المرأة الريفية بين سندان الحرب ومِطرقة التقاليد

نساء يتجرعن ويلات العادات وقساوة الظروف المعيشية
خالد سعيد
July 31, 2021

المرأة الريفية بين سندان الحرب ومِطرقة التقاليد

نساء يتجرعن ويلات العادات وقساوة الظروف المعيشية
خالد سعيد
July 31, 2021

ليست الحرب وحدها من فاقمت من معاناة المرأة الريفية في اليمن، بل جاءت لتضاعف المعاناة المريرة للنساء اليمنيات، وتجعلهن يعشن بين سندان العادات والتقاليد ومِطرقة الحرب والنزاعات، يتجرعن قساوة الظروف المعيشية القاسية، وويلات العادات المجتمعية السائدة.

حيث أدى استمرار الصراع في اليمن منذُ مارس/ آذار 2015، إلى زيادة الفقر والتشرد وانعدام الأمن الغذائي، مع انقطاع الرواتب، وتسريح أغلب الموظفين من أعمالهم، مما تسبب في التحاق الكثير من الشباب في جبهات القتال مع أطراف النزاع، وخاصة من المجتمعات الريفية الفقيرة، وأصبحوا وقودًا للنزاع، وهذا ما شكل عبئًا آخر للكثير من النساء الريفيات، اللاتي وجدنَ أنفسهن في زاوية محصورة بين العناء ومشقة تحمل المسؤولية الكاملة، في ظل ظروف قاسية، وعادات وتقاليد مجتمعية سائدة.

عادات مجتمعية قاسية

العادات والتقاليد في اليمن لم تكن يومًا في صف المرأة، وإنما جعلتها ممتهنة تحت وطأة العيب المجتمعي، والعُرف القبلي؛ لا يحق لها أن تعمل، ولا يمكن لها أن تكون صاحبة قرار.

وعلى الرغم مما أحدثته الطفرة التعليمية من متغيرات اجتماعية في تخفيف قبضة السلطة الذكورية على المرأة خلال العقدين الماضيَين، إلا أنّ القبضة الذكورية ما زالت تشكل البنية التحتية للمجتمعات اليمنية الريفية.

تؤكد الناشطة المجتمعية بلقيس الوافي، أن حرمان الفتيات من حقهنّ في الحصول على التعليم، وعدم السماح لهنّ بالعمل واكتساب المهن، لمواجهة ظروف الحياة، مثلهنّ مثل الرجال، بمثابة استهداف مباشر للمرأة، وخاصة الريفية

منذُ القِدم وحتى الآن، ينظر المجتمع اليمني للمرأة الريفية على أنها ربة بيت عليها القيام بالأعمال المنزلية، والولادة والرضاعة، ليس أكثر.

وجاءت الحرب لتزيد من حجم المأساة التي تعيشها المرأة، وخاصة في ظل النزاعات المستمرة التي حصدت أرواح الكثير، مما تحتم على النساء القيام بدور المُعيل لأسرهنّ وأطفالهنّ، وأبقتهنّ بين كماشة الفقر والعوز، وأصبحن غير قادرات على النهوض بأنفسهنّ والقيام بواجباتهنّ تجاه أسرهنّ، نتيجة تراكم الأعراف والتقاليد في المجتمعات اليمنية الريفية، التي لا تسمح للمرأة باكتساب مهنة أو العمل، لمواجهة الحياة وقساوة ظروفها.

لا استسلام

على الرغم من حالة الاحتقان الموجودة، والقيود الشائكة في أرياف اليمن بما يخص المرأة الريفية، إلا أنّ هناك الكثير من النساء اللاتي انتصرن لأنفسهنّ وللرجال أيضًا، وكافحنّ كثيرًا لتجاوز هذه الحواجز التي تُقزّم المرأة الريفية، وتحرمهنّ من أبسط حقوقهن في العيش والعمل، ومشاركة الرجل في كل شؤون الحياة.

إيمان عبده (32 سنة)، من أرياف جبل حبشي غرب مدينة تعز، تُعد نموذجًا فريدًا، وحالة استثنائية، في مجتمعٍ ذي طابعٍ تقليدي، بعد أن أصبحت الملاذ الآمن لنساء القرية التي تقطن فيها.

فهي القابلة الوحيدة التي تمارس عملها كطبيبة نساء، وصلت إلى هذا المستوى بعد صراع مرير مع الحياة والعادات المجتمعية.

تحدثت إيمان وهي تحزم أمتعتها الطبية، وترتدي عباءتها البيضاء في طريقها إلى الوحدة الصحية، التي تبعد عن منزلها 5 كيلو مترات تقريبًا، لـ"خيوط" قائلة: نجاح المرأة الريفية ليس بالأمر السهل، في ظل عادات مجتمعية ترى عمل المرأة عيبًا ومواصلة تعليمها ليس ضروريًّا.

