صحفيون في اليمن: أنين مدوٍّ وحرب صماء

منهم في عالم التشرد وآخرون في السجون
May 3, 2021

صحفيون في اليمن: أنين مدوٍّ وحرب صماء

منهم في عالم التشرد وآخرون في السجون
May 3, 2021
Photo ©: Ahmed Al-Basha - Getty images

محمد راجح

أحمد الولي


بعد سنوات من حرمانها اللقاء بأبنائها، لا تزال عائلات الصحفيين المحتجزين في سجون أطراف النزاع الدائر في اليمن، تعاني مرارة الفقد وغموض المصير. "أصبحنا نعيش حالة من القلق والخوف وعدم الارتياح". هكذا تصف إحدى أمهات هؤلاء الصحفيين لـ"خيوط"، حالتها وهي تكابد مع غيرها من عائلات الصحفيين المعتقلين، ومساعيها من أجل الإفراج عنهم. وبدلاً من إطلاق سراحهم أو السماح لعائلاتهم بلقائهم، أصدرت المحكمة الجزائية التابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين)، حكماً بالإعدام بحق أربعة من الصحفيين الذين تحتجزهم منذ العام 2015.

في 16 أكتوبر/ تشرين الأول أطلقت سلطات أنصار الله (الحوثيين) سراح خمسة صحفيين ، بعضهم خرج مصابًا بعدة أمراض بعد سنوات من السجن تم الإفراج عنهم ضمن صفقة تبادل محتجزين ومعتقلين مع الحكومة المعترف بها دولياً، بعد مفاوضات رعاها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث. كانت عملية الإفراج تلك، أكبر عملية تبادل رسمية للمعتقلين بين أطراف الحرب في اليمن، حيث أسفرت عن إطلاق أكثر من ألف محتجز من الطرفين. غير أن الصحفيين الأربعة لم تشملهم عملية الإفراج، ولا يزالوا حتى الآن في سجون سلطات صنعاء.

طيلة السنوات الست الماضية من عمر الحرب، تعيش الصحافة والصحفيين في وجه مدافع الحرب، إذ أقدمت أطراف الحرب: سلطة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، والحكومة المعترف بها دولياً، والتحالف بقيادة السعودية والإمارات، على استهداف و"اختطاف" الصحافة واستخدامها وتأطيرها وتنفيذ سياسة "من ليس معي فهو ضدي"، الأمر الذي أدى إلى ملاحقة واعتقال واحتجاز عدد من الصحفيين في البلاد، ووصل الأمر إلى صدور أحكام بالإعدام على عدد منهم. 

  كما دخل المال السياسي كلاعب رئيسي في إسكات الصحافة المستقلة التي كانت عاملة قبل الحرب، خصوصاً من قبل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ وهما الدولتان اللتان تقودان "التحالف العربي" العسكري في اليمن منذ مارس/ أذار 2015، إضافة لأطراف محلية يمنية تدعمها الدولتان. وهكذا كان للقمع والاستقطاب الحاد للصحفيين، تأثير كبير على حرية الصحافة وممارسة العمل الصحفي في اليمن، خاصة بعدما أصبح الإعلام لاعب رئيسي في رسم أجندة بعض أطراف النزاع، ومروّجاً أو مدافعاً عن أجندتها في الحرب الدائرة في البلاد.

معاناة السجون والاحتجاز

انتقدت منظمة العفو الدولية في أحدث تقرير لها صادر في شهر أبريل/ نيسان 2021، العمل بعقوبة الإعدام بالنسبة للعديد من الجرائم في اليمن، وتقول المنظمة إن السلطات في اليمن "استمرت في استخدامها لإسكات المعارضة"، وإنه "تم تنفيذ عمليات إعدام من قبل جميع أطراف النزاع".

طالبت نقابة الصحفيين اليمنيين كافة المنظمات المحلية والعربية والدولية، وفِي مقدمتهم اتحاد الصحافيين العرب والاتحاد الدولي للصحافيين، ومكتب المبعوث الأممي لليمن للضغط من أجل إطلاق سراح كافة الصحافيين المختطفين وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي

وجاء في تقرير العفو الدولية، أن "جميع أطراف النزاع" استمرت "في قمع حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها"، وذلك "من خلال عمليات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والمضايقة والتعذيب، وغيره من ضروب المعاملة السيئة". كما أشارت المنظمة الدولية في تقريرها إلى إصدار المحكمة الجزائية المتخصصة التي يديرها الحوثيون في 11 أبريل/نيسان 2020، حكماً بالإعدام على أربعة صحفيين، إثر محاكمة وصفتها العفو الدولية بأنها "فادحة الجور، ومبنية على تهم ملفقة".

