ذاكرة مغدورة

عندما رسم اليمنيون آمالهم على الجدران
ذو يزن العلوي
March 20, 2020

ذاكرة مغدورة

عندما رسم اليمنيون آمالهم على الجدران
ذو يزن العلوي
March 20, 2020

عادت بي الذاكرة إلى الخامسةمن عمري؛كنت يومها في منزل الجيران أتأمل حائطهم النظيف واللامع وبجانبي أحمر شفاه. لاأدري ما الذي جعلني أمسك أحمر الشفاه على الفور وأشخبط على الحائط، رسمت على الجدارخطوطًا ورؤوسًا بداخلها عينان كبيرتان. لا أعرف لماذا قمت بذلك، وما الذي دفعني، لكنهاعلى ما يبدو كانت هواية مغروسة في داخلي منذ الطفولة. ما زلت أتذكر توبيخ جارتنا ليمع قرار قاطع بطردي من منزلها.

كانت هذه بدايتي فيالرسم، في تلك الفترة الأولى من هوايتي، كنت أسرق طباشير من حقيبة والدي وأرسم فيحيطان المنزل، وأخطف أقلامه ودفاتر مذكراته وألونها. كانت تلك أول لغة أمارسها. في ذلك الحين لم تقبلنيأي مدرسة للالتحاقبها؛بسبب عدم قدرتي على النطق بعد، بقيت أتلعثم بالكلام إلى ما بعد السابعة، وفيالحقيقة كانت لدي لغة أخرى أمارسها وأتواصل بها.

الفن بدايةً سياسية

في 2011م، حركت اليمنَموجةُ احتجاجاتسلمية لتغيير النظام السياسي القائم؛ كانت شوارع المدن اليمنية تنتفض على سلطةرسمت حدودًا كبيرة وحواجز عالية بينها وبين المواطنين الذين يعيشون حياتهم اليوميةبشكل محدود. لكن ومع "الربيع العربي" خرج الناس إلى الشارع وكسروا "التابو"المتعلق بمسيرات الشوارع. كانت موجة شعبية سلمية جعلت المجتمع يترك الأسلحة ويخرجللشارع معبرًا عن احتجاجه ومطالباته بطريقة سلمية وحضارية غير متوقعة، خصوصًا منمجتمع مكبوت داخل جغرافيا ضيقة جدًا.

الجدار الأول

في 5 مارس 2012م، دعا الفنان مراد سبيع الجميع إلى الخروج؛ ليشاركوه ألوانه والرسم معه على جدران المدينة، واختار جدارًا في جولة كنتاكي بصنعاء، وهي المنطقة التي كانت تفصل بين شارعين؛ أحدهما يدعو إلى إسقاط النظام، والآخر يؤيد بقاءه.

في الخامس من مارس 2012م،دعا الفنان مراد سبيع الجميع إلى الخروج؛ ليشاركوه ألوانه والرسم معه على جدرانالمدينة. اختار مراد جدارًا في جولة كنتاكي بصنعاء، وهي المنطقة الفاصلة بينشارعين؛ أحدهما يدعو إلى إسقاط النظام، والآخر يؤيد النظام. في تلك الأثناء وعندمروري في الشارع بالأسابيع الأولى للحملة، أدركت كيف منحت هذه الألوان الحريةوالجمال للجدران والشوارع. على إثرها قررت المشاركة في الحملة، وعدت لمكتبة والديوبدأت أتصفح المجلات والكتب الفنية، ولأول مرة في حياتي رسمت "سكتش"للوحات جمالية وتعبيرية، ثم خرجت لليوم الموعود بالرسم، ولأول مرة، للوقوف لمواجهةجدار مشوه وميت كجثة ممثل. كانت مهمتي هي بثّ الحياة في ذات الجدار وخلقه من جديدبشكل جمالي وفني.

