الزي الصّبْري النسائي

محاولات مستمرة لمقاومة الاندثار
فخر العزب
September 9, 2020

الزي الصّبْري النسائي

محاولات مستمرة لمقاومة الاندثار
فخر العزب
September 9, 2020

"ما احلى بنات الجبل حينما يطوفين المدينة بالثياب الدّمَس

خدود مثل الورد، ضوء الفجر أرواها، وأعطاها المشاقر حرس

محوطات الوجوه البيض بالكاذي المسقى في برود الغلس"


بهذه الكلمات التي قام بتلحينها وغنائها الفنان "أيوب طارش عبسي"، سجَّل الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) مشهدًا من مشاهد الجمال الذي يزين شوارع مدينة تعز، خلال مرور بنات "جبل صَبِر" فيها وهن يتزيين بالثياب التقليدية "الدّمَس"، وعلى خدودهن "مشاقر الكاذي" (الرياحين) التي تزيدهن جمالًا ورونقًا لا مثيل له، حتى صارت المرأة الصبرية بثوبها التقليدي الجميل، أيقونة تعز ورمزيتها في كل المحافل والمناسبات. 

  يعود أصل الزي الصبري للدولة الحميرية، كما يقول الأهالي، إذ لا تزال شواهدها حاضرة في العديد من مناطق الجبل الذي سمي نسبة إلى "صَبِر بن حِمْيَر"، كما أن الزي الصبري شهد بعض التطورات في مراحل مختلفة دون الإخلال بجوهره. 

  يتكون الزي الصبري من الثوب، وهو المكون الرئيس في الزي، ويطلق عليه "القميص"، بالإضافة إلى السروال، و"الشميز"، و"المَصَرّ"، و"المقرمة"*، كما أن "المَشْقُر"- وهو نوع من الرياحين والورود التي تزين بها المرأة خدها- يعد من ضمن مكونات الزي الصبري، الذي تتفاوت أسعاره وَفقًا لنوع القماش وجودة الخياطة، وقد يصل سعره إلى ما يقارب 100 دولار. 

  تتعدد أنواع الزي الصبري لتصل إلى أكثر من 17 نوعًا، حيث يتم تصنيفها وَفقًا للشكل العام والنقشات. وللزي الصبري في كل منطقة من جبل صبر ميزة معينة، كما أن لكل نقشة اسم خاص بها، ويتم حياكة النقشة يدويًّا، إذ كانت تحاك قديمًا وَفقًا للطبقة الاجتماعية.

  ميادة محمد، إحدى المهتمات بالزي الصبري، وعلى الرغم من أنها تعيش في مدينة تعز، إلا أنها تحرص على ارتدائه في المناسبات الاجتماعية الخاصة وفي مقدمتها الأعراس. تحدثت ميادة لـ"خيوط" عن القميص الصبري من حيث الشكل العام، مؤكدة أنه إما قميص "عِقرة" وهو مهدد بالانقراض ولا يزال حاضرًا في قرى "عزلة مَشْرَعَة"، أو قميص "موادمي" وهو الشكل السائد حالياً، واسمه نسبة إلى جزء من الجبل هي "صبر المَوادِم".

تقول ميادة إن "القميص الصبري من حيث القماش عدة أنواع، فهناك "الدمس" (القطيفة أو المخمل)، ويكون إما صافيًا ذا لون واحد، أو منقّشًا، و"الدمس" في الغالب يتم لبسه في الأعراس، حيث تلبسه العروسة في اليوم السادس، وهو اليوم الذي تأتي فيه أمها، وهناك قماش "شيفون" وهو قماش، خفيف أشبه بالشاش يتم وضع بطانة ليزر لماع تحته، ويكون أشبه بالقماش المستخدم في خياطة "الدروع العدنية"، وهناك قماش عادي، لا شيفون ولا دمس».

