الرواية بيت فني يجمع كل الفنون

حوار مع الروائي علي المقري
عمران الحمادي
October 3, 2020

الرواية بيت فني يجمع كل الفنون

حوار مع الروائي علي المقري
عمران الحمادي
October 3, 2020
علي المقري - VOCI SCOMODE ©

- الكاتب والروائي علي المقري واحد من الأصوات الأدبية اليمنية التي سجلت حضورًا لافتًا في المشهد الثقافي اليمني والعربي. تميزت تجربته الروائية المختلفة بالجرأة التي حملت قضايا إنسانية تعتبرها السلطات والأنظمة الحاكمة خطًّا أحمر لا يجوز المساس به، وعبر ذلك الحاجز نجح المقري، بكتاباته السردية، من نقل ما يدور في اليمن من معاناة وقضايا شائكة، من خلال أعماله التي لاقت رواجًا، وترجمت للغات عديدة، كرواية "طعم أسود رائحة سوداء" ورواية "حرمة" ورواية "اليهودي الحالي"... وغيرها. 

    في هذا الحوار، يتحدث علي المقري لمنصة "خيوط"، عن هموم متعلقة بالكتابة السردية "الروائية"، مثل التطرف الديني والإشكالية العقائدية لدى القارئ، وعن الهجرة وما تحمله من سلبيات وإيجابيات، فإلى نص الحوار:

حاوره : عمران الحمادي


  • كانت بدايتك الأدبية كشاعر، وأصدرت أكثر من ديوان شعري؛ لماذا غادرت الشعر واتجهت للرواية؟

 - للشعر لغة مكثفة ورؤية تنظر إلى الأشياء وللعالم من زاوية محددة، لها جماليتها الخاصة، فعلى الرغم من كل التحولات في بنية القصيدة الحديثة وما بعد الحديثة، لم يبتعد الشعر كثيرًا عن هذه اللغة ذات الإيقاع التصويري المكثف، بينما الرواية تنظر إلى الأشياء والعالم من زوايا مختلفة قريبة للتفصيل أو لنقل، من زوايا حميمية، وهذه الزوايا لها أيضًا شعريتها الخاصة وإيقاعها عبر البناء السردي.

    يمكن القول إن الرواية تهتم بجمالية الأشياء التي لا يمكن لأي شكل فني آخر أن يصل إليها، وهي في هكذا منحى قد تجمع الكثير من الفنون في سردها وتشكلها، كالسينما والمسرح والموسيقى والتشكيل والشعر أيضًا إلى جانب الحكاية.

  • عملت في الصحافة الثقافية؛ هل استفدت منها؟
  • بالتأكيد، فهي تربط المحرر بالحياة الثقافية العامة، وتتطلب منه دوام المتابعة لكل جديد فيها.
  • "اليمن بلد محافظ على الخطوط الحمراء"؛ كيف تجد الأعمال الخالية من التابو المحرم، وهل كنت محتاجًا للكتابة في هذه القضايا المربكة؟
  • لا أؤمن بخطوط حمراء، كل الإشكاليات ممكنة أمام الكاتب لتناولها.
  • ما هي القضايا التي اعتمدت عليها في كتاباتك الروائية؟ 
  • هي إشكاليات وجودية، تبحث في الجوانب الإنسانية من زاوية أدبية أو فنية. 
  • هل القارئ العربي بحاجة إلى أعمال تتناول التابو (المحرم)، ولماذا؟! وهل يتقبلها القارئ اليمني باعتباره قارئًا شبه محافظ؟
  • لا يوجد قارئ محافظ وآخر منفتح، فالكتابة دائمًا مغامرة يشترك فيها الكاتب والقارئ معًا.
  • ما الذي أردت إيصاله للقارئ من خلال "رواية طعم أسود رائحة سوداء"؟
  • الرواية، أي رواية، ليس بالضرورة أن توصل رسالة ما للقارئ، فأهميتها في جوانبها السردية وما تثيره من أسئلة، وليس بما تقدمه من إجابات أو رسائل. 
  • كيف تجد "الجنس" كقضية مسكوت عنها في المجتمع اليمني؟
  • الجنس أكثر الإشكاليات المقموعة في اليمن، ولهذا يمتلئ المجتمع بجروح نفسية قد تؤدي إلى انفجارات صاخبة.
  • رواية "حرمة" التي لاقت رواجًا كبيرًا، وحسب رأي الجمهور قال بأنها تشبه فيلمًا إباحيًّا؛ هل أسرف المقري باستخدام الجنس في هذه الرواية؟
  • الذين قالوا إنها تشبه فيلمًا إباحيًّا يبدو أنهم لم يعرفوا الأفلام الإباحية، وبالتالي لا يعرفون المنجز الروائي العالمي ولا يشاهدون الأفلام السينمائية، وربما أنهم قاموا بقراءة تلك الصفحات التي قامت الجماعات الإسلامية المتطرفة بتوزيعها فقط. وهي جماعات بدت كجزء من الإشكالية التي امتحنتها الرواية.
  • الإشكالية العقائدية والتطرف الديني ترفض التصالح مع الأديب ومع الرواية نفسها؛ كيف تنظر إلى هذه المعضلة؟!
  • يحاول الخطاب الديني أن يطوّع الأدب لصالحه، أي أن يكون ناقلًا أيديولوجيًّا لحمولاته الثقافية، وهو ما لا يمكن تحققه؛ فالأدب اعتاد على الحرية، ومنها يستمد استمراريته، فيما الخطاب الديني يظل في دائرة مغلقة يكرر عبرها تعاليمه ومحدداته.
أستطيع القول إن المكان اليمني لا مثيل له بالنسبة لي، وأشعر أن هناك ما ينقصني منذ أن ابتعدت عنه. صحيح أنني أكثر حرّية في المهجر، وأعيش في مجتمع مدني لم آلفه من قبل، إلا أن هواجس المكان اليمني ما زالت هي التي تشغل بالي
  • روايتك الأخيرة "بلاد القائد"، التي تتحدث عن ديكتاتور عربي؛ هل تعتقد بأنك انتصرت فيها لكل مواطن عربي يعاني من الدكتاتوريين العرب؟!
  • رواية "بلاد القائد" تمتحن علاقة المثقف الأديب بالسلطة، ومن جانب آخر تمتحن شخصية الديكتاتور، وهو في أوج تسلطه أو لنقل اكتماله، حين لم يعد هناك من مجال لبقائه. فالكاتب المذل أو المهان والمهمش في بلده، الذي لا يجد حتى قيمة العلاج، لم يجد أمامه غير الموافقة على العمل مع ديكتاتور متسلط، ولو كان ذلك مغايرًا لمبادئه أو مسًّا بكرامته ككاتب حر.

