عسكرة الصحافة الأهلية في اليمن

تغريبة الصحفيين تحت ضغط الاستقطاب السياسي
May 4, 2021

عسكرة الصحافة الأهلية في اليمن

تغريبة الصحفيين تحت ضغط الاستقطاب السياسي
May 4, 2021

أحمد عوضه

نجم الدين قاسم


فجر الخميس 26 مارس/ آذار 2015، كانت صنعاء تضطرب مع كل دوي انفجار يمزق صمت الليل، بينما كان الصحفي محمد حميد (28 سنة) يسابق الدقائق المتبقية لإنهاء تقرير عن تفاصيل ما يجري، مستعينًا بما تنشره القنوات من أنباءٍ عاجلة. وقبل أن يَهمَّ بإرسال التقرير إلى الصحيفة التي يعمل بها، تفاجأ بصوتٍ لاهثٍ يُخبره عبر سماعة الهاتف أن مسلحين اقتحموا مقر الصحيفة بشارع هائل بصنعاء، واحتجزوا طاقم العمل المناوب، وصادروا كل شيء في المكتب.  

حدث كل ذلك بعد ساعات فقط من بدء أول غارة للتحالف العسكري بقيادة السعودية، ومنذ ذلك الصباح توقفت الصحيفة عن العمل، وأضحى محمد وزملاؤه مجبرين على الاختيار بين الانتقال من صنعاء أو مزاولة مهنة أخرى لا علاقة لها بالصحافة، "بالنسبة لي اخترت ترك الصحافة كليًّا، وقررت البقاء مع عائلتي في القرية، إذ لا خيار في وضعٍ هكذا"، محمد لـ"خيوط".  

كانت تلك الواقعة إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من عسكرة الصحافة الأهلية في اليمن، تحت تأثير الاستقطاب السياسي الذي أخذت فجوته في الاتساع طرديًّا مع تصاعد وتيرة الحرب وتعدد أقطاب الانقسام السياسي التي تدير مشهد الصراع، وتسعى لتسويق روايتها للواقع بمقاسات الغاية السياسية التي تصطدم بروايةٍ وغايةٍ تقابلها على النقيض في إكمال مشهد التنافر، الذي تطور حاملًا معه الصراع الميداني إلى صراع موازٍ في حقل الصحافة المنزلقة -بفعل الواقع الطارئ- في براثن الاقتتال السياسي، بعيدًا عن مهمتها الحقيقية. 

تسببت هذه الإرهاصات، التي تمخضت من رحم الحرب، في حجب عشرات المواقع الإخبارية، وتوقف عدد غير قليل من الصحف والدوريات المطبوعة كليًّا أو جزئيًّا في مناطق سيطرة أحد الأطراف، خصوصًا في العاصمة صنعاء التي كانت مقرًّا لمعظم الصحف الأهلية قبيل الحرب، كما أدى الاستقطاب السياسي إلى حرْف بوصلة الأداء المهني للصحافة اليمنية، التي تحولت إلى متغيرٍ تابع لمزاج الصفوة السياسية وأداةً مرنة للتحريض والقمع، الأمر الذي جعل الحقيقة مشوهة وبعيدة عن الواقع. 

انكماش وتمدد

حتى الآن لا تتوفر أي إحصائية رسمية أو لدى نقابة الصحفيين اليمنيين عن عدد الصحف الأهلية التي توقفت بسبب الحرب أو عن عدد الصحفيين المتضررين من إغلاقها، وفقًا لنبيل الأسيدي، رئيس نقابة الصحفيين اليمنيين لـ"خيوط". 

مثّل الواقع الجديد تحديًا قاسيًا للصحفيين والعاملين بمجال الإعلام، نظرًا للقيود والمخاطر التي كبَّلت العمل الصحفي في مناطق سيطرة أطراف الصراع، فضلًا عن الانتهاكات والتعرض للاعتقال أو التصفية الجسدية، سواء عن طريق الاغتيالات أو المحاكمات الصورية

 لكن حسب رصد قامت به "خيوط" حول عدد الدوريات الأهلية التي توقفت منذ بداية الصراع في سبتمبر/ أيلول 2014، حتى نهاية أبريل/ نيسان 2021، تبين أن نحو 30 دورية أهلية توقفت عن العمل بشكل كامل، و7 دوريات توقفت ورقيًّا واستمرت في العمل عبر موقعها الإلكتروني، بينما استمرت صحيفتان في العمل ورقيًّا وإلكترونيًّا، ولكن في نطاق محدود، وهما صحيفتا الهوية التي تصدر من صنعاء، وصحيفة الشارع التي تصدر حاليًّا من عدن. 

