"قلعة القاهرة" تبدد منغصات العيد

في بورصة الحرب... عيدٌ مُقطّع الوصال!
محمد علي محروس
July 22, 2021

"قلعة القاهرة" تبدد منغصات العيد

في بورصة الحرب... عيدٌ مُقطّع الوصال!
محمد علي محروس
July 22, 2021
Photo by: Khalid Al-Qadi - Khuyut

بعد أيام من التفكير، اتخذ جلال علي قرار السفر إلى القرية، وهو الذي يتحاشى الخوض في ذلك لبُعد المسافة القسرية بفعل الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، لكنه لا يحتمل العيد دون أمه وأسرته التي تنتظره في الضفة الأخرى من محافظة تعز حيث يسيطر أحد طرفي الصراع عليها، كما يقول.

ساعة ونصف ستوصله إلى قريته المعتلية لأحد جبال مديريتي شرعب، شمال محافظة تعز، هذا كل ما يحتاجه جلال للاحتفال بين أهله وناسه من قبل، غير أن الحالة المختلفة لتعز دونًا عن بقية المحافظات التي تعيش الحرب ضاعفت من ذلك لتصبح  11 ساعة، وسط طرق بديلة وأكثر وعورة محفوفة بمخاطر لا تُحصى.

جلال نموذج لحالات عدة لم تعد باستطاعتها العودة متى ما تريد بسبب إفرازات الحرب على كافة المستويات، وبالقدر الذي تبدو فيه محافظات مستقرة ومفتوحة أمام أبنائها ذهابًا وإيابًا، فإن محافظتي تعز والحديدة تعيشان وضعيتين متقاربتين بفعل الحصار المفروض على عدد من مناطقهما من قبل جماعة أنصار الله والحكومة المعترف بها دوليًّا؛ ما أدى إلى انقسامهما من حيث التبعية، وهو ما عقّد عملية التنقّل بين عدد من المديريات رغم المسافات القريبة والفوارق الزمنية التي لا تُذكر.

شرايين متقطعة

في العادة تفصلك عشر دقائق على الأكثر للوصول إلى منطقة الحوبان التي تمثل امتدادًا لمدينة تعز ورئة اقتصادية ومتنزهًا تنفسيًّا يهرع الناس إليها مع كل فرصة تتاح لهم، لكنها فُصلت تمامًا عن مدينة تعز منذ سبع سنوات، والعشر الدقائق الفاصلة بين مدينة تعز ومنطقة الحوبان باتت قرابة خمس ساعات، وحافلة الركاب التي تُقلك عبر طريق أسفلتي سالك أصبحت سيارة صالون تتسلّق جبال الأقروض المعلّقة التي تُعد واحدةً من أوعر الطرق الجبلية في البلاد.

تقول الإخصائية النفسية عهود مهدي، إن هناك أوقاتًا من المفترض أن يكون السائد فيها الفرح والسعادة كالأعياد، ولكن كيف يفرح من يعيش بعيدًا عن ذويه وأهله، ويعاني ويلات هذه الحرب وتبعاتها

من الغرب، يواجه المسافرون حالةً مشابهة لتلك التي عليك المرور بها إلى الحوبان، عبر منفذ ميلات بمديرية جبل حبشي، وجلال يعيش ذلك مع كل مرة يعود إلى قريته، ويعدها واحدة من الأسباب التي تمنعه من مجرد التفكير بالعودة وليس فقط السفر.

الحديدة أيضًا تبدو المدينة منقطعة عن محيطها بفعل الحرب الدائرة على تخومها والقوات العسكرية الرابضة منذ سنوات بعد معارك قطّعت وصال المحافظة الساحلية وتسببت في موجة نزوح كبيرة، حتى إن وضعها المختلف أغلق الباب في وجه توفيق حيدر بالعودة إليها، وهو الذي قال في حديثه لـ"خيوط": "أتمنى أن أعود اليوم قبل بكرة، لكن ما في اليد حيلة، والحرب لا تؤتمن، نفسي أعيش أجواء الحديدة التي أفتقدها من ثلاث سنوات"، ونزح حيدر عام 2019 إلى مدينة تعز؛ فارًّا من جحيم الحرب التي تشهدها عدد من مديريات الحديدة.

