اليمن في ظل المرحلة الانتقالية

مطاردة العدالة في أَتُون الحرب
خيوط
October 8, 2023

اليمن في ظل المرحلة الانتقالية

مطاردة العدالة في أَتُون الحرب
خيوط
October 8, 2023
.

نهلة المنشاوي

باحثة في الشؤون السياسية بجامعة جوته بفرانكفورت - ألمانيا

ترجمة: ربيع ردمان

تقديم الترجمة

هذه الترجمة هي مراجعة نقدية لكتاب ياداف، الباحثة الأمريكية المختصة في الشؤون اليمنية والأستاذة المشاركة في العلاقات الدولية في كليتي هوبارت وويليام سميث في جنيف ونيويورك. صدر الكتاب عن مطبعة جامعة أكسفورد في نوفمبر 2022، ولها كتاب آخر بعنوان "الإسلاميون والدولة: الشرعية والمؤسسات في اليمن ولبنان" (2013). واعتمادًا على مراجعات الكتاب الأخرى التي اطلعتُ عليها ومعرفتي المحدودة بشأن المجتمع المدني اليمني، فيظهر أن قيمة الكتاب تكمن في كونه توثيقًا مفصلًا لهذا المجتمع المدني وأدواره الكبيرة في العقدين الماضيين، فهو ليس مجرد احتفاء بما يسجله في أرض الواقع من ملاحقة للمستحيل فحسب، بل توثيق علمي لجهوده وتأكيد على مكانته المتنامية على اعتبار أنه صار ركيزة مهمة داخل المجتمع، وهو في الوقت نفسه محاولة لإنصافه جراء التهميش والمضايقة التي يتعرض لها من الأطراف المتصارعة. 

وعلى الرغم من المديح الذي كالَتْه مُرَاجِعَةُ الكتاب للمؤلفة، فإنه يتوجب ألّا نأخذ ما يقدمه الكتاب مأخذ التسليم دون أن نفترض محدودية الرؤية أو عدم شموليتها أو حتى تلونها نتيجة لمحدودية الشرائح التي اعتمدت عليها في بحثها، وغياب الصلة المباشرة بين الباحثة وموضوع بحثها، فلم تقم المؤلفة بزيارات ميدانية إلى اليمن أثناء تأليف الكتاب، واعتمدت على ملاحظاتها الميدانية السابقة التي دونتها قبل عام 2011، وما بين هذا التاريخ وظهور الكتاب تغيرت الخارطة السياسية وانقلب المجتمع رأسًا على عقب، وتبدّلت الرؤى والمفاهيم. وحتى لقائها ببعض الناشطين المدنيين أو جلسات النقاش التي عقدتها مع مجموعات وممثلين للمنظمات اليمنية خارج اليمن، فهي تظل شريحة محدودة لا تعكس التنوع الشديد بل التناقضات الكبرى التي يمور بها المجتمع اليمني. 

كتاب ستايسي فِيْلِبْرِيْك ياداف "اليمن في ظل المرحلة الانتقالية" هو بمنزلة الدليل المثالي للباحثين والممارسين المهتمين بتاريخ النزاع والحِرَاك في اليمن من منظور الناشطين المدنيين. إنه مساهمة نفيسة ليس في الأدبيات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية فحسب، بل أيضًا في مجال بناء السلام وتسوية النزاعات. تستقصي ياداف في خمسة فصول "مطالب العدالة" التي طُرِحتْ عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، وهي مطالب تمتد من مسألة الوحدة بين الشمال والجنوب إلى الحرب التي تدور رحاها هناك. إن السَّرد المُتَّسق لتاريخ اليمن الحديث من منظور الناشطين المدنيين يقدم لنا لمحةً نادرةً على واقعهم اليومي المتمثل في التنقل عبر السِّياقات السياسية والأمنية المشحونة بالتحديات. كما يحفز الكِتَابُ القراءَ على جَسَارة التفكير النقدي في "العمل الدولي لبناء السلام" في اليمن (ص13)، ويسلَّط الضوء على الجهد المتفاني الذي ينهض به أشخاصٌ من عموم الناس. يشجع الكِتَابُ على اعتماد مقاربةٍ شعبيةٍ من خلال التسليم والاعتراف بأهمية الجهود المحلية في مجال العدالة، وهي جهود من الممكن أن تتجاوز حدود النموذج المعرفي الليبرالي، ومن ثَمّ بوسعها أن تُمهّد الطريق للمقاربات المناهضة للاستعمار في مجال العدالة. كما يلفت الكتابُ الانتباهَ إلى أهمية النشاط السياسي العابر للأطر المؤسسية للدولة، ويسلط الضوء على المظاهر المتنوعة والمهمّشة في كثير من الأحيان للمشاركة المدنية الموجودة داخل المجتمعات العربية. 