وتقول إن هناك دورًا كبيرًا للأسرة في تحفيز المرأة ودعمها من أجل النهوض بنفسها رغم القيود المجتمعية المفروضة، إذ وجدت تشجيعًا مستمرًّا من أسرتها على مواصلة تعليمها ونشاطها المجتمعي، بخِلاف الكثير من الأسر التي وقفت عائقًا أمام نسائهم من التقدم.

وترى إيمان ضرورة مقاومة مثل هذه العادات والتقاليد التي يجب أن تندثر، في حال أردنا نهضة حقيقية للمجتمعات الريفية. وتؤكد على أهمية أن يكون للمرأة دورٌ في ذلك، فهي شريكة الرجل في كلِ شؤون الحياة. 

سيد الأعمال

"تعتبر الأعمال المجتمعية هي سيدة الأعمال التي تستطيع المرأة من خلالها إثبات نفسها للمحيط الذي تعيش فيه، وبداية الانطلاق للتحرر من القيود المجتمعية التي تمارس ضد المرأة الريفية"، هكذا قالت إيمان مواصلةً حديثها لـ"خيوط"، في إشارة منها لأهمية الأعمال المجتمعية التي تجعل من المرأة كيانًا ذا أهمية بالغة في المجتمعات الريفية.

وتعتبر إيمان، سيدة ملهمة للكثير من النساء، بعد أن تم انتخابها لتكون عضوًا في مجلس تعاون القرية، ومسؤولة المرأة والطفل في جمعية ينابيع التكافل الاجتماعية التنموية؛ مما زاد من ثقتها بنفسها، وفتح المجال أمامها لتحصد العديد من الدورات في التوعية والتثقيف الصحي، وكذلك في مجالات عديدة في الجوانب الصحية، وأكملت تعليمها في العام 2018، لتصبح القابلة الوحيدة والملاذ الآمن لنساء القرية التي تعيش فيها، رغم تحمل مسؤولياتها في إعالة ولديها (أسيل، وفياض)، وقساوة الظروف التي مرت بها نتيجة الحرب، والعادات والتقاليد المجتمعية.

ورغم استمرار الحرب، وتوسع دائرة الصراع في اليمن، إلا أنّ هناك ما هو أشد مرارةً، وأكثر صعوبة على النساء الريفيات.

وتؤكد الناشطة المجتمعية بلقيس الوافي لـ"خيوط"، أن حرمان الفتيات من حقهنّ في الحصول على التعليم، وعدم السماح لهنّ بالعمل واكتساب المهن، لمواجهة ظروف الحياة، مثلهنّ مثل الرجال، بمثابة استهداف مباشر للمرأة، وخاصة الريفية.

وتردف الوافي قائلة: "إن هناك إجحافًا غير منطقي، بحق المرأة، في بعض المجتمعات الريفية، وكأنّ المرأة ما خُلقت إلا لتتزوج وتربي أطفالها، متجاهلين كل الأدوار التي ممكن أن تحققها النساء، إذا وعينا بأهميتها ومكانتها".

وتشير مها عون، الناشطة المجتمعية والمدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية لدعم المرأة والطفل لـ "خيوط" إلى أنّ "الحرب تسببت بالعديد من الانتهاكات وضاعفت معاناة المرأة بما أصبحت تتحمله من ضعف المسؤولية الملقاة على عاتقها، بمقابل حرمانها من أدنى الحقوق، سواءً في الريف أو الحضر". 

المرأة عنصر تنموي مهمّ

على الرغم من تكدّس العادات والتقاليد المجتمعية، وتصاعد موجة الصراع، إلا أنّ خبراء اجتماعيين يؤكدون أنّ المرأة الريفية مورد بشري مهم وفعّال، ولا بد من اتباع سياسة واستراتيجيات لتنمية المرأة الريفية، وإقامة برامج تمكينية وتوعوية شاملة لها، ودمجها في الخطط التنموية، سيما اهتمام الدولة بالتعليم للنساء، كونه أساس التغيير والتقدم والتحضّر.

وتشدد عون على ضرورة أن يكون هناك تظافر جهود وتعزيز شراكة بين جهات حكومية وهيئات ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني لتعزيز علاقات العمل والتواصل بما يخدم المرأة الريفية.

ويذكر أنّ اليمن، على مدى ست سنوات متتالية، تتذيل قوائم المؤشرات الدولية من بين الدول العربية، من ناحية الفجوة الموجودة على مستوى التنوّع الاجتماعي.


•••
خالد سعيد
صحفي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English