وفي أبريل/ نيسان 2020، أعلنت المحكمة نفسها إطلاق سراح ستة صحفيين، كان من بينهم صلاح القاعدي، الذي كان قد حكم عليه بالإقامة الجبرية لمدة ثلاث سنوات. وكان الصحفيون العشرة قد احتجزوا لمدة خمس سنوات. 

كما يفيد تقرير العفو الدولية، بأن "الأوضاع المزرية في السجون ومراكز الاحتجاز، من قبيل الاكتظاظ الشديد، وعدم الحصول على الرعاية الصحية، وسوء حالة النظافة والإمدادات الصحية، مصحوبةﹰ بتفشي فيروس كوفيد-19، عرّضت المحتجزين لمخاطر صحية فائقة".

العفو الدولية انتقدت السلطات اليمنية لعدم اتخاذها الإجراءات اللازمة لحماية المحتجزين، والحد من انتشار الفيروس في السجون ومراكز الاحتجاز، من قبيل توفير الكمامات أو غيرها من مواد النظافة. حيث ظل، بحسب هذه المنظمة الدولية المعنية بحقوق الإنسان، توفيق المنصوري في قائمة المحكومين بالإعدام كواحد من أربعة صحفيين حكم عليهم بالإعدام في 2020. وهو يعاني من أمراض مزمنة، كالسكري والفشل الكلوي، ومشكلات في القلب، والتهاب البروستاتا، والربو. وفي يونيو/ حزيران من العام الماضي أﹸصيب بفيروس كوفيد-19. واستمرت سلطات الأمر الواقع الحوثية في حرمانه من المعالجة الطبية التي تحافظ على حياته.

وجددت نقابة الصحفيين اليمنيين لهذا الحكم الذي اعتبرته "مسيساً" وإجراءات المحاكمة التي وصفتها لأنها  تمت وتتم دون أن تتوفر فيها أدنى مستويات العدالة. وطالبت بإلغاء هذه الأحكام، وسرعة الإفراج عن الصحفيين وإنهاء معاناتهم وأسرهم التي وصلت حدًّا لا يُطاق. كما تؤكد نقابة الصحفيين اليمنيين على أن معاناة الصحفيين المحتجزين "لا تقتصر على حجز حريتهم وتعذيبهم نفسيًّا وجسديًّا، بل يمتد إلى وضع مأساوي تعيشه أسرهم المنتظرة لعودة أقاربهم".

وطالبت كافة المنظمات المحلية والعربية والدولية، وفِي مقدمتهم اتحاد الصحافيين العرب والاتحاد الدولي للصحافيين، ومكتب المبعوث الأممي لليمن، للضغط من أجل إطلاق سراح كافة الصحافيين المختطفين وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي.

بخصوص الإشكاليات التي حدثت قبل يومين من صفقة التبادل الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتم على إثرها استثناء عشرة محتجزين من كل طرف بينهم الصحفيين الأربعة، كان قد تحدث لـ"خيوط"، المتحدث باسم لجنة الأسرى التابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين)، بالقول: إن أحد المسؤولين عن أحد أماكن الاحتجاز التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، رفض تسليم محتجزين محددين في كشوفات سلطة أنصار الله (الحوثيين)؛ الأمر الذي قال إنه "اضطرهم" إلى اتخاذ خطوة مماثلة بالتحفظ إزاء محتجزين من الطرف الآخر في عملية التبادل، بالرغم من كون أسماء المحتجزين المتحفظ عليهم مدرجة في الكشوفات التي تم التوافق عليها.

وحصلت "خيوط" على إفادات من عائلات صحفيين محتجزين، أكدت محاولتها لفت الانتباه إلى تدهور حالة الصحفيين الصحية، لكن السلطات التابعة لأنصار الله (الحوثيين) رفضت إدخال الصحفيين الأربعة في أي صفقة تبادل، وفي الوقت ذاته -كما تحدثت بعض العائلات- تمارس عليهم نوعًا من الابتزاز النفسي؛ إذ تقوم بنقلهم بين السجون وإخفائهم بحجة تهيئتهم لصفقة التبادل، فضلًا عن تهديدهم بالتصفية وتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهم.