    الرواية ترسم آخر أيام الديكتاتور في بلد عربي رمزي من خلال سرد الروائي الذي طُلب منه أن يساهم بكتابة سيرة لهذا الديكتاتور، فتصوِّر حال سقوطه وما يواجه الناس من محنة بعد هذا السقوط، حيث إن آثار القمع والكبت السياسي يبقى مع معارضيه المقموعين السابقين، فهم يشعرون وكأنهم خرجوا من الموت، أو حصلوا على فرصة حياة إضافية غير متوقعة ولم تكن بالحسبان، حياة زائدة يصيرون فيها ضد بعضهم البعض، فتثار النزاعات بينهم ويصبح الكل ضد الكل.

  • تقيم في باريس منذ أكثر من ثلاث سنوات؛ ما الذي أضافته هذه المدينة لك ككاتب مهاجر استطاع الخروج من اليمن؟

- أظن أن المكان الذي يعيش فيه الكاتب سنوات طفولته وشبابه يبقى معه طول عمره، فهو لا يؤثر من حيث الجوانب الثقافية والاجتماعية فقط، وإنما أيضًا يؤثر في عملية الكتابة، في مسبباتها التي تصبح ملازمة للكاتب، ربما أحيانًا بسبب المناخ أو الطقس أو بسبب نوع الغذاء.

    أستطيع القول إن المكان اليمني لا مثيل له بالنسبة لي، وأشعر أن هناك ما ينقصني منذ أن ابتعدت عنه. صحيح أنني أكثر حرّية في المهجر، وأعيش في مجتمع مدني لم آلفه من قبل، إلا أن هواجس المكان اليمني ما زالت هي التي تشغل بالي.

  • هل أنت راضٍ بما قدمته خلال مسيرتك الأدبية؟ وإلى أين تتوقع أن يصل بك الأدب؟
  • لا أعرف في الحقيقة، لم أحاسب نفسي ولم يسبق لي أن فكرت بذلك. 
  • في لقاء سابق لك قلت بأن الوطن عبارة عن محنة إنسانية؛ ماذا تقصد بالمحنة هنا؟
  • كل القضايا الوجودية الإنسانية تمثل محنة بشكل من الأشكال، فهي لا تصل إلى قرار، أو تلقى إجابة مكتملة ونهائية؛ كذلك الوطن فهو كمفهوم وكممارسة يبقى في حال سؤال وبحث عن مدى تحققه ويتحول إلى إشكالية أو محنة حين يصبح، عبر سلطاته، ذريعة للقمع والتسلط والنفي للناس الساكنين فيه. 
  • في رواية "بخور عدني" انتقلت إحدى الشخصيات من باريس إلى عدن؛ لماذا اخترت باريس تحديدًا لهذه الشخصية؟!
  • لأنني وجدت في تاريخها خلال أربعينيات القرن الماضي، وكذلك تاريخ عدن الممتد إلى نهاية الستينيات، ما يجسد الإشكالية التي بحثت فيها أو اختبرتها في الرواية، وهي إشكالية الوطن والبديل عن الوطن.
  • كثير من الكتاب يتذمرون من ممارستهم لأعمال غير الكتابة ليؤمنوا احتياجاتهم؛ أين أنت منهم؟
  • يختلف الأمر من كاتب إلى آخر. بالنسبة لي أستطيع القول إن دخلي المادي من طبعات كتبي باللغة العربية أو من عوائد ترجماتها قد ساعدني كثيرًا على مواصلة الكتابة.

•••
عمران الحمادي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English