت، وازدراء ما يفرق الأشياء الذي يؤدي إلى انفصال الأصول الأربعة عن بعضها والمتجلي لنا عبر حماقات عبدالله بن حمزة، وإهلاكه الحرث والنسل وإبادة كل مظاهر الحياة، إيماناً منه بفكرة التفاضل المسيء للخالق والمخلوقين في اللحظة السردية ذاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • (1) في النقد الأدبي الحديث- ص 134
  • (2)  فن القصة ص 13
  • (3) عالم صوفي _ رواية حول تاريخ الفلسفة _ جوستاين غاردر _ ص 36 _ 37 _ دار المدى

•••
عبدالرقيب الوصابي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English