اليمن وعُملتُها (الشِّلِن) الأفريقي

المجلة التي وحدَّت البلاد قبل 63 سنة
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 11, 2021

اليمن وعُملتُها (الشِّلِن) الأفريقي

المجلة التي وحدَّت البلاد قبل 63 سنة
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 11, 2021

تفاصيل الغلاف الأول لمجلة العربي الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 1958، في الكويت، لم تكن كثيرة. صورة فتاة وهي تمسك بعرجون بلح أحمر، واسمها عواطف العيسى القناعي التي تنتمي لأسرة "القناعات" في الكويت؛ وقد احتاج الأمر بعد ذلك لوقت غير قصير حتى تعثر المجلة عليها، وقد تجاوزت الستين من العمر، لتصير صورة للغلاف التذكاري للمجلة، بمناسبة استمرار صدورها لخمسين عاماً في ديسمبر/ كانون الأول 2008. وقد ظهرت عواطف، هذه المرة، تحمل العدد الذي احتفى بوجهها، ولا تقطف من عرجون البلح.

كانت تلك الصورة التعبيرية للتعريف بمحتوى واحد من أهم الاستطلاعات التي نفذتها في تلك الفترة عن نخيل وتمور العراق، حتى ظن من شاهد تلك الصورة أنها لفتاة بصراوية عراقية وليست لفتاة كويتية، في استطلاع أظهر العراق كأكبر منتج للتمور وقتها في العالم بواسطة 32 مليون نخلة تتركز معظمها في جنوبه، في وقت كان الوطن العربي مجتمعاً يزرع فقط أربعة ملايين نخلة، وكل العالم يزرع 87 مليون نخلة. بعد حربين طاحنتين وأزمات متلاحقة وجفاف وتملح في التربة، انخفض هذا العدد اليوم إلى الثلث تقريباً، وانخفض في أكبر موطن استزراع له في ذلك الوقت (محافظة البصرة) إلى عدد لا يصل إلى ثلاثة ملايين نخلة، بعد أن كانت تحتضن 10 ملايين نخلة، حسب بعض التقديرات في ذلك الوقت.

  بجانب صورة الفتاة، عنوان بخط صغير "تمر العراق أحلى تمور العراق"، وتحته قائمة بسعر العدد في الدول التي سيتوزع فيها. والملفت في هذه القائمة أن سعر المجلة في اليمن كان (2.5 شلن). اليمن هنا مشمولة بعدن وحضرموت والمحميات، وكل مدن الجنوب اليمني المحتل حينها، اذ لم يظهر أيّ من مسميات هذه المواضع في قائمة أسعار المجلة، وأن العملة المحدد سعرها للعدد كانت الشلن الأفريقي، الذي كان العملة المتداولة والرائجة في عدن ومحيطها.

بعد تولي الدكتور أحمد زكي رئاسة تحرير المجلة مباشرة، تم التعاقد مع المصور أوسكار متري، والمخرج الفني سليم زبال، وكانا يعملان وقتها في دار "أخبار اليوم" تحت رئاسة تحريرها مصطفى أمين، ومن بيروت تم ترشيح الأستاذ قدري قلعجي ليشغل منصب سكرتير تحرير للمجلة.

رأس تحرير المجلة من وقت إصدارها حتى وفاته في العام 1975، الدكتور أحمد زكي، العالم المصري الجليل الذي يقول عنه أكرم المشهداني:

"اختيار أول رئيس تحرير للمجلة عربي غير كويتي، له دلالة على هدف المجلة، حيث أسندت رئاسة هذه المجلة الضخمة إلى الدكتور أحمد زكي، وهو رجل العلم والأدب والتجارب والخبرة، ولقد أضفى اختيار شخصية بوزن العالم أحمد زكي روحاً جديدة في الصحافة العربية سرت في كل أرجاء الوطن العربي، ما جعل كل بيت وشارع وحارة، من المحيط إلى الخليج، لا تخلو منه "العربي"، فالدكتور أحمد زكي كان مديراً لجامعة القاهرة، وزيراً في الحكومة المصرية قبل ثورة 1952، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه الفلسفية (ph.D) عام 1924، ودكتوراه العلوم (D.SC) عام 1928، وكان قد سبق له تولي رئاسة الاتحاد الثقافي المصري، وعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي بدمشق، والمجمع العلمي ببغداد، وشخصيته المستقلة كانت بارزة في حياته، حيث لم يُفرغ للكتابة في السياسة ولا للاتصال بالأحزاب، ما صبغ العربي بصبغة الاستقلالية الفكرية التي تجمع ولا تفرق، والتي تغلّب الكليات على الجزئيات، والتي تعرض الجوهر دون المظهر".

بعد تولي الدكتور أحمد زكي رئاسة تحرير المجلة مباشرة، تم التعاقد مع المصور أوسكار متري، والمخرج الفني سليم زبال، وكانا يعملان وقتها في دار "أخبار اليوم" تحت رئاسة تحريرها مصطفى أمين، ومن بيروت تم ترشيح الأستاذ قدري قلعجي ليشغل منصب سكرتير تحرير للمجلة، وكان ترشيحه من قبل الأستاذ أحمد نعمان (اليمن) وعبدالله القصيمي وحمد الجاسر (باحثان وعالمان سعوديان) ومحمد محمود الزبيري (أديب وشاعر يمني)، حسب المشهداني أيضاً.

 قبل صدور أول أعدادها، نشر القائمون عليها إعلانات ترويجية في كبريات الصحف في القاهرة وبيروت عُنونت بـ"المفاجأة الصحفية الكبرى المنتظرة، العدد الأول من مجلة العربي، المجلة الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، رئيس تحريرها العالم الأديب: الدكتور أحمد زكي، إلى جانب تفاصيل أُخَر عن الهدية الملونة وجوائز المسابقة وثمن المجلة وما إلى ذلك من المُرغِّبات".