وتعيش محافظات، كمأرب والبيضاء والضالع، وضعًا متفاوتًا؛ بسبب اختلاف الطرف المسيطر على منطقة دون الأخرى، مما أدى إلى وجود حواجز عسكرية ومنافذ للدخول والخروج مصحوبة بإجراءات منغصة تمنع بعض الأسر من لمّ شملها لأسباب سياسية عسكرية.

طقوس باهتة

لا تُعد عملية التنقّل وما يرافقها، السبب الوحيد وراء مصادرة فرحة العيد عند كثير من اليمنيين، فالطقوس الباهتة التي يُستقبل بها عيد هذا العام ارتبطت بظروف اقتصادية تبدو الأقسى منذ اندلاع الحرب.

وصل الريال إلى حالة انهيار تاريخي في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا؛ إذ تجاوز حاجز الألف مقابل الدولار الواحد، صاحَب ذلك الانهيار ارتفاع هستيري في أسعار السلع الأساسية والاحتياجات العيدية الضرورية، ولا يختلف المشهد كثيرًا في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله التي تشهد انقطاعًا لرواتب الموظفين، إضافة إلى سلسلة إجراءات جبائية تُفرض على التجار والباعة من حين لآخر، وهو ما ألقى بظلاله على الحالة العامة هناك.

"الظروف الاقتصادية وإطالة أمد الحرب جعلتا العيد بلا طعم، ومع كل سنة تُصادر هذه الحرب جزءًا من فرحتنا"، هذا ما قاله محمد الكثيري الناشط الإنساني بمحافظة حضرموت لـ"خيوط".

ويربط الكثيري في حديثه لـ"خيوط"، بين ما يجري وبين تفاعل الناس معه وعكسه على حياتهم اليومية، سواءً كانوا مقيمين أو نازحين، فالكل في حكم الحرب سواسية، ولم يعد يعنيهم ما سيكون غدًا، أكان عيدًا أم لا.

وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن أكثر من 20 مليون شخص في اليمن يعاني من انعدام الأمن الغذائي؛ منهم 10 ملايين معرضون لخطر المجاعة. 

المنظمة ذاتها تحدثت عن تضرر الاقتصاد اليمني بشدة؛ فمئات الآلاف من الأسر لم يعد لديها مصدر دخل ثابت، ولم يتلقَّ الكثير من الموظفين الحكوميين مرتبًا منتظمًا منذ سنوات، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية.

انعكاسات أخرى

تتفاوت مظاهر العيد من محافظة إلى أخرى على الرغم من أن المحافظات التي لم تشهد حربًا لا تختلف كثيرًا في صورتها العامة مع تلك التي عاشت الحرب وتفاصيلها منذ البداية، وهو ما تؤكده الصحفية نور سريب في حديثها لـ"خيوط"، "فالمسيطرون يختلفون والمآسي تتشابه، وبينهما حياة المواطنين التي لم تتحسن منذ سنوات".

مهرجان قلعة القاهرة السنوي ، تعز - تصوير: خالد القاضي - خيوط
كعادتها تتصدر قلعة القاهرة في تعز المشهد العيدي في اليمن، فالمهرجان السنوي في القلعة كان في مقدمة الخيارات بالنسبة لآلاف الزوار المتعطشين للحياة من بين رحم الحرب والألم والمعاناة

"لم يعد للعيد طابعه السابق، فالأهالي يواجهون الانهيار الحاصل بما يبقيهم على قيد الحياة، ويكافحون لطرد شبح الجوع، فالعيد والاهتمام بمظاهره لم يعد أمرًا أساسيًّا لهم"، كما تقول سريب.

