حكومات بدون ميزانية عامة

خرق للدستور وغياب للمساءلة والشفافية
د. مطهر العباسي
August 17, 2021

حكومات بدون ميزانية عامة

خرق للدستور وغياب للمساءلة والشفافية
د. مطهر العباسي
August 17, 2021

مرت سبع سنوات على اندلاع الحرب، وتشكلت خلالها حكومة في صنعاء وأخرى بعدن، ورغم ضراوة الصراع بينهما، إلا أنهما توافقا على إدارة الموارد العامة للدولة بطرق غامضة وبعيدة عن الشفافية وانتهاك للدستور والقوانين النافذة، فالدستور اليمني ينص في المادة (137) على أن "مجلس الوزراء يتولى إعداد مشروع الميزانية السنوية، وتنظيم تنفيذها، وإعداد الحساب الختامي للدولة".

ومنذ عام 2015، لم تلتزم الحكومتان بإعداد موازنة عامة سنوية تتضمن مصادر الإيرادات العامة من عوائد النفط والغاز ومن الضرائب والجمارك والزكاة وغيرها من الإيرادات، كما تحتوي على أوجه الإنفاق العام المخصصة لأجور ومرتبات موظفي الدولة ولتغطية نفقات التشغيل لمؤسسات الدولة وأجهزتها، فضلًا عن الإنفاق على المشاريع التنموية والاستثمارية، وتتضمن أيضًا العجز أو الفائض في الموازنة ومصادر تمويله.

ولتعزيز الشفافية والمساءلة، يُلزم القانون الحكومتين بنشر البيانات التفصيلية للموازنة حسب الأبواب والبنود المختلفة لكلٍّ من إيرادات النفقات العامة، وجعلها متاحة لكل أجهزة السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والرقابية، لضمان تحقيق مبادئ العدالة والمساواة في جانب تحصيل الإيرادات العامة أو في جانب الإنفاق العام، بل ألزمها في نشر تفاصيل الميزانية في الصحف الرسمية لتكون متاحة للمهتمين من كافة شرائح المجتمع، وهذا ما كان معمولٌ به قبل الحرب.

فالدستور ينص في المادة (88)، على أنه "يجب على الحكومة عرض مشروع الموازنة العامة على مجلس النواب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية"، والهدف من ذلك إعطاء الفرصة لنواب الشعب لممارسة مهامهم في الرقابة التشريعية للأداء المالي للحكومة، ومدى قيامها بتنفيذ الالتزامات والمهام المناطة بها، كما أكد الدستور في المادة (91) على أنه "يجب عرض الحساب الختامي لموازنة الدولة على مجلس النواب في مدة لا تزيد عن تسعة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية، كما يجب عرض التقرير السنوي للجهاز المختص بالرقابة المحاسبية وملاحظاته على مجلس النواب"، تعزيزًا لمبادئ المساءلة والشفافية حول أوجه التصرف بالمال العام، لتدعيم أسس النزاهة ومكافحة الفساد ومعاقبة المفسدين.

أصبح البنك المركزي في عدن مشاركًا ومسؤولًا عن سوء الأحوال الاقتصادية وتدهور الحياة المعيشية للمواطنين، وعاجزًا عن القيام بالمهام المناطة به والمتعلقة بسلامة إدارة العرض النقدي وتحقيق الاستقرار في الأسعار عامة، وخاصة سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية، وإذا استمرت الحكومة في ذلك النهج، فإن قيمة الريال ستتدهور أكثر، وقد تصل البلاد إلى حالة التضخم الجامح

وللأسف، كل هذه النصوص الدستورية تم خرقها من الحكومتين؛ فكلتاهما تقوم بإدارة الموارد العامة للدولة وفقًا للمزاجية والارتجال ودون خوف أو وازع من رقيب أو عتيد، فحكومة صنعاء تميزت بالإبداع والابتكار في فنون الجباية من الضرائب والجمارك والزكاة والأوقاف وغيرها من الرسوم والإتاوات، دون الإفصاح عن حجمها والسقوف التي وصلت إليها، رغم أن الشواهد تشير إلى بلوغ الإيرادات أرقامًا قياسية مقارنة بما قبل الحرب، وفي الوقت نفسه أعفت نفسها من أي التزامات مستحقة لموظفي الدولة أو تجاه دافعي الضرائب وعامة الناس، فقد أخفقت في دفع مرتبات الموظفين، ولم تصرف لهم سوى 15% فقط من مرتباتهم السنوية، مبررة عدم قدرتها على صرف المرتبات بحجة نقل البنك المركزي إلى عدن، وهي مقولة لم تعد تنطلي على أحد، فالبنك المركزي ما يزال راسخًا في صنعاء بلحمه وعظمه وأسنانه وأنيابه، ويمارس كل مهامه واختصاصاته المنصوص عليها في قانون البنك المركزي، باستثناء طباعة العملة وإدارة الاحتياطيات الدولية، فهو يقوم بإدارة الموارد المالية للدولة بالشراكة مع وزارة المالية، ولديه الحسابات الحكومية لجميع مؤسسات الدولة، والمفروض أن تصب فيه كل الإيرادات العامة، ومن خلاله يتم الصرف على كل بنود النفقات العامة، كما يتولى الرقابة على القطاع المصرفي بشقيه، البنوك وشركات الصرافة، واستطاع تحقيق الاستقرار في سعر الصرف، وإذا نقل البنك المركزي إلى عدن فمن يقوم بهذه المهام إذن؟! 

