كيف أثّرت أحداث يناير 86 على الشمال والجنوب؟

الحلقة الـ5 من مذكرات يحيى الشامي
December 15, 2021

كيف أثّرت أحداث يناير 86 على الشمال والجنوب؟

الحلقة الـ5 من مذكرات يحيى الشامي
December 15, 2021

من حيث انتهى بنا حوار الذاكرة في حلقته الرابعة، نبدأ رحلتنا الخامسة مع الأستاذ يحيى الشامي عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، التي تحتوي على تفاصيل جديدة لقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ونعيش حكاية أربعة من رؤساء جنوب اليمن ومراحل صعودهم وسقوطهم، وما رافق تشكل الجمهورية الماركسية الوليدة في طرف الخيمة العربية وأنظمتها التقليدية، من محطات وأحداث؛ ابتداء بحركة يونيو التصحيحية 1969، وصولًا إلى إحداث 13 يناير 1986، الدامية التي سحبت ظلالها القاتمة على الجنوب والشمال.

حوار: سام أبو أصبع

  • توقفنا بحوار الذاكرة في الحلقة الماضية عند أحداث فتحت الباب على عدد من الملفات والأحداث التاريخية في الشطر الجنوبي من الوطن، والتي ما يزال البعض منها غامضًا ومبهمًا حتى يومنا هذا وأتمنى أن نبدأ معك من أحداث 1969، وما سميت حينها بالحركة التصحيحية والتي انتهت بطي صفحة الرئيسين قحطان الشعبي وعبداللطيف الشعبي؟

ما حدث في 1969، له صلة ببعض القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وله صلة بالأوضاع في الشمال أيضًا، وخصوصًا الصراع في 1969، كان على صلة بقضيتين: من يرى تعزيز التحولات الاجتماعية بسرعة أكبر، ومن يرى تخفيف هذا التوجه والمشي ببطء، وكان فيصل وقحطان يتزعمون هذا التوجه، وللأسف انتهى فيصل في السجن؟


  • هناك من يقول إن أسباب الصراع في 1969، بين قحطان الشعبي وفيصل عبداللطيف من جهة، وعلي عنتر وسالمين وعبدالفتاح من جهة أخرى، كان بسبب رفض قحطان وفيصل دمج ما سُمّي الجيش الشعبي (القبائل) في قوام الجيش، وإن ذلك الأمر كان النواة الأولى للصراع؟

في 1969، كنت في صنعاء، وكنا نتابع مسيرة الاستقلال الوطني في جنوب البلاد، وأذكر أننا كنا مستائين من نزعة جنوبية في سياسة السلطة، وسمعنا حينها أنه في إطار العناصر القيادية الجنوبية، ومن بينهم قحطان وفيصل، يميلون للتعامل مع المواطنين الشماليين كرعايا دولة أخرى، في حين كان الشعب في الجنوب والشمال ينظر إلى نفسه كشعب واحد، حتى في أيام الاستعمار البريطاني وبعد الاستقلال، شعب واحد بدولتين؛ هذا جانب، وفي الجانب الوطني كان هناك اختلاف بين مجموعة وأخرى، لكن صراحة أنا أعرف فيصل عبداللطيف شخصيًّا من أيام الدراسة في القاهرة، وكان شخصًا مثقفًا ثقافة عالية ومناضلًا صلبًا وحزبيًّا ممتاز، ولعب دورًا في شد الرئيس قحطان الشعبي من "رابطة أبناء الجنوب" إلى الابتعاد عنها، على أساس اليمن الكبير.


