مبادرة أهلية تعيد التذكير بالعصر الذهبي لليمن

رصف طريق بمديرية سامع في زمن الحرب وكورونا
راشد محمد
November 18, 2020

مبادرة أهلية تعيد التذكير بالعصر الذهبي لليمن

رصف طريق بمديرية سامع في زمن الحرب وكورونا
راشد محمد
November 18, 2020

في ذروة القلق والترقب، وبينما كان العالم ينكمش على نفسه، مغلقاً الأبواب والنوافذ بإحكام لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد– كوفيد 19، أعلنت سيدة يمنية مطلع مارس/ أذار 2020، تبرعاً سخياً لصيانة وترميم واحدة من أهم طرق ومنافذ عبور المدنيين في محافظة تعز. كانت خمس سنوات من الحرب قد سدت منافذ الحياة في وجوه مئات الآلاف من المسافرين، فجاءت تلك المساهمة ودشنت تجربة تعاونية فارقة في زمن الحرب وكورنا معاً.

  تبلغ السيدة نعيم سعيد مسعود 75 سنة، ويفضل أهالي قريتها- "حوراء" في مديرية سامع بمحافظة تعز، مناداتها بـ"نعيم الحوري"، أما الطريق التي تبرعت لصالح صيانتها، فيبلغ طولها 32 كيلو متر، وتربط بين مديريات (خدير– سامع– المواسط).

   منذ اندلاع الحرب في اليمن، وحصار مدينة تعز المستمر حتى اليوم، أصبحت الطريق التي تبدأ من "دِمْنة خدير" وتنتهي في "سوق العين" التابع لمديرية المواسط، أحد منافذ العبور بين مناطق شمال تعز وجنوبها، وواحدة من أربع طرق وعرة يصل عبرها المسافرون القادمون من المحافظات الشمالية إلى مدينة تعز والريف الجنوبي للمحافظة.

  مبادرة السيدة "نعيم" عادت بذاكرة أهالي منطقتها إلى واحدة من أكثر فترات اليمن ازدهارا؛ مرحلة التعاونيات التي نشطت فيها المبادرات الأهلية بتشجيع ودعم من دولة الرئيس إبراهيم الحمدي (1974-1977)، وكان شق تلك الطريق واحدة من منجزاتها في العام 1978، بمبادرة أهلية.

   وبعد إعلان السيدة نعيم، سار مئات التجار وفاعلي الخير من أهالي المديرية وخارجها على نفس الدرب، وتشكلت لجنة مجتمعية بإشراف السلطة المحلية لجمع التبرعات وتنفيذ المشروع. إنها المرة الثانية التي يتفاءل فيها أهالي مديرية سامع بقرب انتهاء المشكلة المزمنة للطريق بعد شقّها. كانت المرة الأولى في 2010، عندما بدأت الحكومة تنفيذ مشروع سفلته الطريق، وتوقف في العام 2011، بفعل الاضطرابات السياسية في البلاد.

طريق ومنفذ

تتشابه أغلب أيام الريف اليمني. وكما في المدينة، لا يستدعي توقف مركبة في الطريق العام أي غرابة، إلا أن الأمر اختلف ذات نهار من أيام سبتمبر/ أيلول 2015. كان الوقت عصراً عندما توقفت سيارة بيك أب "شاص" محملة بالخضروات في وسط قرية حوراء، مركز المديرية. اندهش أهالي القرية، واعتقدوا بأن السائق ظل الطريق. ولأيام بعد ذلك الحدث غير المعتاد، بات موضوع "الحرب، والحصار المفروض على مدينة تعز، واحتمال تحول طريق القرية إلى منفذ لمئات الآلاف من الناس". هو حديث القرية. 

حكى أحد أهالي حوراء لـ"خيوط" ما حدث: "توقفت السيارة بسبب عطل، وكانت محملة بالطماطم أكثر من قدرتها الاستيعابية، استغربنا من الأمر، لأن حمولة كهذه عادةً تذهب إلى سوق وليس للقرى. استفسرنا السائق عن الأمر، فأخبرنا بأنه ينقل الطماطم من سوق الجُملة (شرق المدينة) إلى السوق المركزي بمدينة تعز التي تعاني من شحة الخضروات بسبب الحصار".