في المقابل شهدت الصحافة الرقمية خلال سنوات الصراع الماضية، طفرة غير عادية في عدد المواقع الإخبارية التي أصبحت بديلًا جذّابًا ومتحررًا من القيود التي خنقت الصحافة المطبوعة تحت سوط الرقيب السياسي، لكن رغم وجود ذلك الهامش أخذت صحافة المواقع الإخبارية شكلًا فوضويًّا في التعاطي مع الأحداث، بمقتضى الميل السياسي للطرف الذي تتحيز إلى جانبه.  

خلال رصد قامت به "خيوط"، شهدت الفترة ما بين سبتمبر/ أيلول 2014 إلى أبريل/ نيسان 2021، إطلاق 143 موقعًا إخباريًّا، من أصل 236 موقعًا إخباريًّا نشطًا (ذات توجهات متباينة)، كما أن نحو 90% من المحتوى الذي تنشره (في نوافذ الأخبار المحلية)، يتخذ منحى عدائيًّا ومنحازًا، إلى جانب أنه يفتقر في معظمه إلى الأساسيات المهنية، فضلًا عن الجنوح إلى الرأي وصناعة الإثارة خدمةً للتحيزات والأهداف الموجهة للأطراف السياسية.    

وسط هذه الفوضى، لا تتعدى المنصات الرقمية المعنية بـ"الصحافة المتأنية" في اليمن، نسبة 1,5% -من إجمالي المواقع التي شملها الرصد- كونها تتمتع بإمكانيات جيدة ساعدت في تقديم محتوى أفضل، وإن كان في معظمه يركز على الجوانب غير السياسية، لاعتبارات ذات صلة بمعايير الهيئات والمنظمات الداعمة للإعلام الاجتماعي والإنساني في اليمن، مثل منظمة "إنترنيوز".  

حين يصبح الصحفي هدفًا

مثّل الواقع الجديد تحديًا قاسيًا للصحفيين والعاملين بمجال الإعلام، نظرًا للقيود والمخاطر التي كبَّلت العمل الصحفي في مناطق سيطرة أطراف الصراع، فضلًا عن الانتهاكات والتعرض للاعتقال أو التصفية الجسدية، سواء عن طريق الاغتيالات أو المحاكمات الصورية التي تنتهي بالإعدام، كما فعلت المحكمة الجزائية بصنعاء بحق 4 من الصحفيين في مارس 2019، الأمر الذي دفع بكثير من الصحفيين إلى التوقف عن العمل، أو الفرار إلى مناطق أكثر أمنًا داخل الوطن أو خارجه. 

يؤكد نبيل الأسيدي رئيس نقابة الصحفيين اليمنيين، لـ"خيوط" أنه في ظل تقاسم السيطرة على الأرض بين عدد من القوى السياسية، أصبحت الصحافة مسايرة للاتجاه الذي يتبناه الطرف المسيطر، حيث استخدمت أطراف الصراع آلية الترغيب والترهيب في استقطاب الصحفيين، ومورست قضايا التهديد بشكل كبير على الصحفيين، وبطرق مختلفة؛ إما بالقتل أو الشروع بالقتل أو الاعتداء والاعتقال والاحتجاز، بسبب كلمة أو منشور في وسائل التواصل.

"منذ بداية الحرب تعاملت جميع أطراف الصراع في اليمن وفق قاعدة "إما أن تكون معنا أو ضدنا"، بالتالي جميع الأطراف تبنت ذات المفهوم، وإن كان أنصار الله (الحوثيون) أشد من البقية، ذلك أن هناك ما يتراوح بين 600–1000 صحفي نزحوا من صنعاء، بينما بقي آخرون مغلوب على أمرهم في العاصمة اليمنية بلا مرتبات، ويخافون من آلة البطش في كل مكان"، يضيف الأسيدي لـ"خيوط". 