  • من بدأ جولة الصراع؟

الصراع بدأ، تحديدًا وعلى ما أتذكر، في 20 مارس [1969] عندما قام الرئيس قحطان الشعبي، مسنودًا بالجيش، بشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف التيار المناوئ لسياسته في الجبهة القومية، وزجّ بالعديد منهم في السجن؛ منهم عبدالفتاح إسماعيل (أصيب في الأحداث)، وعلي صالح عباد (مقبل) -كما أعتقد- وغيرهم من المناضلين، في حين لجأ كلٌّ من سالمين وعلي عنتر إلى مناطقهما، وكانا من قيادات التيار اليساري في الجبهة القومية، وعرفوا بـ"جماعة الجبل". بعد حركة 20 مارس، سيطر جناح قحطان وفيصل في الجبهة القومية، على مقاليد السلطة في عدن، واستمروا فيها حتى يونيو، قبل أن تقود "جماعة الجبل": (سالمين وعلي عنتر والجناح اليساري في الجبهة القومية)، ثورة شعبية مدعومة بالجماهير والقوات الشعبية تمكنت من الإطاحة بقحطان وفيصل من السلطة. وعُرفت بحركة 22 يونيو التصحيحية 1969، ووضع على إثرها الرئيس قحطان الشعبي تحت الإقامة الجبرية، وتولى سالم ربيع علي (سالمين) رئاسة البلد، ومحمد علي هيثم رئيسًا للوزراء.


  • كيف كانت نهاية فيصل عبداللطيف؟

هناك رواية تتحدث عن انتحاره في السجن.


  • ألم تتم تصفيته؟

لا، أنا شخصيًّا لا أعرف. وهنا أريد أن أشير إلى أن علي عنتر وسالمين، كانا في الصف نفسه، الذي واجه فيصل وقحطان في 1969، قبل أن يتحولا إلى خصمين في إحداث 1978.


  • كيف تحول الصراع داخل الجبهة القومية من صراع بين تيار اليمين وتيار اليسار، إلى صراع داخل تيار اليسار وصل إلى حد الانفجار في العام 1978م؟

كما قلت لك سابقًا، بسبب التحركات الفردية والقرارات الأحادية التي أقدم عليها الرئيس سالمين، منها العلاقة مع إبراهيم الحمدي، بمعزل عن تنظيم الجبهة القومية الذي يحكم الجنوب، وخلقت هذه التصرفات تحسسًا شديدًا في قيادة الجبهة القومية. عمومًا انفجرت الأوضاع، حسب ما أتذكر في 26 يونيو 1978، وكان هناك اجتماع للجنة المركزية، حين بدأ الطرف المحسوب على سالمين قصفًا مدفعيًّا من القصر الرئاسي على مبنى اللجنة المركزية في استهداف واضح للقادة المجتمعين.


  • هل أمر سالمين بضرب اللجنة المركزية؟

ما زال الأمر ملتبسًا لدي حتى اليوم؛ هل تم الضرب بمبادرة ذاتية من حراسته لأن الوضع كان غير منضبط، أم بتوجيهات من سالمين، لكن كان الطرف الآخر مستعدًا للمواجهة. وأتذكر حينها تحرك بعض الأسلحة وبعض عناصر الميليشيا الشعبية في وجه القصف المدفعي من القصر الرئاسي في معاشيق على اللجنة المركزية، وتمكنت من السيطرة على الأوضاع وهزيمة سالمين. وتولى عبدالفتاح إسماعيل الأمانة العامة للجبهة القومية ورئيسًا للبلد، وعلي ناصر محمد رئيسًا للوزراء. وفي العام نفسه [1978] في 14 أكتوبر، عُقد المؤتمر الأول الذي على إثره أعلن عن قيام الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب. وللأسف خسرنا في هذا الصراع شخصيات مهمة، ولا أخفي عليك أنني كنت في الطرف الذي فيه عبدالفتاح إسماعيل وعلي عنتر، لكن لا بد من الاعتراف أننا خسرنا شخصيات مهمة من الطرفين.


أتذكر أني وبعض الرفاق اقترحنا مبادرة لنزع فتيل الصراع قبل تفاقمه، وذهبنا أنا وجارالله عمر والدكتور محمد قاسم الثور، للقاء علي ناصر محمد  إلى منزله للحوار، وكان لا يزال في غرفة نومه.


  • على سبيل المثال؟

سالم ربيع علي (سالمين)، وجاعم صالح، وخسرنا كذلك عبدالفتاح إسماعيل، الذي قدم استقالته في 1980، وغادر إلى موسكو، وتولى علي ناصر محمد الرئاسة.