  يقع سوق الجُملة للخضروات على بعد خطوات من جولة القصر الجمهوري- المنفذ الشرقي لمدينة تعز. قبل الحرب كان يستقبل أكثر من 70% من احتياجات المدينة من الخضروات، لتوزيعها على الأسواق الرئيسية فيها. وكان نقلها من سوق الجملة إلى السوق المركزي وسط المدينة يستغرق أقل من نصف ساعة، وبسبب الحصار باتت هذه العملية صعبة وتستغرق أكثر من 7 ساعات.

  بدأت المشكلة بعد شهرين من الحرب، وتحديداً عندما فرضت جماعة أنصار الله (الحوثيين)، حصاراً على المدينة التي تسيطر عليها قوات "المقاومة الشعبية" والجيش التابع للحكومة المعترف بها دولياً. أغلق أنصار الله (الحوثيون) المنافذ الرئيسية للمدينة، وتلك الرابطة بين مديريات شمال تعز وجنوبها، فلجأ الأهالي إلى طرق بديلة غير معبدة وشاقة، ومنها الطريق الذي يمر بقرية حوراء- سامع.

بداية المبادرة

  تم شق الطريق المارة بقرية حوراء- سامع، لأول مرة في العام 1978، بمبادرة ذاتية لأهالي "عُزلة حوراء" [العزلة تقسيم إداري أكبر من القرية]. وحسب المهندس عارف السامعي، وهو مدير تنفيذي في وزارة الاشغال والمشرف الفني على مشروع صيانة الطريق، فإن طولها يبلغ حوالي 32كم، وقد تم سفلتة 8كم من اتجاه منطقة "دمنة خدير"، من قبل وزارة الاشغال في 2009، لكن مشروع السفلتة توقف في العام 2011.

  منذ أشهر تعمل هذه المبادرة الأهلية على صيانة الطريق، وبحسب المسؤول المالي للمبادرة عبدالوهاب غالب علي، فإن الهدف كان في البداية صيانة ورصف منعطف شديد الخطورة في "نقيل الحصّة"، الذي بينت دراسة أولية أن التكلفة التقديرية لصيانته 12 مليون ريال.

"لم يكن أحد يتوقع أن يتوسع المشروع، ويشمل كامل النقيل". يقول عبد الوهاب لـ"خيوط"، مرجعاً الفضل في اتخاذ لجنة المشروع قرار توسيع المبادرة، لتفاعل الاهالي. "بعد هذا التفاعل قررنا مواصلة العمل في كامل النقيل، والاستمرار في البحث عن تبرعات".

  لاقت المبادرة رواجاً كبيراً، وبرزت مبادرات مماثلة لإصلاح طرق رئيسية وفرعية، أبرزها مبادرة صيانة ورصف نقيل "محصيص" بين قريتي (نهمان) و(بكيان) التابعتين لعزلة حوراء، وهو "نقيل" (عقبة) لا يقل وعورة وخطورة عن "نقيل الحصة"، ويقع على نفس الطريق.

اعتماد على النفس

  تقع مديرية سامع في إطار الجزء الجنوبي لمحافظة تعز، ووفقاً لتقرير برنامج التمكين التابع للصندوق الاجتماعي للتنمية فرع تعز، الصادر منتصف العام 2013، يواجه سكان المديرية المقدر تعدادهم بـ(57314) نسمة، صعوبة في الحصول على مياه الشرب المأمونة صحياً: "لا توجد مشاريع مياه قائمة في المديرية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الحصول على المياه نتيجة لوعورة الطرق".

وفقاً لبرنامج التمكين من أجل التنمية المحلية، "تشكل التضاريس الطبيعية الصعبة لمديرية سامع والتشتت السكاني والانجرافات الأرضية، أهم تحديات ِقطاع الطرق وما ينجم عنها من صعوبات في التنفيذ وارتفاع التكاليف

  وكانت مذكرة من مدير مديرية سامع إلى مكتب منظمة "كير العالمية" في تعز تطلب دعم المبادرة، قدرت المستفيدين من المشروع، بـ100 ألف مواطن في مديريتي سامع والمواسط.

  بعد أشهر قليلة من إطلاق المبادرة، يقول عبدالكريم علي مقبل- أحد القائمين عليها لـ"خيوط"، إن "الأمل أصبح أكبر والطموح يتجاوز صيانة ورصف "نقيل الحصة" إلى ترميم كامل الطريق". ويرى مقبل أن الحرب أعادت تذكير الناس بالاعتماد على أنفسهم واستعادة قيمة التعاون الأهلي الخلاّق.