في السياق، يذكر الصحفي محمد حميد أنه كانت أمامه فرصة في اللحاق بإدارة صحيفته التي انتقلت بادئ الأمر إلى السعودية، ثم لاحقًا إلى القاهرة حيث استمر موقعها الإلكتروني في العمل، لكنه فضل اعتزال المهنة على أن يصبح "مشردًا في الخارج أو أداةً بيد أحدهم في الداخل"، كما يقول.

وبحسب تقرير لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (حصلت "خيوط" على نسخةٍ منه)، مثلت مصر القبلة الأولى للصحفيين اليمنيين المشردين منذ بدء النزاع المسلح عام 2014، بنسبة بلغت 32% من إجمالي الصحفيين خارج اليمن، تليها السعودية بنسبة 28%، ثم تركيا بنسبة 10%، في حين توزع ما نسبته 28% بين الإمارات والجزائر، والسودان، وألمانيا، والسويد، والكويت، وعمان، والولايات المتحدة، وفرنسا، وقطر، وماليزيا، وسويسرا، وبريطانيا، بينما تشرد نحو 4% إلى أماكن غير معروفة خارج اليمن. 

ووفقًا للأمين العام لنقابة الصحفيين اليمنيين محمد شبيطة لـ"خيوط"، فإن "الصحافة اليمنية تعيش مرحلة غير مسبوقة من تكميم الأفواه، وهذا ما جعل بعض الصحفيين، يلجأ إلى عدم الممانعة في العمل مع كل الأطراف، نتيجة لسياسة التجويع وإيقاف رواتب الصحفيين، مع ذلك ظل غالبية الصحفيين يعانون مرارة الجوع في منازلهم، عاطلين عن العمل، خاصة أن المؤسسات الإعلامية المختلفة متوقفة حاليًّا، ولاسيما المستقلة منها". 

ويرى شبيطة أن الاستقطاب السياسي المصاحب للحرب، أثر بشكل عميق على الصحافة في اليمن، إلى الحد الذي أصبحت فيه حرية الرأي والتعبير شبه منعدمة، ذلك أن كل طرف يعتقد أن سياسته هي الحقيقة المطلقة، فينبري للدفاع عنها وتجريم كل رأي مخالف، مما أفقد الصحافة الحرة جوهرها الكامن في تتعدد الآراء.

بين الحقيقة والإثارة 

بإمكانيات ذاتية، يستعد الصحفي محمد عبدالله عسقين (33 سنة)، وفريقه لإطلاق موقعهم الإخباري (سبق مونيتور)، يقول في تصريح لـ"خيوط": "اعتزلت الصحافة منذ 5 سنوات، وقمت بإنشاء صيدلية بمدينة إب. كنت مجبرًا على التخلي عن مهنتي الأساسية والبحث عن عمل آخر، عوضًا عن أن أكون أداةً للتحريض ونشر الشائعات بيد أحد الأطراف السياسية، لكن أخيرًا قررت أنا وبعض الصحفيين بمحافظة إب إطلاقَ موقع خاص، بعيدًا عن التحيز ولغة الكراهية". 

يطمح عسقين أن يقدم موقعه الجديد محتوًى موضوعيًّا ومنضبطًا، لكن أكثر ما يقلقه -كما يبين لـ"خيوط"- هو ألا يتمكن الموقع من الاستمرار إن لم يحظَ بعدد كافٍ من الزيارات التي تساعد في تغطية نفقات الموقع، في ظل فوضى التهويل والإشاعات التي تعودت عليها معظم المنصات اليمنية إشباعًا للاحتقان السياسي في البلاد، مع ذلك يقول إنه يراهن على ذائقة الجمهور.  

