الحلقة الثانية من مذكرات القيادي البعثي الدكتور عبدالحافظ نعمان:

انقسم حزب البعث إلى نسخة "علمانية" في سوريا وأخرى "دينية" محافظة في العراق!
خيوط
July 31, 2023

الحلقة الثانية من مذكرات القيادي البعثي الدكتور عبدالحافظ نعمان:

انقسم حزب البعث إلى نسخة "علمانية" في سوريا وأخرى "دينية" محافظة في العراق!
خيوط
July 31, 2023
.

ما أسباب انشقاق حزب البعث في سوريا، وتشكيل حزب البعث الموازي في العراق؟ وما مدى تأثير ذلك على البعثيين في اليمن؟ وما هو الفرق الجوهري بين حزب البعث السوري وحزب البعث العراقي؟ 

وما دور حزب البعث في انقلاب 5 نوفمبر عام 1967م، ضد الرئيس عبدالله السلال وتصعيد القاضي الإرياني للسلطة؟ وكيف تم استبدال التدخل المصري بالتدخل السعودي؟ ولماذا دعمت سوريا انقلاب 5 نوفمبر في اليمن، وأدخلت السلاح الروسي إلى جنوب البلاد ولعبت دورًا في معارك المناطق الوسطى؟

هذا ما يجيب عنه القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي "قطر اليمن" الدكتور عبدالحافظ نعمان في الحلقة الثانية من مذكراته لمنصة "خيوط".

حاوره: عبدالله مصلح

- ما سبب الانشقاق الذي حدث داخل حزب البعث في سوريا، والذي أدى إلى نشوء حزب البعث الموازي في العراق؟

بدأ الاختلاف بين البعثيين في المؤتمر الثامن في دمشق، وكان غالبية البعثيين يؤيدون التوجه نحو العلمانية والأخذ ببعض المنطلقات الفكرية اليسارية، وكان هناك مجموعة من البعثيين المحافظين والرافضين للعلمانية اليسارية، مثل: ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وهنا بدأ الخلاف، وخرجت هذه المجموعة من دمشق إلى بيروت ثم إلى بغداد، وتم إنشاء حزب بعث منشق، برئاسة صدام حسين.

- هناك من يقول إن سبب انشقاق حزب البعث هو خلاف بين الفصيل المدني بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار ومنيف الرزاز، وبين الفصيل العسكري "اللجنة العسكرية" بقيادة صلاح الدين جديد وحافظ الأسد، وقامت اللجنة العسكرية بانقلاب ضد القيادة المدنية، ولم يكن الخلاف بين العلمانيين وبين المحافظين الرافضين للعلمانية اليسارية، بل إن ميشيل عفلق والبيطار أقرب إلى اليسار منه إلى اليمين المحافظ؟

ميشيل عفلق هو في الأساس قومي، وسوريا في الأساس هي علمانية الاتجاه، مع وجود جانب روحاني في دمشق بسبب التجار بطبيعتهم محافظين، لكن حزب البعث بدأ علمانيًّا، ولذلك أول صراع خاضه حزب البعث في سوريا كان مع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، في دمشق ثم في حماة، وخاض الحزبيون صراعًا مع الإخوان المسلمين، وكان الإخوان متواجدون بكثرة في دمشق باعتبارها مدينة تجارية، ودخل البعثيون والعمال والمزارعون المساجد في دمشق وأصبحت فوضى كبيرة وكان هناك ضحايا كثير.

- البعض يرى أن منشأ الخلاف بين البعث السوري والبعث العراقي كان بسبب خلاف شخصي بين حافظ الأسد وصدام حسين منذ دراستهما في القاهرة، ما قولك في ذلك؟

هذا الكلام غير صحيح، لم يكن هناك أسباب شخصية، وإنما خلاف حول الفكر والتوجه.

- ما مدى تأثير انشقاق حزب البعث في دمشق وبغداد على البعثيين في اليمن؟

بالتأكيد كان هناك تأثير سلبي على البعثيين في اليمن، حيث أصبح لدينا حزبان للبعث (الجناح السوري والجناح العراقي).

أيضًا نحن في حزب البعث السوري جمدنا نشاطنا التنظيمي في اليمن بعد انشقاق حزب البعث القومي وحتى عام 1979م.