كما تظهر هذه السلطات بين فترة وأخرى للصحفيين وأسرهم أنها موافقة على إنجاز صفقة تبادل لإطلاق سراحهم فترسل أحد مسؤوليها إليهم ليبلغهم استعدادهم لإطلاق سراحهم، ولحثهم على التواصل بذويهم للضغط على الحكومة المعترف بها دوليًّا للإسراع في ذلك، وما أن تتم الموافقة ويبدأ الأهالي في المتابعة، تعود السلطات في صنعاء لعدم التجاوب وتجميد هذه القضية.

وتعاني عائلات الصحفيين المختطفين مما تصفه بتعنت أطراف الحرب واستمرارها في احتجاز أبنائها، ومع الحرب "التي لا ترحم أحداً" يضاعف الاعتقال معاناة أبنائها ومعاناتها حدّ سواء ؛ تقول إحدى الأمهات في رابطة أمهات أسر المختطفين، "تغييب العائل في أغلب الحالات مع صعوبة التكسب وإيجاد عمل يضع أسر المختطفين في الفئات الأشد فقرًا".

كما تعاني أمهات المعتقلين وأطفالهم، من تدهور صحتهم النفسية والبدنية بشكل كبير، فالخوف من فقد ذويهم المعتقلين إلى الأبد يسيطر على حياة هذه العائلات، خاصة في حالات الاختفاء القسري ومنع الزيارات عن المحتجزين، وإهمالهم طبياً والضغط النفسي عليهم، ومطالبة عائلاتهم بالمال، والمقايضة بحرياتهم.

حالات تعذيب 

اطلعت "خيوط" على جزء من هذا الملف المتعلق بالصحفيين المعتقلين والمحتجزين، إذ يتمّ الاحتجاز بدون مذكرة قانونية وبطريقة تعسفية، فقد تعرضوا للإخفاء القسري والتعذيب، وتجاوزت مدة احتجازهم وإجراءات التحقيق والمحاكمة المدةَ القانونية وأعيد ملف الصحفيين أكثر من مرة للاستيفاء، فضلًا عن تقديمهم إلى محكمة غير مختصة.

وتحدث لـ"خيوط"، صحفيون تعرضوا للاعتقال لسنوات قبل أن يتم الإفراج عنهم في صفقة التبادل الأخيرة، منهم الصحفي هشام طرموم الذي تم اعتقاله مع ثمانية آخرين في التاسع من يونيو/ حزيران 2015؛ يقول هشام: "كنا نقوم بتغطية الأوضاع الإنسانية وتغطية الأحداث في العاصمة صنعاء، لصالح المركز الإعلامي "للثورة اليمنية" (يقصد ثورة 11 فبراير 2011)، فاقتحمت عناصر تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) الشقة التي كنا نتواجد فيها في أحد فنادق صنعاء، واقتادتنا إلى قسم الحصبة شمال العاصمة، ثم كانوا ينقلونا من سجن لأخر طوال سنوات الاحتجاز الخمس".

تحولت آثار الخوف والألم الناتجة عن التعذيب البدني إلى أضرار نفسية طويلة الأجل لا بزال هيثم يعاني منها، إذ وجد صعوبة بسبب ذلك في التحدث لـ"خيوط"، والتفكير وإيجاد الكلمات المناسبة نتيجة حالة التغييب الطويلة التي مر بها

يضيف هشام: "كانوا يقومون بضربي على رقبتي وأنا مكبل اليدين ومغطة العينيين حتى أجثو على الأرض من شدة الضرب؛ مما تسبب لي في انزلاق عنقيّ غضروفيّ، ما بين الفقرة السادسة والسابعة من فقرات الرقبة. يواصل: "كانوا يضربونني على البطن وأجلسوني على كرسي الكهرباء وقاموا برش الماء فوق جسدي وكانوا يجعلوني أقف على قدم واحدة وأرفع يدي المكبلتين وقدم واحدة للأعلى لفترات طويلة، وفي حال تعبت وأنزلت قدمي يباشروني بالضرب عليها".

أما التهمة التي وجهت له حسبما أفاد، فتتعلق بعمله الصحفي بشكل مباشر، وهي نشر أخبار بهدف إضعاف الروح المعنوية للقوات التابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين).

يضيف زميله الصحفي هيثم الشهاب، والذي أُطلق سراحه في صفقة التبادل، بالقول: "كانت أوضاعنا سيئة للغاية في سجون مغلقة وضيقة، فبمجرد أن يسمعك "السجان" تضحك يأتي إليك ويحوّل حياتك إلى جحيم بعد سيل جارف من الشتائم، وإذا كنت هادئًا مطمئنًا يأتي بشخص أمام بوابة زنزانتك ويقوم بتعذيبك ليتسبب في حرمانك من النوم، ويعيشك طوال ليلتك في قهر وترقب متى يأتي دورك".