اللجوء للعدالة الانتقالية غالبًا ما يحدث في أعقاب الصراع، غير أنّ ياداف اختارت التركيز على جهود العدالة التي بدأت قبل الصراع واستمرت مع تمدد زمن الحرب.

فالتعريف المعتدل الذي تطرحه المؤلفة للعدالة بوصفها "أفقًا أخلاقيًّا" لـ«وضع الشيء في موضعه الصحيح» (ص39)، يتيح لها التمييز بين مختلف أساليب التعامل مع العدالة، والتي تقوم برسم خرائطها عبر فترات مختلفة من التاريخ اليمني. فالغاية التي يرمي إليها الكتابُ هو أن يستفيد صُنَّاع القرار من اعتماد نموذج "المشاركة المستقلة"، الذي يتجلّى في جهود العدالة التي يقوم بها الناشطون المدنيّون في الجماعات المحلية اليمنية (ص2). وتُبرز ياداف الكيفية التي يشارك بها الناشطون المدنيون بجدية في تنفيذ مشاريع العدالة على المستوى المحلي، بدلًا من "انتظار تسوية وطنية" يتم فرضها من الأعلى أو من قبل وسطاء الخارج (ص2). 

من المعروف أنّ اللجوء للعدالة الانتقالية غالبًا ما يحدث في أعقاب الصراع، غير أن ياداف اختارت التركيز على جهود العدالة التي بدأت قبل الصراع واستمرت مع تمدد زمن الحرب. فالتأكيد على الجهود المستمرة التي يبذلها الناشطون المدنيون سعيًا لتحقيق العدالة في سياق حرب مستمرة يقدم منظورًا مميزًا للعدالة الانتقالية ويسلِّط الضوء على قدرة المجتمعات المحلية المختلفة على الصمود. تُشدِّد ياداف على أهمية التراكم التاريخي من خلال إظهار كيف أنّ الخبرات السابقة المكتسبة في التعامل مع العدالة تشكّل الاستراتيجيات والتصورات الحالية حِيَال مستقبلٍ عادل.

الأسس النظرية والناشطون القياديون والفترة الانتقالية

يبدأ الكتاب بفصلٍ نظري يستعرض بشكلٍ نقدي الأسس الليبرالية للعدالة الانتقالية. ويستكشف الفصل الثاني كيف تضاءلتْ بشكلٍ تدريجيّ الفرصُ المتاحة للناشطين المدنيين للتعبير عن مظالمهم والانخراط في أنشطة تثير الخلاف عبر المؤسسات (الرسمية) القائمة على الحكم الاستبدادي لعلي عبدالله صالح. وفي حين اعتمد صالح على المؤسسات الانتخابية لترسيخ سلطته الاستبدادية، لجأ اليمنيون إلى «أشكال من الحِرَاك خارج الأطر الحزبية» (ص72)، بوصفها وسيلة لتحقيق العدالة. 

يُلْقي الفصل الثالث الضوءَ على حركتين من هذا النوع؛ حركة الحوثيين في الشمال، والحراك في الجنوب، وقد تولَّدتْ كلتا الحركتين كردة فعلٍ تجاه عمليات بناء الدولة القائمة على الإقصاء وتجاه «مطالب العدالة التي ظلتْ دون معالجة» (ص75). إنّ فهم المؤلفة الدقيق للتغيرات المجتمعية في الشمال وعلاقة تلك التغيرات بتطور حركة الحوثيين، يكشف عن المعرفة الوثيقة التي راكمتها أثناء العديد من الزيارات الميدانية التي قامت بها في العقد الأول من الألفية الجديدة. واستنادًا إلى ملاحظاتها الميدانية السابقة التي تفحصت فيها بشكلٍ نقدي العدسة الطائفية المفروضة على التمرد الحوثي، تعمد ياداف إلى توجيه القارئ من خلال تأملاتها الخاصة وتُدْرِج النقاشات النظرية داخل النص. يُقدّم تحليل ياداف فهمًا شاملًا لتهميش الطائفة الزيدية الشيعية، إذ تزعم أنّ الأمر «يستند إلى سلسلة من التحديات التي تواجه وضع النخبة التقليدية في شمال اليمن» (ص76)، وليس العائلة الحوثية وحدها. وعلى سبيل المقارنة، فإن تفسيراتها لجذور "الحراك الجنوبي" بدت أكثر إيجازًا، لكنها دقيقة في الوصول إلى جوهر المسألة. 