وتضيف ميادة أن القميص الصبري من حيث الخياطة يعتمد على خياطة واجهة القميص، فهناك خياطة "صدر"، وهو مقدمة الثوب، ويكون محبوكًا يدويًّا بأشكال مميزة، وهناك خياطة "ديمان" ويكون الصدر عبارة عن خطوط طولية، بين الخطين المتوازيين عدد من الدوائر، وهناك خياطة "سلكة" ويكون قماش الثوب إما أبيضَ صافيًا أو لبنيًّا صافيًا مع صدر، وتلبسه العجائز في الغالب باعتباره أكثر رسمية ويضفي الوقار على من تلبسه، بالإضافة إلى خياطة "كرم بلي" قديم وتكون الخياطة اليدوية من الأمام "الصدر" مع نقشة يدوية بالخلف على قماش صافٍ، كما هناك خياطة "سهرة" ويكون الثوب متعدد الألوان غير صافٍ، وهناك خياطة "مُبقَّش" ويكون القماش من النوع الصافي ذي اللون الواحد، ويتم وضع أشكال، مثل الورود على الثوب وتخاط بشكل يدوي".

من ضمن التحديات التي يواجهها الزي الصبري وفاة الخياطات المنشغلات به، وعدم تناقله للأجيال اللاحقة، وانتقال المهمة من الخياطات للخياطين

  بعد القميص يعد السروال ثاني أهم مكون من مكونات الزي الصبري، وتمتاز بالقطعة المحبوكة يدويًّا أسفلها، التي يطلق عليها اسم "الشتارة"، وهناك "شتارة" طويلة إلى الركبة، أو قصيرة ويكون طولها نصف المسافة من أسفل القدم إلى الركبة، أما "الشتارة" التي طولها نصف الشتارة القصيرة، فتسمى "قُطَع"، بينما "الشتارة" القصيرة جدًّا، التي لا يزيد طولها عن طول إصبع اليد، فتسمى "شلش".

كما أن "الشميز" من ضمن مكونات الزي الصبري، ويُلبس تحت القميص، ويكون لونه مشابهًا أو متوافقًا مع لون القميص، بالإضافة إلى "المَصَر" وهو عبارة عن حجاب الرأس الداخلي ويتم لبسه بطريقة معينة، وتربط عليه المقرمة التي تلبس بطريقة تختلف من منطقة إلى أخرى، كما تختلف طريقة لبس المقرمة وفقًا للمناسبات. 

  يحتل الزي الصبري مكانة مميزة بين الأزياء التقليدية في محافظة تعز والمحافظات اليمنية بشكل عام، وذلك بسبب الخصائص الفريدة التي يمتاز بها؛ فبالإضافة إلى جماله وأصالته يتميز بالجمع بين الأصالة الكلاسيكية والحداثة، كما أنه استطاع مواكبة الموضة من خلال الأشكال الجديدة التي تستخدم أنواعًا حديثة من القماش مع المحافظة على الشكل التقليدي العام للزي. 

  هذه السمات التي يتميز بها الزي الصبري جعلته محببًا لدى العديد من الناشطات المدنيات اللواتي يحرصن على ارتدائه في الفعاليات العامة، كما أن العديد من فتيات تعز يفضلن ارتداءه في قاعات الأعراس بسبب المظهر الجميل الذي يمتاز به. 

مها عون ناشطة مدنية هاوية للزي الصبري، وتحرص على ارتدائه في بعض الفعاليات المجتمعية التي تشارك فيها، قالت لمنصة "خيوط" إن "الزي الصبري له طابع خاص يجمع بين ثقافة الحاضر والماضي، وتطريزاته متعددة، وألوانه جذابة". وتضيف مها معددة مزايا الزي الصبري بأنه "متاح للنساء في جميع الأعمار، وليس مقتصرًا على عمر معين"، كما أنه "فضفاض وواسع ولا أحد ينتقد لبسه، ويمتاز بحبكته الخاصة به، التي تواكب الجديد حسب الطلب، وفيه تعدد في نوع الخياطة والشكل ما يزيد من الخيارات أثناء الطلب، كما أنه يعطي لمن يلبسه جمالًا استثنائيًّا وشعورًا خاصًّا، فحينما أرتديه أشعر أني أعبّر عن تعز، وأن تعز بأكملها تتمثل بي».