تحولت آثار الخوف والألم الناتجة عن التعذيب البدني إلى أضرار نفسية طويلة الأجل، لا يزال هيثم يعاني منها، إذ وجد صعوبة بسبب ذلك في التحدث لـ"خيوط"، والتفكير وإيجاد الكلمات المناسبة ما تعرض له في المعتقل.

عام من الانتهاكات

رصدت نقابة الصحفيين اليمنيين 112 حالة انتهاك خلال العام 2020، طالت صحفيين ومصورين وممتلكاتهم ومقار إعلامية. وبحسب تقرير النقابة، تنوعت الانتهاكات بين الاختطافات والاعتقالات بـ33 حالة بنسبة 29,5% من إجمالي الانتهاكات، يلي ذلك التهديد والتحريض على الصحفيين بـ22 حالة بنسبة 19,6%، ثم المنع والمصادرة بـ13 حالة بنسبة 11,6%، والمحاكمات والتحقيقات بـ10 حالات بنسبة 8,9%، ثم الإيقاف عن العمل بـ10 حالات بنسبة 8,9%، يلي ذلك التعذيب بـ7 حالات بنسبة 6,3%، و6 حالات اعتداءات بنسبة 5,4%، و3 حالات قتل بنسبة 2,7%.

وارتكبت الحكومة المعترف بها دوليًّا بتشكيلاتها وهيئاتها المختلفة 50 حالة انتهاك بنسبة 44,6% من إجمالي الانتهاكات، فيما ارتكبت جماعة أنصار الله (الحوثيين) 33 حالة بنسبة 29,5%، وارتكب "مجهولون" -كما تصفهم النقابة- 13 حالة بنسبة 11,6%، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إمارتيًّا 12 حالة بنسبة 10,7%، فيما ارتكبت وسيلة إعلامية خاصة 3 حالات بنسبة 2,7%، وحالة واحدة ارتكبها فصيل في المقاومة الشعبية بنسبة 0,9%.

وبحسب تقرير نقابة الصحفيين، توزعت وقائع الانتهاك الـ33 التي ارتكبتها جماعة أنصار الله (الحوثيين): كالتالي: 10 حالات اعتقال، 9 حالات ملاحقة ومضايقة، 7 حالات اختطاف، 5 حالات احتجاز، وحالتي إيقاف.

وارتكبت الحكومة المعترف بها 22 حالة اختطاف وملاحقة بنسبة 67% من إجمالي الاختطافات فيما ارتكبت جماعة أنصار الله (الحوثيين) 5 حالات اعتقال واحتجاز بنسبة 15%، والمجلس الانتقالي 6 حالات بنسبة 18%.

ولا يزال 12 صحفيًّا "مختطفًا" منهم 11 صحفيًّا لدى أنصار الله (الحوثيين) بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات، وصحفي واحد هو محمد قائد المقري لا يزال مختطفًا لدى تنظيم القاعدة بحضرموت، منذ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2015. كما رصدت النقابة 22 حالة تهديد وتحريض، منها 20 حالة تهديد بنسبة 91%، وحالتي تحريض بنسبة 9%، وارتكبت الحكومة المعترف بها 8 حالات منها، فيما ارتكب "مجهولون" 7 حالات، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) 3 حالات، وحالة واحدة ارتكبها فيصل يتبع "المقاومة" (لم يحدد التقرير تبعيته لأي طرف.

ويقول وكيل وزارة الإعلام في الحكومة المعترف بها دوليًّا عبدالباسط القاعدي لـ"خيوط"، إن الواقع الصحفي والإعلامي كان الأكثر تضررًا؛ بسبب الحرب الدائرة في اليمن، إذ كان أول القطاعات استهدافًا -وفق حديثه- من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) التي قال إنها "وضعت الإعلام على رأس قائمة القطاعات المستهدفة لتمرير انقلابها".

ويشير القاعدي إلى أنه تم تجريف كل مؤسسات الإعلام الرسمي والأهلي والحزبي بشكل كامل، وأصبحت صنعاء التي كانت تصدر منها مئات الصحف المعبرة عن مختلف الاتجاهات السياسية قبل سيطرة الحوثيين عليها إلى عاصمة خالية من الصحافة وحتى الصحفيين.


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English