  • ما هي الأسباب التي أدت إلى استقالة عبدالفتاح إسماعيل ومغادرته عدن وانتقال السلطة إلى علي ناصر محمد، وهل كان له علاقة بقرار إيقاف حرب 1979م بين الشمال والجنوب؟

لك الحق في أن تعطيها هذا التفسير، وطبعًا لا تستطيع فصل المواقف عن بعضها، ولكن الإشكالية التي حصلت بين عبدالفتاح وعلي عنتر، كانت بعد هذا الاجتماع بفترة، وعلى صلة بإعدام محمد صالح مطيع، وكان علي عنتر حينها غائبًا خارج البلد(1).

والخلاف داخل قيادة الحزب، كان هناك إشكالية شديدة بين عبدالفتاح وعلي عنتر، وأنا أذكر في لقاء مع علي ناصر، أننا اتفقنا على إرسال جارالله إلى عبدالفتاح ليطلب منه الرحيل. وبالفعل رحل عبدالفتاح إسماعيل، وسلم قيادة الحزب والدولة، لتنتقل القيادة إلى علي ناصر محمد، ولم تكد تمضي سوى فترة بسيطة حتى دب الخلاف بين علي عنتر وعلي ناصر محمد(2). وأتذكر في لقاء لي مع الرفيق علي عنتر، أنه قال: إذا كان هناك من نقطة سوداء في تاريخي، فهي خلافي مع عبدالفتاح إسماعيل. لأن علي عنتر، وبالرغم من أسلوبه الشعبي في تعاطيه مع القضايا المختلفة، وبحكم نشأته وهو عامل في الكويت في إطار حركة القوميين العرب، كان طابعه الشعبي واليساري وانحيازه الاجتماعي للشعب، واضح ولا لبس فيه، ولا أستطيع أن أتهم علي ناصر والآخرين بأنهم كانوا بعيدين عن مصالح الشعب، ولكن كانوا يفكرون بشكل مختلف.


  • أنت تشير الآن إلى بذور أحداث 13 يناير 1986؟

نعم، بدأ الصراع قبل أحداث يناير 1986، وأتذكر أني وبعض الرفاق اقترحنا مبادرة لنزع فتيل الصراع قبل تفاقمه، وذهبنا أنا وجارالله عمر والدكتور محمد قاسم الثور، للقاء علي ناصر محمد  إلى منزله للحوار، وأتذكر أنه كان في غرفة النوم، وخرج منها محمد علي أحمد وبدأ معنا في النقاش، وبدا علي ناصر وكأنه يميل إلى ترك محمد علي أحمد يناقشنا والظهور بمظهر الحياد (كأنه مالوش دعوة). وأتذكر قوله حينها: أكملوا الحوار بينكم، وبالفعل انتقلنا إلى أبين لاستكمال الحوار، وكان محمد علي أحمد حينها محافظ أبين، وكان دافعنا القلق من تداعيات أي صراع في عدن، وكنا على استعداد لتحمل الاعتقالات والتشرد في الشمال على أن ينشأ صراعٌ في الجنوب، والذي إذا ما حدث، ستكون له تداعيات وخيمة في الشمال والجنوب على حد سواء. وللأسف هذا الذي حدث.


في بداية الثمانينيات كان لدى علي عنتر آراء جديدة في التعاطي مع الشمال، وبدأ البعض يفكر بأن علينا أن نغير سياستنا وأن نهدأ في الشمال (نخفف دعم الكفاح المسلح) وأثارت هذه النقطة الخلاف.


