كلفة التشطير والوحدة في حياة الألمان

قراءة في فيلم "وداعاً لينين"
سحر عبده
March 17, 2020

كلفة التشطير والوحدة في حياة الألمان

قراءة في فيلم "وداعاً لينين"
سحر عبده
March 17, 2020

  علىسطح أحد المباني وقف أليكس ممزقا ومبعثرًا قطع الأوراق النقدية التي ظلت أمه تخبئهالعقود، حين لم تعد مقبولة بعد توحيد الألمانيتين، وفقدان عملة ألمانيا الشرقيةقيمتها.

  في فيلم "وداعًا لينين" الذي أخرجهعام ٢٠٠٣ ويلفغانغبيكر، ومثل فيه دور أليكس الممثل دانييل برول، أدت كاترين ساس دور الأمالاشتراكية التي تغرق في غيبوبة قبيل سقوط جدار برلين، وتصحو بعد ثمانية أشهر بعدأن اختفت الدولة التي نذرت لها حياتها بعد هروب زوجها إلى ألمانيا الغربية.

الأب الهارب

في السياسة لا يمكنكالتنبؤ بكل شيء. بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية تقاسمت ألمانياأربع دول؛ حيث وقعت ألمانيا الشرقية بين يدي الاتحاد السوفييتي ونظامه الاشتراكي،بينما سيطر النظام الرأسمالي بقيادة أميركا على ألمانيا الغربية.

في بداية الستينيات من القرن الماضي أصبحت الحدود المفتوحة بين ألمانياالشرقية والغربية منفذًا يتسلل منه الألمان الشرقيون. ففي شهر يوليو من عام 1961،هرب أكثر من 30,000 مواطن شرقي إلى الغرب. وفي أغسطس 1963، قُطعت كل الطرق التيكانت مفتوحة بين شطري مدينة برلين، وبدأت فِرَق البناء بإقامة الحواجز بين الشطرين.

في بداية الفيلم تهتز طاولة أليكس على وقع احتفالات حزب الوحدة الألمانيالاشتراكي بالذكرى الأربعين لتأسيس الجمهورية الشيوعية، في الوقت الذي هزت ألمانياالشرقية موجة الهروب الجماعية، وكان والد أليكس واحدًا ممن هربوا إلى ألمانياالغربية، تاركًا خلفه عائلته الصغيرة؛ زوجته التي وجهت طاقتها وغضبها إلى ولائهاالمطلق للحزب والعمل من أجل الوطن، وطفله أليكس الذي ظل يحلم بريادة الفضاء،وانتهى به الحال مندوب مبيعات لشركة أطباق لاقطة بعد سقوط الجدار، وابنته التيتركت دراستها لتعمل في محل لبيع الوجبات السريعة بعد تسارع الأحداث التي لم يكنأمامها سوى مواكبتها.

الابن الثائر

دفع الاحتفال بكثير من معارضيه إلى الاحتجاج في مسيرات كبيرة، ما جعل أجهزةالأمن تعتقل قرابة ألف شخص، كان أليكس واحدًا منهم. لم تكن شخصية أليكس ثائرة أومتمردة، لكنه كان يمشي في المسيرة كمن يمشي في حلم منساقًا وراء صرخات تنادي بعالمجديد، عالم لم تستطع أمه تخيله فانهارت ودخلت في غيبوبتها حين شاهدت ابنها في هذهالمسيرة، وهي الناشطة الحزبية التي كان الوطن والحزب مقدسين لديها. كان أليكس يحلمبوطن جديد، وطن يتقبل الجميع، بلا أسوار. يقول أليكس في نهاية الفيلم: "يريد هؤلاء الناس حياةمختلفة، إنهم يدركون أن السيارات وأجهزة التلفاز ليست كل شيء، إنهم مستعدون لعيشحياة جديدة بالنية الطيبة والصحة والأمل".

بلا حدود

يندمج شعبا البلدين بسرعة، حيث تجمع بينهما بدايةً الرياضة ووسائل الترفيه، ولكن يظهر الغرب الرأسمالي مسيطرًا على الجزء الشرقي، مكتسحًا السوق ومؤثرًا بقوة على الوظائف والاقتصاد.