وخلال مقابلات أجرتها "خيوط" مع صحفيين يعملون لدى عدد من المنصات الإلكترونية الموجهة في اليمن، تبيَّن أن جزءًا من المشكلة، يتأثر بمتغيرات التمويل، ذلك أن غالبيتها تعتمد في تمويلها على مصدرين؛ أحدهما الدعم المباشر أو غير المباشر من جانب طرف/ جماعة أو كتلة سياسية، والآخر من عائدات السماح لإعلانات غوغل بالظهور على صفحات ونوافذ الموقع، وعدد الزيارات، الأمر الذي وجه الاهتمام في السعي وراء الإثارة والتهويل والعناوين المزيفة سعيًا وراء جذب أكبر عدد من الزيارات، وهنا انصرف الهدف من نقل المعلومة إلى أهداف تجارية، وذلك ما يفسر حالة الفوضى وغياب الموضوعية التي وسمت الصحافة اليمنية بميسمها. 

ورغم انحسار الصحف المطبوعة، لصالح المواقع الإخبارية، ظلت الصحف أقل تأثرًا بعدوى النسخ، وحافظت على قدر من الخصوصية بصرف النظر عن طبيعة المحتوى، بعكس المواقع الإخبارية التي يميل معظمها لإعادة نشر ما ينشر في منصات محلية أو عربية، حيث تبين من خلال رصد محتوى أكثر من 100 موقع إخباري، أن المواقع المؤيدة للحكومة اليمنية تميل في جزء كبير مما تنشره إلى النسخ من منصات عربية، مثل: العربي الجديد، عربي21، الخليج أون لاين، عربي بوست، الخليج الجديد، عكاظ، إندبندنت عربية...

في حين تميل المنصات الإلكترونية المؤيدة لأنصار الله (الحوثيين) إلى النسخ من: موقع قناة المسيرة، سبوتنك، موقع قناة العالم، روسيا اليوم، الأخبار اللبنانية...، بينما يغلب على المواقع المؤيدة للانتقالي الجنوبي، النسخ من موقع صحيفة العرب اللندنية، العين الإماراتية، الخليج الإماراتية...، وغيرها. 

وغالبًا ما يجري النسخ مع تحوير في العناوين لجعلها أكثر إثارة، أو إجراء تغيرات طفيفة في المحتوى، ما يؤدي أحياناً إلى تمييع المادة وتشويشها، بشكلٍ يوحي بعدم دراية بأساليب التحرير الصحفي، أو لعل ذلك يعود إلى أن نسبة مُعتبرة من العاملين في المجال الصحفي من دخلاء المهنة.  

 إعلام حربي يجافي الحقيقة

يؤكد رئيس نقابة الصحفيين اليمنيين، أن جميع أطراف الصراع سعت إلى تحويل الصحافة والإعلام "من إعلام للشعب ومصدرٍ للحقيقة إلى إعلام موجه إلى إعلام حربي يخدم التوجهات السياسية، مع مراعاة الفرق بين توجهات مشروعة، مثل أن تكون وفق توجهات سياسة حكومية، وتوجهات تكون نابعة عن الأفكار الضيقة، أو خدمة المصالح الحزبية، أو المصالح المناطقية، أو مصلحة للجهات أو الدول التي ترعى تلك الأحزاب، وما إلى ذلك".

لافتًا إلى أن الحرب جعلت هامش الصحفيين ضيقًا جدًّا، نتيجة للضغوط التي قد يتعرضون لها، وفي ظل محدودية الجهات الداعمة للصحفيين وعجزها عن تقديم الحماية، الأمر الذي قد يضطر بعض الصحفيين إلى مداهنة أحد أطراف الصراع والعمل لصالحه من أجل توفير لقمة العيش له ولأسرته، فيما يضطر آخرون إلى الصمت أو اعتزال المهنة، أو حتى اللجوء إلى أعمال يدوية لتوفير ما يسد الرمق، ومع ذلك هناك صحفيون تعرضوا لانتهاكات لمجرد كونهم صحفيين، حد قوله.

في فضاء هكذا، تبدو الحقيقة تائهة ومعطوبة وسط سيل التضاد الإخباري، الذي أفقد الصحافة اليمنية قدرًا كبيرًا من مصداقيتها وهيبتها، وانسحب تأثيره على المنصات القليلة التي تكافح لتقديم محتوى جيد وسط كومة من الفوضى.


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English