  • نريد منك أستاذ يحيى أن تقف بنا على جوهر الصراع  الذي قاد إلى أحداث 13 يناير 1986، بين الرفاق؟

هذا سؤال مهم. سبق أحداث يناير جدل داخل الحزب حول بعض القضايا؛ مجموعة كانت ترى ضرورة مواصلة التغيير الثوري في الحياة السياسية الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكبر مما هو موجود، والبعض كان يرى عكس ذلك، بمعنى على مهلنا. هذا واحد، والسبب الثاني الذي لمسته وعشت تفاصيله، ولو عدنا بالأحداث قليلًا (ولاحظ نحن نتحرك في التاريخ ذهابًا وإيابًا، حسب متطلبات الحوار)، كانت هناك مبادرة من البعض في العلاقة مع الشمال، وخصوصًا مع صعود الحمدي إلى سدة الرئاسة، وكان هناك لقاء على مستوى رئاسة الشطرين قبل تشكل الحزب الاشتراكي، ولاحظت تحفظ قيادات في الجبهة القومية- التنظيم الموحد، على هذه المبادرات الفردية التي توجت في اللقاء في قعطبة، بمعزل عن التنظيم الموحد للجبهة القومية. ورغم أن هذه الأحداث قديمة وسابقة لأحداث 13 يناير 1986، إلا أنها ظلت تحفر مع مرور الوقت وتفعل فعلها في السنوات اللاحقة، وصولًا إلى 1986. بعدها حصلت أيضًا تغيرات في العلاقات بين العناصر القيادية؛ على سبيل المثال، أصبح علي عنتر وآخرون على غير وفاق ولم يعودوا مرتاحين لعبدالفتاح إسماعيل، وكان الأمر على صلة بالقرار الذي اتخذه المكتب السياسي ضد محمد صالح مطيع. وبدأ علي عنتر ومجموعته بالضغط لإبعاد عبدالفتاح إسماعيل من قيادة الحزب والدولة وكلف الرفيق جار الله عمر للذهاب إلى عبدالفتاح إسماعيل والجلوس معه لمناقشة هذا التأزم الناشئ، ويطلب منه ترك رئاسة مجلس الشعب الأعلى ومغادرة البلد حفاظًا على الوحدة القيادية للحزب. وذهب جار الله عمر للقاء عبدالفتاح إسماعيل، وبحسب جار الله، عندما أخبره بقرار إبعاده سأله عبدالفتاح: هل القيادة هي من اتخذت قرار إبعادي. فرد عليه إيجابًا، وأن القرار اتخذ في قيادة الحزب، فكان رده مباشرة حاضرًا: سأنفذ قرار القيادة وسأغادر. وبالفعل غادر الرفيق عبدالفتاح إسماعيل عدن إلى موسكو، وتولى بعده الأمانة العامة للحزب الاشتراكي ورئاسة الدولة علي ناصر محمد، وهنا بدأ الخلاف يدب بين علي عنتر من جهة، وعلي ناصر من جهة ثانية، والذي بدأت تتركز في يده معظم السلطات في الحزب والدولة. وحسب ما قلت لك سابقًا، أنه في لقاء مع علي عنتر قال لي: إذا في نقطة سوداء في تاريخي فهي وقوفي ضد الرفيق عبدالفتاح إسماعيل. وكان يتكلم بهذا الكلام مع الرفاق، إضافة إلى آراء جديدة، (نوع من التنوع) في التعاطي مع الشمال في بداية الثمانينيات، وبدأ البعض يفكر بأن علينا أن نغير سياستنا وأن نهدأ في الشمال (نخفف دعم الكفاح المسلح) وأثارت هذه النقطة الخلاف.


  • من صاحب هذه الفكرة؟

شوف، أحيانًا في البلدان المتخلفة تتداخل الأمور، ولا يعني الثبات في الموقف من "فلتان" أو "علان" تجاه مسألة معينة، وحتى أنا أتذكر بعد حوارات 73، التي تحدثنا عنها سابقًا، تشكلت هيئة عليا لليسار، شمالًا وجنوبًا، بمسمى "مجلس التنسيق"، ولكن مع اشتداد الصراع في الشمال، شكلت قيادة يومية كان يرأسها علي ناصر محمد، وهنا -خذ بالك- بدأ نوع من التململ؛ كيف يتم التعاطي مع الشمال مع تصاعد الصراع السياسي والمسلح في مناطق واسعة من الشمال في هذه الفترة قبل يناير؟ ومع بروز فكرة التعاطي المختلف مع الشمال من قبل الطرف الذي يقف على رأسه علي ناصر، بدأت تتداول فكرة ضرورة عودة عبدالفتاح إسماعيل.