حزب البعث العراقي في اليمن كان يجنح إلى المصالحة مع النظم الإقطاعية والمشيخية، وكانت المنح تعطى لأبناء المشايخ.

- هل هناك فرق جوهري بين حزب البعث السوري وحزب البعث العراقي؟

هناك فروقات فكرية، فمثلًا في العراق كان الفكر البعثي القومي يميل إلى الإسلامية، وهذا هو الذي دفع قيادة البعث العراقية فيما بعد لأن تصبح بأكملها قيادة إسلامية. حتى صدام حسين نفسه أعطي نسب بأنه من نسل الرسول، فكان هناك تركيز على الجانب الروحاني.

أيضًا جزء من البعثيين كانوا يعرفون البعث العراقي من خلال الصلاة والصيام والشعائر التعبدية فقط، وهناك جزء آخر يساري علماني.

كذلك حزب البعث العراقي في اليمن كان يجنح إلى المصالحة مع النظم الإقطاعية والمشيخية، وكانت المنح تعطى لأبناء المشايخ.

أما في سوريا تم التوجه نحو العلمانية اليسارية إلى حدٍّ ما، وتم اتخاذ إجراءات وقرارات مثل تأميم الأراضي، وضبط التجار ومراقبة الأسعار، وغيرها. فالبعث السوري يعتبر حزبًا يساريًّا علمانيًّا تقدميًّا ثوريًّا.

- لكن بعض القيادات البعثية بالغت في يساريتها إلى درجة الانشقاق عن حزب البعث وتأسيس حزب جديد يساري ماركسي كما حدث مع حزب الطليعة الشعبية بقيادة يحيى الشامي وآخرين؟

عندما نشأ الصراع الكوني بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وجاء الاتحاد السوفيتي بمدخلات ومساعدات في كثير من البلدان في إطار الصراع بين القطبين، بدأت الشخصيات الشيوعية والماركسية داخل حزب البعث تبحث عن وجودها في هذا المتسع من رقعة الجغرافيا، وتمارس نشاطها داخل شرائح المجتمع.

عندها اضطر حزب البعث -حتى يوائم بين هذه الشخصيات الاشتراكية والناصرية التي كانت منضوية فيه- أن يُوجد لها جبهة جديدة ويكون البعث حزبًا قاعديًّا لهذه الجبهة. وهذه المسألة رفضناها فيما بعد، عندما وجدنا أنّ الجبهة لم تقم بدورها كما يجب، وأنهم تحولوا إلى أحزاب تابعة، وأصبحت مثار سخرية لدى الآخرين، حتى إن البعض كان يقول: "الجبهة الفلانية لصاحبها الحزب الفلاني".

ولهذا رفضنا أن يكون حزب البعث مجرد مشرف على أحزاب؛ لأنّ قوة الحزب ومصداقيته في مدى قدرته على أن يترجم تعبيرات خاصة به هو للدفاع عن مصالح الناس، ويلجأ  الشعب للأحزاب لتدافع عن مصالح الشعب.

- ما دور حزب البعث في انقلاب 5 نوفمبر عام 1967م، ضد الرئيس عبدالله السلال واستبداله بالرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني؟

حزب البعث كان له دور أساسي في حركة 5 نوفمبر 1967م، وكنت أنا ويحيى الشامي ممثلين عن حزب البعث في حركة 5 نوفمبر، وكان هناك غرفة عمليات في منزل عبدالله بن حسين الأحمر.

وحركة 5 نوفمبر تمت بإزاحة الرئيس عبدالله السلال بعد أن غادر إلى بغداد ثم إلى القاهرة. 

وتم تشكيل المجلس الجمهوري من خمس شخصيات، هي: القاضي عبدالرحمن الإرياني رئيسًا، وعضوية كلٍّ من أحمد النعمان، وحسن العمري، ومحمد علي عثمان، وعبدالسلام صبرة، وتم تكليف محسن العيني رئيسًا للحكومة.

- هل كان القاضي عبدالرحمن الإرياني بعثيًّا قبل أن يكون له موقف رافض للحزبية؟

القاضي عبدالرحمن الإرياني لم يكن بعثيًّا، ولكنه كان متعاطفًا معنا كثيرًا، وكنت أنا ألتقي به بشكل شبه يومي، وأيضًا عبدالسلام صبرة كان أقرب للبعث، وكان ابنه عبدالله عبدالسلام صبرة معنا في البعث.

