صراع الانتصارات المؤقتة

كيف يمكن الخروج من دائرة الجحيم المغلقة
أحمد ناجي
June 8, 2020

صراع الانتصارات المؤقتة

كيف يمكن الخروج من دائرة الجحيم المغلقة
أحمد ناجي
June 8, 2020

الصراعات الطاحنة في اليمن جولات تعيد نفسها. إذ يدور المتصارعون في حلقات مفرغة لا تنتهي. يتنقلون من تلقي السوط إلى حمله، ومن معذبين إلى ظلمة. والانتصارات في هذه الصراعات ليست سوى لحظات مؤقتة، حتى وإن امتدت زمنيًا، فإن نهايتها إلى انهيار. تتشكل القصة كالآتي: يسيطر طرف على السلطة، فيمارس كل صنوف الاستبداد، والإقصاء، ويضيق ذرعاً بكل مخالف أو مختلف. يفتح السجون، وينصب المحاكم، ويطارد كل من لا يشبهه. ومع مرور الوقت تتراكم كوارث الأخطاء التي مارسها لتتحول إلى كرة نار تكبر بشكل مطرد، فتنفجر فجأة في وجهه. وهنا تتبدل المعادلة، ليصبح الطرف المظلوم متسيدًا، وما إن تستقيم الأمور، حتى يستنسخ أدوات ظلّاميه، ليمارس وحشية جديدة ضد من يخالفوه ويزيد.

تكمن المشكلة في أن الأطراف المسيطرة تفترض ديمومة بقائها إلى ما لا نهاية، ولا تضع اعتباراً لمآلات الأحداث. تحرق خطوط التواصل الإيجابي مع فئات المجتمع المخالفة. تنصب أفرادها أوصياء على المجتمع، فلا سردية يُسمح بتبنيها سوى سرديتها. الوطن هو ما يروه، والقضايا لابدّ أن تكون مصاغة وفق نظرتهم. ولا يَعدم التبرير من يقوم بمثل هذا السلوك. وإذا ما ظهرت بعض الأصوات الداخلية الخجولة، المطالبة بخفض وتيرة القمع، والتخلي عن أسلوب القبضة الحديدية في إدارة الشأن العام، يتذرع الطرف المسيطر بالظروف الاستثنائية. التي تستدعي أساليب عرفية، يقدّرها هو وحده.

يزدهر هنا الخطاب الذرائعي الذي يصبح رسميًا خطاب الكيان المتسلط، فكل معركة صغيرة كانت أم كبيرة لها ذريعة مقنعة من وجهة نظره. ولأن طبيعة السيطرة غير سوية، إذ تغدو المقاربة الأمنية هي عنوان كل شيء، فتصبح متوالية المشكلات الأمنية حية بلا توقف. وهو الأمر الذي ينعكس بشكل كارثي على مفاصل الحياة الأساسية، كالاقتصاد، والصحة، والتعليم وغيرها، والتي تأتي كنتيجة طبيعية لعدم الاستقرار العام، وغياب الثقة بمنظومة الحوكمة المتبعة.  

 في اليمن، ستستمر الصراعات ما استمر الهوس بالانتصارات المؤقتة، وستبقى الكيانات متأرجحة بين كفتي ممارسة القمع وتلقيه، ولا سبيل للخروج من هذا المسار المميت، إلا بالعبور من هذه الثقافة القمعية إلى منطق العدالة وعدم الاقصاء

يمكن استعراض تاريخ اليمن القريب؛ عدد الحروب التي حدثت، والكيانات التي تعاقبت على تولّي مقاليد الحكم مستخدمة الطريقة آنفة الذكر. ورغم النتيجة الصارخة التي تخبرنا أن إدارة السلطات، سواء كانت رسمية أو أمر واقع، بهذه الطريقة، لا تتّسم بالثبات، وأن ما يحدث اليوم مآله إلى تبدّل. مع ذلك، تصر الأطراف على الاستمرار بذات المقاربة. وهو ما يجعل اليمن مرهونة لحروب غير منتهية. ويجعل مصير أجيال كاملة في مهب ريح الضياع.  

كان لنيلسون مانديلاّ خيارين: الأول أن يستمر بتبني عصا جلاّده، وأن يشعل النار في بيوت من سجنوه لسبعة وعشرين سنة، وأن يحمل شعارات المظلومية لتبرير حفلة الانتقام. والخيار الثاني، هو كسر حلقة العنف، والخروج من المتاهة، كي يوقف حالة التدهور التي شهدها البلد جراء نظام الفصل العنصري. يبدو الخيار الأول هو السلوك الغريزي الذي تمارسه الأطراف والكيانات لدينا، وفي العديد من البلدان التي تشكو العنف المستمر منذ عقود من الزمن. أما الثاني، فقد كان طريق مانديلاّ الذي بموجبه أعاد لمنهجية النضال ضد الظلم روحها. فصنع انتصاراً دائمًا لا مؤقتًا، انحنى لاحترامه ظلّاموه قبل أتباعه. ولعل السمة الأبرز في منهج مانديلاّ تكمن في عدم التأثر بسلوك الظلم، بل التأثير على الظالم بسلوكه العقلاني المتسامح. "فبناء العدل أصعب من هدم الظلم"؛ تلك هي العبارة التي قالها مانديلا لشبان العرب في 2011.  

في اليمن، ستستمر الصراعات ما استمر الهوس بالانتصارات المؤقتة. وستبقى الكيانات متأرجحة بين كفتي ممارسة القمع وتلقيه. ولا سبيل للخروج من هذا المسار المميت، إلا بالعبور من هذه الثقافة القمعية إلى منطق العدالة وعدم الاقصاء، فهي الكفيلة بتحويل الانتصارات من المؤقت إلى الدائم، ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ومن ضيقة التسلط إلى سعة المشاركة الجماعية لكل شرائح المجتمع.  

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English