أثناء وصولي للمكان تفاجأتبأني وصلت لكرنفال لوني كبير في الشارع، المارة يتلفتون باستغراب، ويأخذون الفُرَشوالألوان بخجل ويلونون الجدران، شباب وشابات وأطفال وآخرون. بالمختصر كل فئاتالمجتمع كانت موجودة، وأنا واحد منهم؛ شاب خجول ومنطوٍ بعمر السادسة عشرة، شاب لميشارك في أي نشاط اجتماعي من قبل، ولم يشارك في أي حراك سياسي هنا أو هناك. سعدتيومها جدًا؛ لأنه لم تفُتني الفرصة. وفي الأثناء، بدأت مهمتي الحقيقية والمصيريةفي الشارع، لقد بدأت ثورتي بالفعل.

استمرت حملات فن الشارع،وكانت مصاحبة للتحولات السياسية في اليمن. لم نكن جميعًا نعرف وقتها بأن هذهالحملات هي السمة التي اتخذتها ثورة الشباب في الاستمرار بالاحتجاج السلمي، في كلمرة للخروج بالرسم في الشارع، وبث الحياة في الجدران الميتة، لتنتعش هذه الأماكن،وتصبح أماكن للتدفق، ويستطيع الناس أن يمارسوا حياتهم اليومية بحرية أكبر، ومساحةللتعبير عن سياسة الشارع. فالباعة المتجولون والمارّة في الشارع والمتسولون من الطبقاتالمهمشة في المجتمع، والعمال بالأجر اليومي، كانوا يتدفقون ويشاركون معنا في الرسم،وبعضٌ منهم من لم يكونوا يمتلكون الوقت ليشاركونا، كانوا يعرضون علينا أن يساهموابأشكال أخرى، فنتفاجأ بأحدهم وهو يجلب لنا براميل الطلاء، أو يدخل يده إلى جيبه؛ ليُسهِمبشكل مادي، وآخرين كانوا يهدوننا قنانيالماء. هذه الحملات التي أكدت على غياب الفوارق بين الناس والفئات المتنوعة، وجعلتالجميع متماهي الصفات، ليعبروا عن آمالهم وإيمانهم بالتنوع والتعايش لخلق مجتمعمدني جديد. لم تجرؤ السلطة على إيقاف الحملات الفنية، أو طمس الجداريات، وهذه إحدىالأمور الملفتة حقًا.

جدران المخفيين قسريًا

في حملة "الجدرانتتذكر وجوههم" التي تبَنّت قضية المخفيين قسريًا، كانت وجوه المخفيين قسريًا تُرسمفي وضح النهار وتطمس في الليل، وفي أحد الجدران لم يُستطَع طمس الوجوه، فاكتفِيَبطمس عيون المخفيين التي كانت تحدق بشكل قوي نحو المتهمين بجرائمهم. هذه الحملةالتي شارك فيها أفراد كثر وأهالي الضحايا من المخفيين قسريًا، خرجوا للشارع ورفعواصور أقاربهم الذين اختفوا خلال الأربعة العقود الماضية لأسباب سياسية، وظلت القضيةطي الكتمان، ويقمع كل من يحاول الكتابة عنها، فما بالكم بمن يخرج للشارع لرسم وجوه102 مخفيٍّ قسريًا، وتوقفت إلى هذا الحد لأسباب قسرية أيضًا. هذه الحملة أثارتالشارع والصحف لمساندتها، وجعلت الحوار الوطني الشامل في 2013م يتبناها ويدرجهاضمن ملف العدالة الانتقالية.

المجتمع التواق

في البداية، لم نقم بتلكالحملات بطريقة سلسة على الإطلاق؛ فعندما كنا نخرج للرسم كان المجتمع يحاول أن يقفضد الفن؛ فخلال عقود سياسية ماضية، ونتيجة تحالف سلطة السياسة والدين، أُبرزت تصوراتتحريم الفن، ومُنعت كل مواده الدراسية وأقسامه في المدارس والجامعات؛ ذلك وجّهالمجتمع نحو احتقار الفنان وتحريم الرسم. ولذلك لم تحافظ حملات فن الشارع علىالاحتجاج السلمي عبر الرسم فقط، بل كسرت "التابو" تجاه الممارسات الفنيةفي الشارع، وكسرت "التابو" أيضًا نحو الفن، وعززت الثقة في المجتمعالعام تجاه الفن؛ كونه فعل إنساني يمتلك ضميرًا حيًا تجاه مشاكلهم وحياتهم اليومية،ويناهض أي شيء يعترض أفقهم المدني.