صُلْب موضوع الكتاب هو الفصل الرابع الذي يقدم دراسة مفصلة للفترة الانتقالية من 2011 إلى 2014، والتي تصفها المؤلفة بأنها «أعظم المكاسب الفعلية التي حقّقها الناشطون المدنيون اليمنيون في سعيهم لتحقيق العدالة» (ص18). يركز الفصل على التأثير العميق للعمل الجماعي على جيل جديد من الناشطين المدنيين في اليمن. كانت انتفاضة العام 2011 وما أعقبها، حافزًا لهؤلاء الناشطين على إقامة علاقة بنّاءة مع الدولة والمجتمع على السواء. وقد أتاحتْ هذه "الحركة الثورية" التي عاشها الناشطون «فرصًا لتفاعلٍ عابر للحدود الاجتماعية»، و«غيَّرَت الهُويات السياسية» وشكَّلت فهمهم للعمل الجماعي الذي عزَّز بدوره التضامن (ص113). هذا «التأثير الجذري» (ص108) للفترة الانتقالية سوف "يلقي بظلاله الكثيفة" ومن ثَمّ سيشكّل مرجعًا للعديد من الناشطين العاملين في مجال العدالة في مرحلة ما بعد الصراع اليوم. كما توضِّح ياداف أوجه القصور والنتائج الإيجابية لمؤتمر الحوار الوطني، مسلطةً الضوء على الكيفية التي يتم بها «تطوير التوصيات التي خرجت بها مجموعات الحوار الوطني من خلال عملية حوار متواصلة وشاملة كانت الأكثر تمثيلًا من أي مؤسسة أخرى في اليمن في ذلك الوقت أو منذ ذلك الحين» (ص136). إلا أنها تشير أيضًا إلى ما شهدته الفترة الانتقالية من وقائع معوِّقة مثل المظالم الجديدة التي نشأتْ خلال هذه الفترة بسبب توفير الحصانة لصالح التي زادت من صعوبة «بناء يمن جديد» (ص120). 

إن تشرذم البلاد وكذلك حالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع اليمني قد جعلا الأمور أكثر صعوبة على الناشطين المدنيين للقيام بأعمال العدالة، ولكن على الرغم من العقبات، فإنهم يواصلون عملهم في مجال العدالة لتوثيق الانتهاكات.

نقد إضفاء الطابع الأمني والإنساني على بناء السلام

يركز الفصلان الأخيران من الكتاب على المسار المتغير للأعمال المدنية، حيث تطلَّب الأمر من الناشطين إعادة توجيه شواغلهم من الجهود الانتقالية إلى جهود بناء السلام. بعد أن تقدم ياداف ملخّصًا موجزًا للحرب المستمرة ومسار السلام الرسمي وجهود وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الأمم المتحدة، تفحص بشكل نقدي المقاربات القائمة في إنتاج المعرفة وبناء السلام وفشلها في معالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع والظلم في اليمن. وتُشَدِّد على أن «الرفض المتكرر لمطالب العدالة أو للتعامل الاستراتيجي معها على مدى 30 عامًا [...] يظل المُحرّك الأساسي للصراع» (ص197)، وتطرح إشكالية تهميش الناشطين المدنيين اليمنيين الذين «يتم تجاهل مخاوفهم لصالح أولويات الأطراف الضالعة في الصراع» (ص155). ويتضح هذا بشكلٍ خاص فيما تسميه ياداف "إضفاء الطابع الأمني على بناء السلام" securitization of peacebuilding، حيث عملت السرديات البديلة على تغييب مطالب العدالة و«صرف الاهتمام بعيدًا عن الأشكال المهمة للفاعلين اليمنيين» (ص172). الواقع أن ياداف قدَّمَتْ وصفًا دقيقًا لمخاطر وأوجه قصور إنتاج المعرفة التي تركّز على البواعث المُحرِّكة للصراع الإقليمي وتتجاهل البواعث المحركة للصراع في الداخل اليمني، ومن ثَمّ فإنها لا تعمل على زيادة حظوظ عملية السلام فحسب، بل تُبقي أيضًا العديد من المظالم البنيوية معلقةً دونما حل. 