وكان هناك إقبال شعبي كثيف على حزب البعث في اليمن، وكان ذلك يعود لسببين، الأول: منطق وثقافة الحزب ومواقفه الخدمية للناس، والسبب الآخر: السلوكيات الخاطئة للقوات المصرية في اليمن، واستفزاز أبناء القبائل الذين كانوا يتعاطفون مع البعثيين نكاية بالقوات المصرية في اليمن. 

قبل 5 نوفمبر غادرت القوات المصرية اليمن، وخرج معها المعلمون والطيارون والمهندسون، وأصبحت اليمن مكشوفة بدون غطاء، فاضطررنا نحن -البعثيين- إلى تعبئة الفراغ وسد الحاجة.

- ما سبب الخلاف بين البعثيين والقوات المصرية في اليمن؟

كان المصريون يعتبرون أي بعثي أنه متآمر على الرئيس عبدالناصر، وكان هذا بسبب الخلافات بين مصر وسوريا، وكان البعثيون يتعرضون للمضايقات من قبل المصريين في اليمن، ولكن كان حزب البعث قويًّا جدًّا ولم يكن أحد يتجرأ على التمادي في المعاملة السيئة، رغم أنه تم اعتقال الكثير من كوادر البعث، ثم تم إطلاق سراحهم.

قبل 5 نوفمبر، غادرت القوات المصرية اليمن، وخرج معها المعلمون والطيارون والمهندسون، وأصبحت اليمن مكشوفة بدون غطاء، فاضطررنا نحن -البعثيين- إلى تعبئة الفراغ وسد الحاجة. 

- البعض يرى أن حركة 5 نوفمبر سلمت القرار اليمني للمملكة العربية السعودية بعد أن كان لجمهورية مصر؟

نحن قمنا بحركة 5 نوفمبر من منطلق الضرورة، لأنه لو لم نقم نحن بهذه الحركة لكانت القوى الملكية تمكنت من دخول صنعاء، لأن النظام وقتها كان عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، فضلًا عن الدفاع عن صنعاء. ولولا حركة 5 نوفمبر ما انتصرت الثورة والجمهورية ضد القوات الملكية.

ولهذا لم تكن هناك مقاومة جادة ضد حركة 5 نوفمبر، وجرى التسليم بتشكيل المجلس الجمهوري، وكذلك التشكيل الوزاري بإجماع الكل، باستثناء مقترح اسم عبدالعزيز عبدالغني كمرشح لوزارة الصحة، وأخ آخر كان مرشحًا لوزارة الزراعة، وقد لعبت سوريا دورًا إنقاذيًّا من خلال دعمها العسكري الذي جاء نتيجة الجهود التي بذلها الرفيق علي عقيل بن يحيى عضو القيادة القومية وقيادة منظمة الحزب في صنعاء. 

- ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته سوريا لحركة 5 نوفمبر؟

كان الدعم في معظمه يتضمن إرسال طيارين سوريين لطائرات الميج اليمنية بعد مغادرة الطيارين المصريين لليمن، وظلت الطائرات اليمنية بدون طيارين، وقد أبلغنا حينها بأن الطيارين اليمنيين لم يستكملوا تدريبهم على طائرات الميج، ولذلك أرسلت سوريا طيارين إلى اليمن الشمالي.

وبالمناسبة، فإن أول سلاح روسي يدخل اليمن الجنوبي، كان مصدره سوريا، وكذلك الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ المحمولة على الأكتاف، كانت تأتي من سوريا إلى جنوب اليمن. 

بعض العناصر في المحافظات الشمالية كان لديها سوء فهم للتغيير، وكانوا يرون أن صنعاء تتعرض للسلب والنهب من قبل الوافدين إليها من المحافظات والمناطق الأخرى، وهذه العناصر المتزمتة شماليًّا هي التي قادتنا إلى أحداث أغسطس 1968.