  وعلى الرغم من أن هذه المبادرة الأهلية حققت نجاحاً ملفتاً حتى اليوم، إلا أن جهود القائمين عليها تبقى بحاجة للدعم كونها تعمل على حل مشكلة أكبر من قدرتها. وفي السياق، أبدى عبدالكريم مقبل استغرابه مما وصفه بـ"غياب دور المنظمات الدولية والقطاع الخاص" عن دعم هكذا مبادرة.

  تزامنت مبادرة صيانة ورصف "نقيل الحصة" مع أزمة جائحة كورونا المستجد/ كوفيد19، لذا فإن جهود إدارة المبادرة واجهت صعوبات كبيرة في استجلاب دعم من المنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة والتنمية في اليمن. يقول مقبل: "اقتصرت ردود المنظمات التي طرقت اللجنة أبوابها، على الوعود فقط، ولا توجد إسهامات لهم حتى الآن".

  وعبر منصة "خيوط"، ناشدت إدارة المبادرة، كافة المنظمات الدولية العاملة في اليمن، والقطاع الخاص، الإسهام في صيانة ورصّ هذا الطريق، كونه يتوسط أهم منافذ العبور الرابطة بين شمال تعز وجنوبها.

دور بارز للمرأة

  يحتفظ أهالي عزلة حوراء بكثير من العرفان والتقدير للسيدة نعيم الحوري، التي كانت أول المبادرين في المشروع، ودفعت تبرعها فوراً، لتدشن مشروع صيانة ورصف طريق "نقيل الحصة" الواقع بين عزلتي "سربيت" و"حوراء".

  وعبر تطبيق التواصل الاجتماعي "واتساب"، أنشأت مبادرة صيانة ورصف الطريق "مجموعة" تضم أهالي عزلة حوراء المقيمين في المدن اليمنية والمغتربين خارج البلاد، للتعريف بالمبادرة، ونشر ما ينجز في المشروع وتلقي الملاحظات. كما تعلن عبرها لجنة المشروع، عملاً بمبدأ الشفافية، عن المساهمات والتبرعات في كشف يضم أسماء المساهمين والمبالغ التي أعلنوا عنها، والمبالغ المسددة فعلياً.

  يضم الكشف أسماء عشرات النساء اللائي أعلنّ تبرعهن بمبالغ مالية. وبحسب القائمين على المبادرة، فإن مساهمة النساء تعكس حجم التفاعل المجتمعي وحجم المتضررين من وعورة الطريق على حد سواء.

عوائق وصعوبات

  وفقاً لبرنامج التمكين من أجل التنمية المحلية، "تشكل التضاريس الطبيعية الصعبة لمديرية سامع والتشتت السكاني والانجرافات الأرضية، أهم تحديات قِطَاع الطرق وما ينجم عنها من صعوبات في التنفيذ وارتفاع التكاليف، إضافة إلى أن معظم الطرق الرئيسية والفرعية القائمة أصبحت غير مناسبة، لعدم صيانتها".

  وبحسب دراسة فنية أولية بالأعمال الضرورية لصيانة طريق "دمنة خدير- سامع، وتدعيم نقيل الحصة" أعدها المهندس عارف السامعي، فإن الكلفة التقديرية لصيانة المقطع الإسفلتي المتضرر، وتدعيم "نقيل الحصة" بالإنشاءات الهيدرولوجية، بلغت 277 مليون و896 ألف ريال يمني.

  توضح الدراسة أن الطريق ضمن مشاريع الطرق الاسفلتية المعتمدة من وزارة الاشغال العامة والطرق، ولذلك توصي بأنه يجب أن يكون التدخل فيه طبقاً لشروط ومواصفات الأعمال بالطرق الرئيسية، وبما يضمن عدم الإخلال بالتصاميم المعتمدة في حال استئناف المشروع.

  و"تواجه المبادرة صعوبات كبيرة"، بحسب المهندس عارف، "كونها تحاول إيجاد حلّ لنقيل (عقبة) مكدس بأكوام ضخمة من المخلفات الترابية والصخرية، ويتوسط مرتفعات جبلية تجعله معرض بشكل دائم للانهيارات الصخرية في مواسم الأمطار". "ولأن أي عمل مستدام لصيانة "نقيل الحصة" يتطلب التخلص من هذه الأكوام، بتكاليف نقل كبيرة تفوق قدرة المبادرة الأهلية بأضعاف، فإن المشروع بحاجة إلى دعم كبير". يضيف المهندس عارف.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English