وأتذكر أني طلبت لقاء مع علي ناصر واستجاب لطلبي، وتم تحديد موعد للقاء. وفي اللقاء طرحت له موضوع عودة عبدالفتاح إسماعيل، وقبل لقائي به كان هناك لقاء جمعه ببعض الرفاق في الطليعة الشعبية: أنيس حسن يحيى وعبدالغني عبدالقادر الشيباني- كما أتذكر. وفوجئت بوجودهم وبادرتهم بالقول: يبدو أن علي ناصر أتى بكم لتردوا علي أنتم بدلًا منه، فخليكم ساكتين وأنا سأتحدث معه وأسمع منه رأيه. وحقيقة التزم الرفيقان بما طلبته منهما، وجاء علي ناصر وطرحت عليه موضوع عبدالفتاح، وقلت له: كنتَ وعبدالفتاح إسماعيل في مراحل معينة منسجمين وموقفكم واحد، وحضوري الآن جاء لإطلاعك على عودته.

وكما قلت لك، بدأ التململ تجاه كيفية إدارة الصراع في الشمال بين طرفين؛ طرف يرى ضرورة التهدئة (ونشوف أنفسنا في الجنوب)، وطرف يرى أن مصير الجنوب مرتبط بمصير الأوضاع في الشمال. وبدأت التغيرات داخل الشمال مع بروز الكفاح المسلح بشكل أكبر ومحاولة الناصريين الانقلاب في صنعاء، وبعد فشل المحاولة نزحت كثير من قياداته إلى الجنوب والتحقت بالجبهة الوطنية، ولكننا فوجئنا بعد فترة تركهم للجبهة وعودتهم إلى صنعاء، مع وفد زار عدن حينها برئاسة عبدالعزيز عبدالغني كما أتذكر، وكان هذا فيه نوع من الاحتجاج من قبلهم على موضوع تحديد المفاوضين الرئيسين للجبهة الوطنية الديمقراطية مع النظام في صنعاء. واقترح حينها سلطان أحمد عمر ويحيى الشامي، وكان مثار استياء الناصريين هو عدم تمثيلهم في الحوار.

وبعد بضعة أشهر غادروا عدن في اتجاه صنعاء، مع أنهم كانوا قد تركوا ممثليهم في بعض المناطق في إطار الجبهة الوطنية.

عمومًا كان الوضع في الشمال مثار خلاف في الجنوب، إضافة إلى ما أشرت إليه سابقًا حول تعزيز مسيرة التغيير الثوري في الجنوب أو إبطاء المسار. عمومًا، صار هناك حساسية في العلاقات.


  • ماذا رد عليك علي ناصر على طلب عودة عبدالفتاح؟

استكمال الحوار مع محمد علي أحمد.


  • وهل تم ذلك؟

نعم واختير الرفيق حسن قماطة للحوار، وكان قريبًا من عبدالفتاح إسماعيل. وبعد لقائنا الثاني كانت قد بدأت تطفو على السطح النزعات المحلية: "أصحاب الضالع" مع "أصحاب أبين"، وكان هذا الأمر يثير لدينا الكثير من القلق ومما سيعكسه طابع هذا الصراع على الأوضاع في الجنوب والشمال.

وعند وصولنا إلى أبين لاستكمال حوارنا مع محمد علي أحمد، وجدنا أن محمد سعيد عبدالله محسن، ووزير الزراعة، وصالح مصلح، قد سبقونا إلى هناك، وكنا مستغربين من بعض الأطروحات! وأتذكر أن محمد علي أحمد اصطحبنا بسيارته وتوقفنا عند شخص لا أعرفه شخصيًّا، وتبادلا حديثًا مناطقيًّا، وعندما سألناه مستنكرين: ما هي الحكاية، ومناسبة هذا النوع من الكلام؟ أجابنا بالقول: الموضوع قد صار هكذا، وازداد قلقنا أكثر، وهذا يعني أن الاصطفاف بدأ يأخذ طابعًا محليًّا: علي ناصر ومحمد علي أحمد وغيرهما في جهة، وعلي عنتر وعلي شائع وصالح مصلح وعبدالفتاح إسماعيل، في جهة مقابلة.