 تعرِّف المجلة نفسها بأنها "عربية- علمية- أدبية- ثقافية- جامعة"، ويعرفّها رئيس التحرير بقوله:

"وأسميناها العربي، وما كان اسم يوافي بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي ورؤوس نسائه من معانٍ، وما تستدفئ به قلوبهم من آمال وأماني، كاسم العربي في حسمه وإيجازه".

 عروبية العربي وتماهيها القومي انعكس بشكل جلي على طبيعة المادة، التي حاولت الإحاطة بأحوال عديد من البلدان العربية وعواصمها، وطرْق القضايا الساخنة فيها. من الجزائر، أرسلت تحية إلى جيش التحرير الوطني هناك، ونقلت سلام أبناء العروبة إلى المجاهدين من أجل الحرية والاستقلال من نير الاحتلال الفرنسي الغاشم.

احتفاظ مجلة العربي بتنوع محتواها الصحافي وثرائه طيلة ستين عاماً، كان بسبب تلك التأسيسات الباكرة التي ابتدأتها مع أول الأعداد، والذي فيه يجد القارئ نفسه متنقلاً بين حقول المعرفة المختلفة.

  البحرين ظهرت كجزيرة بعيدة ونائية في ذلك الوقت ينبغي التعرف عليها من خلال نافذة "اعرف وطنك أيها العربي"، فهذه الجزيرة الصغيرة تجمع تراث أربع حضارات قديمة، تعاقب عليها الغزاة والمستعمرون، وتركوا بها مليون قبر حيَّرت العلماء؛ بها ينابيع تُخرج الماء عذباً من أعماق البحر، كما تُخرج الزيت (النفط) من باطن الأرض. 

  القاهرة، عاصمة الجمهورية العربية المتحدة الوليدة قبل تسعة أشهر من صدور هذا العدد (بقطريها المصري والسوري)، تتجلى في منتصف الليل فتبدو في استطلاع مصور أشبه بعروس في ليلة زفافها. فهي تبدو وكأنها قطعة من نور تطفئ ظلام الليل حتى تكاد تمحوه. أما اليمن ستظهر ببؤسها الذي تلبّسها شيطان في صورة نبات (القات)، "أوقع الإنسان اليمني في فتنته، وزاحم الأغذية البريئة في معدته، وجرى مجرى إبليس في دمه وولج ولوج اللص في خزائنه يطارده صباحاً في رؤوس الجبال، ويؤرقه ليلاً في متاهات الخيالـ متنقلاً به بين السرور والحزن، وبين العقل والجنون!"

  أما الوقفة الأخيرة، ستكون في معرة النعمان بسوريا، وتحديداً على قبر أبي العلاء المعري، ووقفها الدكتور زكي المحاسني، قارئاً وشارحاً نتاج هذه الشخصية الجدلية الكبيرة فيه، شعراً وفلسفة في التاريخ العربي.

 صدرت "العربي" في ذروة الخطاب القومي العربي، وتحديداً قبل انقضاء العام الأول من قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة السورية المصرية). لهذا كان نزوعها القومي واضحاً، وإن مفكراً ومجتهداً كبيراً كالدكتور محمد أحمد خلف الله، كتب موضوعاً تنظيرياً مهماً عن الحالة القومية حمل عنوان "القومية العربية كما ينبغي أن نفهمها". كامل عباد -الأستاذ بكلية التربية في الجامعة السورية- كتب في موضوع "التطور والثورة"، وكيف يتآخيان في العمل لخير الانسان. المؤرخ فليب حنّا، وفي ذروة هذا الخطاب، قال في حالة تتبع تاريخي: آن للعرب أن يستردوا أمجادهم، فهم الذين فاقت مدنيتهم كل مدينة في العالم طيلة خمسة قرون. وبالمقابل، كتب د. جميل صليبا عن التبادل الثقافي بين الشرق والغرب.

  من كتّاب العدد الأول للعربي -بالإضافة إلى رئيس التحرير د. أحمد زكي الذي نشر موضوعاً عن الزيت والذرَّة في مقاربة للطلب على الطاقة في العالم الجديد- الراحل الكبير عباس محمود العقاد، يستعيد صورة صلاح الدين الأيوبي، ومحمود تيمور الذي نشر قصته الذائعة "نجاح مائة في المائة".

  احتفاظ مجلة العربي بتنوع محتواها الصحافي وثرائه طيلة ستين عاماً، كان بسبب تلك التأسيسات الباكرة التي ابتدأتها مع أول الأعداد، والذي فيه يجد القارئ نفسه متنقلاً بين حقول المعرفة المختلفة، تماماً كما هو الأمر حاصلاً مع هذا العدد الذي تتجاور فيه القصيدة والقصة والمسرح وأخبار العلم والعلماء والكاريكاتير وطب الأسرة.

  صحيح أن المجلة لم تعد تحظى بمكانتها الأولى في الوقت الحاضر، لأسباب تتصل بالفضاء المفتوح وسهولة الحصول على المعلومة وتبدل مزاج القراءة، لكن يتخيل لي أن هذه المجلة وبعد ستة عقود كاملة، يمكن أن تكون مرجعاً مهما لقراءة التحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدها الوطن العربي من خلال المحتوى المتنوع التي دأبت على استمراره، لتصير مع الوقت (المصدر الأهم للعلم والأدب والفكر والثقافة والفنون في عالمنا العربي) خلال ذلك التاريخ الطويل.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English