إنّ تشرذم البلاد وكذلك حالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع اليمني، قد جعلا الأمور أكثر صعوبة على الناشطين المدنيين للقيام بأعمال العدالة، ولكن على الرغم من العقبات، فإنهم يواصلون عملهم في مجال العدالة لتوثيق الانتهاكات (ص182). إن "إضفاء الطابع الإنساني على جهود بناء السلام" humanitarianization of peacebuilding work المتمثل في دفع المنظمات المانحة الناشطين المدنيين إلى "تقديم الخدمات الإنسانية"، قد أدى إلى الحَدّ من نطاق أهداف بناء السلام التي تعالج بواعث الصراع، وكذلك حرمان الناشطين المدنيين من فرصة توظيف مهاراتهم (ص177). تختتم المؤلفة التحليل بملاحظة تشجيعية تُذَكِّر القارئَ بأن «الناشطين المدنيين في اليمن ببساطة لا ينتظرون» اتفاقات السلام بل يواصلون جهودهم في مجال العدالة «في ظل عقود من المظالم المستعصية على الحل، وفي ظل عملية انتقالية فاشلة، والآن، في ظل الحرب» (ص198) وتحفز صانعي السياسات على تعزيز دور هؤلاء الناشطين المدنيين. 

منظور جديد بشأن المقاربات القائمة على المشاركة للعدالة الانتقالية

إن كتاب ياداف، بتسليطه الضوء على أصوات الناشطين وتجاربهم في المجتمع المدني اليمني، يقدم منظورًا فريدًا وقيّمًا حول التحديات التي تواجه اليمن في أعقاب الربيع العربي والصراع المستمر. تحلل ياداف بشكلٍ مستوعب البيانات النوعية الثرية التي تم جمعها على مدار العقدين الماضيين. ولا بدّ من الاعتراف أن استخدام أساليب بحث متعددة، بما في ذلك المقابلات المستفيضة، ومناقشات جماعية مركَّزة مع مجموعة متنوعة من الناشطين، وتحليل الصحف اليمنية، يوفِّر أساسًا متينًا لمعالجة القضايا المعقدة لمطالب العدالة. وقد كان لانغماس ياداف في المجتمعات المحلية دورٌ في تمكينها من تحديد القضايا والاتجاهات الرئيسية في المجتمع اليمني، وهي في الوقت نفسه تَعْكِس موقفَها الخاص بوصفها باحثةً أمريكية. علاوة على ذلك، فإنّ العناية الجديرة بالثناء التي أولتها ياداف لأخلاقيات العمل الميداني والتوظيف المسؤول للبيانات، قد برزت في مقدمة كتابها، وهي ليست سوى شهادة على مستوى التعاطف والحَصَافة اللذين تمتعت بهما المؤلفة تجاه موضوع بحثها (ص12). 

يتمحور الكتاب حول الأحداث التاريخية، ممّا يوفر فهمًا شاملًا ومتوافقًا مع الترتيب الزمني للوضع الاجتماعي والسياسي في اليمن. غير أنّ القرّاء الذين ليسوا على معرفة باليمن، قد يجدون صعوبةً في المتابعة في بعض الأحيان، بسبب تعقيد الموضوع. ومع ذلك، فالكتاب يظل مصدرًا ممتازًا للطلاب المهتمين بتاريخ اليمن الحديث من منظور الناشطين المدنيين. 

تجمع ياداف بمهارةٍ بين خبرتها الأكاديمية والتطبيق العملي المكتسب عبر عملها كمستشارة في مشاريع أبحاث بناء السلام. وقد أتاح لها تعاونها مع العديد من المنظمات اليمنية والناشطين المدنيين فهمًا عميقًا للبواعث الحركية المعقدة للمشهد السياسي، فضلًا عن تقديرها للدور المحوري الذي يلعبه المجتمع المدني في السعي لتحقيق العدالة. ولا شك في أنّ دمج الرؤى النظرية والخبرة العملية قد جعل ياداف قادرةً على تقديم كتابٍ يتسم برصانة البحث ونفاذ البصيرة على نحوٍ استثنائي فيما يقدمه من منظور جديد حول أهمية المقاربات القائمة على المشاركة في تحقيق العدالة الانتقالية.

Stacey Philbrick Yadav
ستايسي فيلبريك ياداف

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English