  • متى كانت عودة عبدالفتاح إسماعيل من منفاه في موسكو؟

أصر الطرف الذي يقوده الرفيق علي عنتر على ضرورة عودة عبدالفتاح إسماعيل، وهذا ما تم. وعاد عبدالفتاح إلى عدن حسب ما أتذكر في عام 1985، بعد خمس سنوات قضاها في المنفى.


كان علي عنتر غارقًا في دمه، ولكنه ما زال يتكلم، وتحدث بكلام كثير لم أعد أتذكر منه سوى جملته التي وجهها لصالح مصلح: "قد قلت لك يا صالح بايِعملها".


  • ما الذي حدث صبيحة 13 من يناير 1986، في مبنى اللجنة المركزية؟

ما زلت أتذكر، بكثير من الألم، تفاصيل ذلك اليوم الحزين في تاريخ البلد، وكان قد تم الاتفاق بين طرفي النزاع في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني، على اجتماع المكتب السياسي في مبنى لجنته المركزية لحسم بعض القضايا التنظيمية التي كانت مطروحة للتصويت، وكانت مثار الكثير من الجدل وتمت مناقشتها خلال الأسبوع السابق، حول من يكون مسؤول الدائرة التنظيمية في الحزب الاشتراكي، وكان البعض منا يرى أنه طالما رجع عبدالفتاح إسماعيل من موسكو وكان قد أمسك الدائرة العامة، فهو الشخص المناسب لرئاسة الدائرة التنظيمية، وكان الآخرون يطرحون اسم أبوبكر باذيب، وكانت الأغلبية مع عبدالفتاح إسماعيل في تولي رئاسة الدائرة.

وحضرت الاجتماع صباحًا، وعند دخولي قاعة الاجتماعات، اكتشفت غياب الأمين العام علي ناصر محمد، وكان الموجودون هم: علي البيض، وعلي عنتر، وعلي شايع، وصالح مصلح، وأحمد علي السلامي، وعبدالفتاح إسماعيل.

وفي تمام العاشرة، بدأت أحداث ذلك اليوم الدامي التي ما تزال تثير غثياني حتى اللحظة.

كنت أجلس على طاولة الاجتماعات، وعلى يميني مقعد الأمين العام حينها، علي ناصر محمد، وأمامي على الجهة المقابلة، تفصلنا مسافة لا بأس بها، الرفيق علي عنتر، حين بادرني بالسؤال قائلًا: أين "البابور" الذي كنتم تستخدمونه؟ تحتاجه بعض الأسر التي شردت من الشمال ونزحت إلى الضالع. فقلت له: موجود في عهدة مسؤول قوات الشعب الرفيق محمد عبدربه السلامي. ونهضت من فوري في اتجاه غرفة التلفون لإجراء اتصال بمحمد عبدربه السلامي أسأله عن "البابور" (شاحنة)، وانتظرت عاملة التلفون -أعتقد أنها كانت فوزية خوباني- أن تكمل الرد على مكالمة تلقتها. وبينما أنا أنتظر دوري في المكالمة، مر من أمامي ثلاثة أشخاص؛ واحد يحمل شنطة والثاني الشاي والثالث لم أعد أتذكر ما الذي كان يحمله. 

وكان المسؤول عن إعداد الشاي في اللجنة المركزية، ويدعى ثابت، معنا في غرفة التلفون، وصاح بالرجل الذي يحمل الشاي: فِين رايح بالشاي؟ اتركه هنا، لا تدخل القاعة. وقام ليأخذ "ثلاجة" الشاي (البرطمان) من يده، لكن الرجل أعرض عنه بصلف، متجاهلًا يده الممدودة، ودخل مباشرة إلى قاعة الاجتماعات، وكان من بينهم واحد من ردفان اسمه حسان، يتبع علي ناصر. وبينما أنا أنتظر في غرفة التلفون، والتي لديها باب فرعي إلى القاعة، دوت أصوات الرصاص قادمة من اتجاه القاعة.