في أثناء غيبوبة الأم فُتحت الحدود بين الألمانيتين، وأصبح بإمكانالمواطنين التنقل بينهما دون تأشيرة خروج، اندفعت جموع الناس نحو المعابر منألمانيا الشرقية إلى الغربية، سقط بعدها جدار برلين في 9 نوفمبر عام 1989.

في لقطات سريعة يعرض المخرج التغيرات المتتابعة التي حدثت بعد سقوط الجدار،لقطات أرشيفية اختارها بعناية لترصد التغيرات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية،والثقافية التي رافقت هذا الحدث.

يندمج شعبا البلدين بسرعة، حيث تجمع بينهما بدايةً الرياضة ووسائل الترفيه،ولكن يظهر الغرب الرأسمالي مسيطرًا على الجزء الشرقي، مكتسحًا السوق ومؤثرًا بقوةعلى الوظائف والاقتصاد، ويظهر الاعتراض على لسان كبار السن الذين لا يتقبلونالتغيير بسهولة، حيث يردد الجار الذي فقد عمله بتذمر: "هذا ما أوصلوناإليه"، ويقول مدير المدرسة العجوز: "لقد فقدنا قيمتنا، قيمة الإنسان". 

امتلأت المتاجر بين ليلة وضحاها بالبضائع الغربية، وكأن فتح الحدود كان فتحًالأسواق جديدة لمنتجات الغرب. تنقل أليكس مندهشًا يشاهد التغيير المفاجئ الذي طرأعلى مدينته، وزاد حماسه لتجربة الحياة الجديدة، لكنه لم يكن يملك المال، لهذا بحثعن أموال أمه التي ظلت تدخرها لسنين.

وفي أشهر، انقلب الوضعتمامًا لتستيقظ الأم ذات الولاء المطلق للاشتراكية، في عالم جديد. يخشى عليهاولدها من الصدمة فيصنع لها عالمًا صغيرًا يوهمها فيه أن شيئًا لم يتغير.

يصنعأليكس لأمه الوطن الذي يحلم به. يقول: "ربما كانت الجمهورية التي خلقتها لأميهي ما كنت أتمناه فعلًا".

إلغاء العملة

في الأول من يوليو اعتُمد المارك الألماني الغربي عملةً للتداول في جمهوريةألمانيا الشرقية. وقف أليكس بعد أيام أمام موظف المصرف الذي أخبره أن موعد تبديلالعملة قد انتهى قبل يومين، مدخرات أمه لأربعين عامًا لم يعد لها قيمة.

يقول أليكس وهو يرمي النقود على سطح المبنى:"أشعر أنني قائد غواصة في أسطول البحر الجنوبي، أصاب فولاذها الذي قسّتهالمعارك ثقبٌ، كلما أغلقت ثقبًا فتح آخر، طيرت رياح غربية نقود أمي الشرقية حولأذني". تنصحه صديقته أن يصرخ لينفس عن غضبه، غضب جيل كامل من قرارات لم يأخذرأيه فيها أحد.

هل يجب أن تتغير سياسةالدولة لتناسب الإنسان، أم على الإنسان أن يتكيف ويتغير حسب السياسات المفروضةعليه؟! ترِد عبارة في الفيلم فيإطار الحديث عن تغير مقاسات الملابس، في إشارة رمزية إلى هذه الفكرة، تقول كريستين:"إننا لا نستطيع ضبط الخطة المركزية على قياساتنا، لذلك سنحرص أن نكون فيالمستقبل أقصر وأكثر بدانة".

كما بعثر أليكس نقودوالدته غاضبًا، وقف بسلام ينثر رفات أمه كما أوصته، ليتطاير في جميع الجهات، دونتفريق بين شرق وغرب.

قد تتخذ الدولة قراراتاقتصادية متأثرة بسياساتها، قرارات تؤثر على المستوى الفردي، وإن كانت ترى أنها قدتحسن من اقتصاد البلاد، أو تحقق بها سيادة من نوع ما. تناول الفيلم أثر هذهالسياسات على عائلة عادية، مستعرضًا وضعها بعد التحول الكبير في البلاد، وهذهالزاوية التي لا يرى صناع القرار من خلالها غالبًا.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English