فالمطلوب من الحكومة التوقف عن ترويج تلك المقولة؛ لأنها أصبحت أسطوانة مشروخة ومملة، وعليها أن تتسم بالمسؤولية والشفافية، وتعد ميزانية عامة سنوية، تفصح فيها عن حجم الموارد العامة والوفاء بدفع ولو نصف راتب شهريًّا لموظفي الدولة، الذين يكتوون بسعير الحرب وجحيم الفقر والحاجة، فلم يعد هناك بنودًا كثيرة للإنفاق، خاصة أن الحكومة توقفت عن تقديم أي دعم مالي للمشتقات النفطية أو لخدمة الكهرباء أو للأسر المحتاجة عبر صندوق الرعاية الاجتماعية، كما تم التجميد الكلي للإنفاق على المشاريع التنموية.

وبالمقابل، فإن حكومة عدن تنتهج سياسات مالية ونقدية متهورة وغير مسؤولة، منتهكة بذلك الدستور والقوانين النافذة، كما تقوم بإدارة المال العام بطرق غامضة وغير شفافة، ولم تستطِع إعداد ميزانية عامة، باستثناء سنة واحدة، وفشلت في بسط يد الدولة على الموارد السيادية من عوائد النفط والغاز وتحصيل الضرائب والجمارك، وعوضًا عن ذلك سلكت طريقًا مدمرًا للاقتصاد باعتمادها على الإصدارات النقدية لتمويل النفقات العامة، وهي بذلك تساهم في تدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية، حيث وصل سعر صرف الريال إلى خمسة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب؛ مما أشعل نيران التضخم في أسعار السلع والخدمات، وأصبح البنك المركزي في عدن مشاركًا ومسؤولًا عن سوء الأحوال الاقتصادية وتدهور الحياة المعيشية للمواطنين، وعاجزًا عن القيام بالمهام المناطة به والمتعلقة بسلامة إدارة العرض النقدي وتحقيق الاستقرار في الأسعار عامة، وخاصة سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية، وإذا استمرت الحكومة في ذلك النهج، فإن قيمة الريال ستدهور أكثر، وقد تصل البلاد إلى حالة التضخم الجامح وتفقد العملة الوطنية قيمتها، والأمثلة على ذلك كثيرة في الوقت الراهن، كما في زيمبابوي وفنزويلا.

وخلاصة القول، فإن الميزانية العامة للدولة أشبه ما تكون بعقد اقتصادي واجتماعي بين المجتمع والسلطة الحاكمة، ومن خلالها تقوم الحكومة بتنفيذ سياساتها وبرامجها التنموية والاجتماعية وغيرها، من خلال أوجه الإنفاق العام، وفقًا للموارد المتاحة لها سواء من الثروات الطبيعية "النفط والغاز وغيرها" أو من ثروات السكان "الضرائب، الجمارك، الزكاة وغيرها"، ولذلك تحرص معظم حكومات دول العالم "المتقدم والنامي" على إصدار الميزانية السنوية لها، لتمثل كشف حساب لأدائها في تلبية احتياجات مواطنيها، عند مستوى أدنى من أعباء الضرائب والجبايات، ومن خلال الميزانية تقوم السلطات المختلفة بممارسة مهام الرقابة والتقييم لسلوك الحكومة ومدى نزاهتها أو فسادها، وفي الدول الديمقراطية يكون الصندوق الانتخابي هو صاحب القول الفصل في استمرار السلطة الحاكمة إذا كانت ناجحة ونزيهة في إدارة المال العام أو طردها من موقع القرار إذا ثبت فسادها وفشلها.

وفي بلادنا يبدو، أن كلتا السلطتين في صنعاء وعدن، يستغلان شماعة الحرب أسوأ استغلال للتنصل من الاستحقاقات الدستورية والقانونية لإدارة موارد الدولة وفقًا لميزانية عامة مقرة ومنفذة بقانون، ولذلك، أكاد أجزم أن مزاج معظم المواطنين، إن لم يكن جلهم، ضد استمرار الحرب العبثية والكارثية، وينشدون السلام والاستقرار في وطن موحد وآمن؛ فهل آن الأوان لكلتا السلطتين الجنوح لإيقاف الحرب والدمار، وتعزيز فرص السلام والوئام في ربوع الوطن الموحد؟!


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English