أتذكر أني انسحبت من غرفة التلفون في اتجاه قاعة الاجتماعات، ووجدت علي عنتر ملقى على الأرض وكذلك صالح مصلح، وكان أحمد علي السلامي يجثو بجوار هذا الأخير وقد مزق بعض القماش ليربط بها صدره في محاولة لإيقاف النزيف، وكان علي عنتر غارقًا في دمه، ولكنه ما زال يتكلم، وتحدث بكلام كثير لم أعد أتذكر منه سوى جملته التي وجهها لصالح مصلح: "قد قلت لك يا صالح، بايِعملها". وطبعًا كنت أفهم لماذا يقول علي عنتر هذا الكلام، لأنه كان قد قدم مقترحًا في وقت سابق باعتقال علي ناصر، وكان صالح مصلح وزيرًا للدفاع وأكثر انضباطًا من الناحية الحزبية، ورفض هذا المقترح.

غادر علي سالم البيض وسالم صالح باتجاه مستشفى باصهيب، وكانت تدور حوله اشتباكات، وأصيب البيض أثناء محاولتهما بلوغ المستشفى، ونجا سالم صالح.


  • هل بالإمكان أن تخبرنا بتفاصيل أكثر عما حدث في القاعة؟

دخل حسان والاثنان اللذان كانا معه إلى القاعة وتحركوا مباشرة إلى مكان كرسي الأمين العام؛ وضعوا فيها الحقيبة، وعند عودتهم مرّ حسان من وراء علي عنتر وباشره بإطلاق النار من الخلف، ومباشرة سحب صالح مصلح مسدسه وأطلق النار على حسان وأصابه، لكن حسان والذين معه ردّوا عليه أيضًا بإطلاق الرصاص، وكانا مدربين بشكل جيد، سواء صالح مصلح أو حسان، وأصابا بعضهما. وكانت هناك غرفة وراء مكتب الأمين العام، وشاهدت عبدالفتاح إسماعيل وسالم صالح وعلي البيض، يخرجون منها، وتحركنا باتجاه الخروج من مبنى اللجنة المركزية، واكتشفنا مقتل العديد من أفراد الحراسة في اشتباكات بينية، ولم يتبقَّ سوى حارس عبدالفتاح إسماعيل يقف في رأس السلم، وحارس آخر يتبع علي عنتر، والمبنى صامت صمت القبور.

انسحبنا إلى غرفة الشؤون المالية والإدارية، والتي تقع في الدور التحتي من قاعة الاجتماعات، وكان مسؤولها الرفيق عبدالرؤوف، وأتذكر اتصالًا هاتفيًّا من سلطان أحمد عمر بي، وبدأت أروي له ما حدث، مغفلًا عنه ما حصل داخل القاعة، وطلبنا منه أن يقوموا بتطويق ما حصل، بحكم أنهم موجودون في المدينة ونحن محاصرون في اللجنة المركزية. وعرفنا بعدها أن علي ناصر كان قد غادر عدن في اتجاه أبين مع آخرين كانوا معه، وبدأ الصراع، وكان الطرف الآخر مستعدًا من خلال بعض الوحدات العسكرية الموجودة في معسكر صلاح الدين، وتحركت باتجاه مقر اللجنة المركزية.

بدأ الصراع في الساعة العاشرة صباحًا، لكن الوحدات العسكرية لم تصل إلا الساعة السابعة مساء، حيث لم تكن تتوقع حدوث ذلك، وهي مجهزة للقتال في الحدود دفاعًا عن الجمهورية لا داخل المدينة.