  مشاهدة نساء جبل صبر وهن يطفن شوارع مدينة تعز بثيابهن التقليدية كان مشهدًا مألوفًا للجميع حتى بداية تسعينات القرن العشرين الماضي، لكنه بدأ بالاندثار مع موجات الأفكار الدينية المتشددة التي حاصرت نساء الجبل بالعباءات السوداء، ما جعل الثوب الصبري يدخل في معركة النضال من أجل البقاء، حيث إن الخطاب الديني الذي غزا قرى الجبل، أثر تأثيرًا سلبيًّا على حضور الزي التقليدي الصبري، وبات مهددًا بالانقراض، متخندقًا في آخر معاقله ببعض قرى الجبل.

وتعرض الزي الصبري للعديد من موجات الاستهداف، التي بدأت أولاها من قبل العثمانيين الذين حاولوا فرض النقاب العثماني خلال احتلالهم لليمن (1539 - 1634، 1872- 1911)، وثاني موجات الاستهداف كانت نهاية التسعينات من القرن العشرين، مع عودة ما يعرف بالمقاتلين الجهاديين من أفغانستان الذين حاولوا فرض الجلباب الأسود أو ما يسمى بالنقاب الإسلامي، لتستمر حملات الاستهداف مع انتشار الجماعات الدينية وتغلغلها في الريف التعزي، وخاصة في التسعينات، وعملها على نشر وفرض أفكار متطرفة.

  في مواجهة حملات الاستهداف التي يتعرض لها الزي الصبري بهدف استبداله بالنقاب الأسود، كان هناك العديد من الجهود الهادفة للحفاظ عليه وحمايته من الاندثار، وأبرزها الجهود التي بذلتها الناشطة سعاد العبسي، مديرة مركز التراث بتعز، التي سعت لإنشاء متحف ثقافي للموروث الشعبي، وفي مقدمته الأزياء التقليدية. 

  كان مركز التراث تقدم بمشروع خاص بكيفية الحفاظ على التراث المادي "خصوصية تعز"، بهدف الحفاظ على الأزياء التقليدية في المحافظة، وفي مقدمتها الزي الصبري، حيث بدأ المركز بتجميع بعض الأزياء التقليدية. غير أن اندلاع الحرب حال دون استكمال أعمال المشروع الذي توقف بسبب توقف الدعم، وقيام السفارة الفرنسية -داعمة المشروع- بسحب المشرف الخاص على المشروع.

  وتتهم مديرة مركز التراث سعاد العبسي، مسلحي حزب التجمع اليمني للإصلاح، بالسيطرة على مقر المركز الواقع في "باب موسى" وتحويله إلى قسم شرطة، ومصادرة كل محتويات المركز خلال نزوحها، كما تؤكد أن المركز ما زال تحت سيطرة المسلحين حتى الآن ويرفضون الخروج منه وتسليمه.

  ومن ضمن التحديات التي يواجهها الزي الصبري وفاة الخياطات المنشغلات به، وعدم تناقله للأجيال اللاحقة، وانتقال المهمة من الخياطات للخياطين؛ ففي حين كانت الخياطات النساء ينسجن الحياكة من وحي الطبيعة، بما يتلاءم مع البيئة الخاصة بالمرأة الصبرية من حيث مراعاة طبيعة الطقس البارد نسبيًّا في مناطق جبل صبر، ومراعاة ظروف العمل باعتبار أن المرأة الصبرية هي امرأة عاملة، فإن الخياطين اليوم يهملون هذه العوامل لصالح اهتمامهم بالألوان.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English