- وماذا عن أحداث 23 و24 أغسطس عام 1968م، ودوركم كبعثيين في تلك الأحداث؟

أحداث أغسطس 68 كانت بين ضباط الجيش، والسبب أن بعض العناصر في المحافظات الشمالية كان لديها سوء فهم للتغيير، وكانوا يرون أنّ صنعاء تتعرض للسلب والنهب من قبل الوافدين إليها من المحافظات والمناطق الأخرى، وهذه العناصر المتزمتة شماليًّا هي التي قادتنا إلى هذا الصدام في 68 داخل الجيش.

وبعدها جاءت التسوية على أساس أن جميع الضباط يخرجون من صنعاء، وكان معظم الضباط من الجنوب ومن تعز، والكثير منهم كانوا بعثيين.

ولهذا كان حزب البعث أكبر الخاسرين من أحداث 68م، وما يزال لدينا عناصر مخفية حتى اللحظة.

- هل كان هناك صراعات بين البعثيين والمكونات الأخرى، مثل الإسلاميين أو الناصريين؟ 

لم يكن هناك صراع لأنّ حزب البعث كان هو متسيد الموقف، ولم يكن هناك حضور قوي للناصريين والإسلاميين، ولكن بعد تراجع حزب البعث والانشقاقات داخله، برز بعدها الناصريون والإسلاميون، وتم اختراق البعث من داخله مستغلين خلافاته الداخلية.

- ما سبب سوء العلاقة بين الرئيس إبراهيم الحمدي وبين حزب البعث؟

لم يكن هناك خلاف بين البعث والحمدي، وإنما كان هناك خلاف بين الحمدي وبين أعضاء مجلس القيادة الذي كان يفتقر إلى الانسجام والتناغم، وتم تشكيله وفق معايير قبَلية ومناطقية، وغير مدروسة، ولهذا برزت الخلافات فيما بينهم كأعضاء في المجلس وكقيادات عسكرية ومشايخ، وليس باعتبارهم بعثيين أو ناصريين.

وأستطيع القول إن عبدالله عبدالعالم كان الوحيد في مجلس القيادة الذي كان مخلص في ولائه للرئيس الحمدي، وكان يعتبره رمزًا بالنسبة له، أما البقية كانوا غير صادقين مع الحمدي، بل كانوا يضحكون عليه، ويقولون عنه بأنه مثالي أكثر مما يجب، وكان شخصًا طيبًا، وربما هذه الطيبة التي أدّت إلى تسهيل عملية اغتياله.

- جار الله عمر، يقول في مذكراته: إنّ البعث في اليمن انضم إلى الجبهة الوطنية للكفاح المسلح ضد سلطة الحمدي في صنعاء، ولكن بعد اغتيال الحمدي انسحب البعث من الجبهة الوطنية.

كان هناك علاقة بين حزب البعث السوري وبين السلطة في جنوب اليمن، علاقة تحكمها اعتبارات عدة، وهذه الاعتبارات منها ما أوصل سوريا إلى أنها تتورط مع الجنوب، وخاصة في معارك المناطق الوسطى، وأتذكر حينها أن جار الله عمر اتصل لي وهو منزعج وحزين من نتائج المعارك في المناطق الوسطى، وقال بأن السلطة في الشمال استخدمت ضدهم طائرات 5F، التي منحتها أمريكا لليمن، وتسببت في سقوط الكثير من الضحايا، وطلب مني جار الله عمر أن أتواصل مع القيادة في سوريا من أجل تزويدهم بصواريخ "ستينغر"، وفعلًا تواصلت بالرئيس حافظ الأسد، وأخبرته بذلك وأبدى استجابته، وفي مساء ذلك اليوم، اتصل بي رئيس أركان الجيش السوري وأخبرني أنّ هناك توجيهًا من القيادة بإرسال بعض الهدايا للإخوة في عدن (يقصد الصواريخ). وفعلًا، تم إرسال طائرة تحمل الصواريخ، وطلبت السعودية هبوط الطائرة في جدة، فهبطت الطائرة، واعترض طاقم الطائرة على السعوديين، فقالوا لهم: "نحن طلبنا هبوط الطائرة من أجل السلام والتحية"، وواصلت الطائرة رحلتها إلى عدن، وبعد أيام اتصل بي جار الله عمر وهو مبسوط بعد وصول الصواريخ، وفعلًا توقفت الطائرات عن قصفها بسبب هذه الصواريخ.

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English