القوات التي أتت كانت تتبع مجموعة علي عنتر وعبدالفتاح إسماعيل وصالح مصلح، واستمرت الاشتباكات في اللجنة المركزية لوقت قصير، لكنها ظلت مشتعلة في أماكن كثيرة داخل المدينة، وفي المعسكرات.


  • ولماذا جلستم كل هذا الوقت في مبنى اللجنة المركزية؟

سمعنا أن طرف علي ناصر قد أذاع بيانًا في الإذاعة بأنه تم إعدام علي عنتر وصالح مصلح وعبدالفتاح إسماعيل وعلي شائع. وأراد عبدالفتاح الاتصال بالتلفون ومنعناه؛ قلنا له: لا تتصل بأحد كي لا يعرف الطرف الآخر أنك ما زلت حيًّا، وخصوصًا أننا لا نعرف الأوضاع في الخارج، وخارطة الصراع المسلح، وأين هم حلفاؤنا وأين يتمركز خصومنا. وبالفعل استجاب لرأينا ولم يجرِ الاتصال.

لكن عرفنا فيما بعد، أنه بعد إذاعة خبر إعدام الرفاق واعتقال الآخرين، توجه الكثير من الناس والمقاتلين من مناطق مختلفة، وخصوصًا في ردفان والضالع، بالنزول إلى عدن واشتركوا في مقاومة انقلاب 13 يناير 1986. وأتت مدرعتان، إحداهما أقلت عبدالفتاح إسماعيل، والأخرى نقلت علي البيض وسالم صالح، وانسحبت أنا وأحمد علي السلامي من مقر اللجنة المركزية مع المدرعة التي نقلت عبدالفتاح إسماعيل، وكان قائد المدرعة يسأل: أين نتجه؟ فقيل له: إلى المكان الذي أتيت منه.

مشيت أنا وأحمد السلامي على الأقدام جوار المدرعة إلى أن وصلت بالقرب من منزلي الكائن قرب اللجنة المركزية، وانفصلت عن المدرعة واتجهت إلى المنزل. طرقت الباب ولم يجبني أحد، فشعرت بارتياح أنهم غادروا المنزل وكنت قلقًا عليهم، أما أحمد علي السلامي، فكان في الصف الثاني، وواصل [المشي] حتى وصلت المدرعة إلى الباب الرئيسي لدار الرئاسة. رجعت من منزلي في اتجاه مقر قوات الشعب الواقع بالقرب من الرئاسة، ودخلت المقر، وبعدها وصل أحمد علي السلامي، وبعده بقليل وصل علي البيض وسالم صالح. ومن الواصلين من أذيع خبر إعدامه أو اعتقاله، ولم أعد أذكر بالضبط، من المُعدم ومن المعتقل، فقلنا لهم: لا بد أن تغادروا هذا المكان، الذي لم يكن محصنًا كفاية، ولا يوجد فيه سوى حراسة بسيطة. وبالفعل غادر علي سالم البيض وسالم صالح في اتجاه مستشفى باصهيب، وكانت تدور حوله اشتباكات، وأصيب أثناء محاولتهم بلوغ المستشفى، ونجا سالم صالح. المهم أنا شخصيًّا عندما سمعت أن هناك مقاومة، تأكدت أن الانقلاب سيفشل، وكنت أنا والسلامي في المقر ومعنا مجموعة صغيرة من الشباب تناوبوا على حراستنا، ووقت النوم كانوا ينامون، وأضطر أنا وأحمد علي السلامي للتناوب في الحراسة فترات نومهم.

يتبع في الحلقة السادسة.. 

هوامش:

(1) تم إعدام محمد صالح مطيع في فبراير/ شباط 1981، في عهد الرئيس علي ناصر بعد أن تم إقصاء الرئيس عبدالفتاح إسماعيل عن السلطة في 20 أبريل 1980، وأعدم مطيع أثناء ما كان علي عنتر في رحلة علاجية في الهند.

(2) جمع الرئيس علي ناصر محمد بين الرئاسات الثلاث: رئاسة الدولة ورئاسة الحزب، وهذا كان ضمن دستور البلاد، وأضاف إليهما رئاسة الوزراء.


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English