كاريكاتير الشارع

في ديسمبر من العام 2012م،خرجت لإطلاق أول حملة فنية لي بعنوان "كاريكاتير الشارع" لإخراجالكاريكاتير من عمق الصحف والمجلات إلى جدران الشوارع التي يقرؤها الناس كل يوم. كانت متزامنة مع حملة الفنان مراد سبيع "الجدرانتتذكر وجوههم"، ورسمت في الشارع برفقةفنانين عدة، معتمدين أسلوبًا كاريكاتوريًا لا يحتوي على حوار أو عبارات. هذهالرسومات كانت تستوقف المارة حتى الأميين منهم. ولأنها انطلقت بعد حملتين كبيرتين،جعلتني استوعب كمية الوعي التي اكتسبها الناس تجاه الفن، ليس هذا فقط، بل كانالناس يستوقفوننا ويشرحون لنا الأعمال ويعطوننا ملاحظاتهم الفنية القيمة تجاه أعمالنا.وهذا يكشف مدى وعي المجتمع تجاه الفن والسياسة أكثر من النخب.

تشارك الألوان

في العام 2012م، أطلقمراد أول حملة فنية في شوارع العاصمة صنعاء، وأطلق عليها اسم "لون جدارشارعك". هذه الحملة هدفت لإزالة شعارات الكراهية التي انتشرت في وقت سابق من "ثورةالربيع العربي" واستبدالها بلوحات فنية على الجدران. عززت الحملة لدى الناسوعيًا اجتماعيًا بأهمية الفن وثقافة السلام والتنوع، بحيث كان الفنانون والناشطونيخرجون للرسم في الشارع ويعطون للمارة والمتفرجين الألوان؛ لكي يشاركوهم في رسمالسلام والثقافة والتنوع.

بعدها ظهرت حملات فنيةعديدة أبرزها "الجدران تتذكر وجوههم" و"12ساعة"، وعقب المواجهات المسلحة في العاصمة صنعاء،استمرت حملات الجداريات، ونفذت حملات عدة، منها:حملة "كتاب مفتوح"، و"حطام"، و"ضحاياصامتون"، و"شظايا".

هذه الأعمال الفنية،وبشكل عام، عبرت عن معاناة الناس من الحرب، وأصوات الضحايا المغدورين في كل مكان،وهي أعمال فنية تنادي بالسلام وثقافة التنوع. أعمال فنية في أماكن عامة وصلت للناسجميعهم، وعززت وعيهم بضرورة فض النزاع وبناء السلام.

مما لا شك فيه أن اليمن أصبحتساحة حرب وجوع ومرض وكراهية وعنف وموت، لكن فن الشارع يعكس صورة مضادة للحرب، يعكسأمل المجتمع اليمني المتطلع للسلام والأمان. فن الشارع يثبت أن كل ما يحدث مجردمتغيرات ليست ثابتة، فن الشارع في اليمن هو عمل مدني وممارسة اجتماعية تعكس مطالبورؤى المجتمع الحقيقية. هذا الفن ليس منفصمًا أو بعيدًا عن مجتمعه، بل هو الصورةالمدنية منه؛ فعندما يحدث قمع لهذا النشاط فذلك أشبه بقمع مظاهرة شعبية.

خاتمة

في اليمن تغيبت الصورةالحقيقية التي تعبر عن ذات المجتمع، الحرب ليست إلّا صورة وهمية جعلتنا نرى اليمنبلدًا غريبًا لا يرى بالفعل.فن الشارع قام بإبراز الصورة الحقيقية للمجتمع عن طريقإشراك المجتمع في الرسم، وإيقاف هذا الفن هو عمل من يد الحرب؛ لتسكِت بل لتغيبالرؤية الحقيقية.

وصدقوني سيأتي السلاميومًا ما، وسيعود اليمنيون لممارساتهم المدنية، وسيصبح الفن الجميل والرسم على الجدرانهواية لكل الأجيال القادمة.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English