إلى أبعد نقطة تذهب الأخصائية النفسية عهود المهدي، فمن وجهة نظرها: "هذه الظروف ما هي إلا وقود لظهور الاضطرابات النفسية، حيث إن هذه الاضطرابات قد تتفجر بشكل مباشر أو بعد حين (في المستقبل)، ومن أمثلة هذه الاضطرابات: (كرب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، القلق العام، اضطراب الهلع، الوسواس القهري، الفصام) وغيرها الكثير.

ولا تستبعد المهدي أي فئة من فئات المجتمع، فقد يصاب بها الكبير والصغير، الذكور والإناث، الفقير والغني، كلهم سواسية.

وتضيف المهدي في تصريحها الخاص لـ"خيوط"، أن هناك أوقاتًا من المفترض أن يكون السائد فيها الفرح والسعادة كالأعياد، ولكن كيف يفرح من يعيش بعيدًا عن ذويه وأهله، ويعاني ويلات هذه الحرب وتبعاتها.

ولا يرتجي من تقطعت بهم السبل ولم يحظوا بوصال أهلهم بعد، أو أولئك المتشبثون بالحنين من عام لآخر سوى انفراجة تعيدهم إلى أحضان أسرهم دون عناء، وذلك عيدهم المنتظر، الذي لم يحن موعده في بورصة الحرب

قلعة الفرح

كعادتها تتصدر قلعة القاهرة في تعز المشهد العيدي في اليمن، فالمهرجان السنوي في القلعة كان في مقدمة الخيارات بالنسبة لآلاف الزوار المتعطشين للحياة من بين رحم الحرب والألم والمعاناة.

مهرجان القلعة السياحي يحظى بتفاعل جماهيري واسع، إذ يحتشد الناس من ساعات مبكرة لحجز أماكنهم بالقرب من منصة العرض التي يعتليها عدد من الفنانين وفرق الرقص الشعبي، يتقدمهم هذا العام الفنان عمار العزكي الذي سيحيي ثاني وثالث وخامس أيام المهرجان في مشهد وصفه الإعلامي عبدالسلام الشريحي على صفحته بالفيسبوك بأنه الأضخم والأكثر جماهيرية في اليمن على مدى السنوات العشر الماضية.

لكل قادم إلى القلعة شعور مختلف، فهناك من يرقص طربًا، وآخر يردد الأغاني خلف صاحبها، ويُجمع الكل على التصفيق والتفاعل بأصواتهم مع ختام كل أغنية، تقول سمر طلال لـ"خيوط"، إنها عاشت أجواء رائعة رغم معاناتها في الحصول على مكان مناسب للجلوس والاستمتاع، إذ كانت هناك فرحة على ملامح الناس، وكيف كانوا يتفاعلون مع الأغاني أغنية تلو أخرى، هذه لحظاتٌ لا تُنسى في ظل الوضعية الخاصة التي تعيشها مدينة تعز، وفق حديثها.

ويُقدّم مكتب الثقافة بالمحافظة جوائز مالية وعينية لتشجيع الناس على الإقبال والحضور طوال أيام المهرجان الذي يستمر حتى سادس أيام عيد الأضحى وهي الفترة الأطول مقارنة بفترات المهرجان السابقة.

لا أجمل من أن تُمارس مهمتك في تطبيع الحياة لمدينة عاشت ظروفًا مختلفة في أوج احتياجها لك، هذا ما تتقنه قلعة القاهرة كل عام، محفوفة بالحضور المبهر والتنظيم الملموس من فريق مكتب الثقافة بمحافظة تعز، أما من يعيش الأجواء للمرة الأولى فإنّه لن يندم على ذلك أبدًا، تمامًا كالفنان عمار العزكي الذي عبّر عن ذلك عبر صفحته على الفيسبوك: "لأجل هذا الجمهور العظيم قطعت آلاف الأميال، واخترت أن أكون جزءًا من هذا الألق في قلعة القاهرة بتعز، ولأجلهم يهون كل تعب، أحببت أن أكون قريبًا منهم، بعيدًا عن كل الاختلافات والقضايا والمشاكل".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English