احتدام المعارك يفاقم أوضاع النازحين في مأرب

الأبرياء أكثر المتضررين من نيران الحرب
هناء عبدربه
February 16, 2021

احتدام المعارك يفاقم أوضاع النازحين في مأرب

الأبرياء أكثر المتضررين من نيران الحرب
هناء عبدربه
February 16, 2021
© image copyright ME monitor

ستة أعوام مرت على معاناة اليمنيين مع النزوح، يتدفقون من مكان إلى آخر ومن محافظة إلى محافظة، في رحلة طويلة موسومة بالضياع، ولا بصيص أمل للعودة لحال أفضل وحياة مستقرة في ظل الحرب والمعارك الضارية والقصف والاعتقالات التي استعرت نيرانها في وجه المواطن، الذي تحولت حياته المستقرة إلى رماد بدون سابق إنذار.

في محافظة مأرب شرق البلاد يقاسي النازحين، والذين يبلغ عددهم حوالي 98 ألف فقط في العام 2020 إلى جانب أعداد كبيرة تستقبلهم المحافظة الواقعة شرقي اليمن.

ويعاني النازحين مؤخرًا أوضاعًا سيئة غير مسبوقة منذ احتدام المعارك مؤخرًا بين القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًّا وبين القوات التابعة لأنصار الله (الحوثيين)، منذ ما يقارب الأسبوع بشكل غير اعتيادي، ناهيك عن تعرض مخيمات النازحين لقصف صاروخي.

حال النازحين القادمين إلى مأرب حتى في الفترات التي تكون فيها الأوضاع هادئة ومستقرة، ليس بالذي يمكن أن يوصف بالاستقرار الحقيقي، وتحديدًا بعد السيطرة على الجوف من قبل أنصار الله (الحوثيين) بداية العام 2020، وتدفق موجات جديدة من النزوح لمحافظة مأرب في مديرتي مذغل ورغوان، سواء كانوا من أبناء الجوف أو من النازحين فيها واضطروا لنزوح جديد، حيث استقبلت المديريتان أعدادًا كبيرة من النازحين، في الوقت الذي كانت فيه مديرية مجزر المحاذية لمحافظة الجوف غير ممكن النزوح إليها، تحديدًا بعد سيطرة الحوثيين عليها وتزايد الخوف من مواجهات جديدة أو قصف.

القدرة الاستيعابية

بعد احتدام المواجهات مؤخرًا اشتعلت المعارك بين الطرفين امتدت خلالها جبهات القتال حوالي 200 كيلو متر من مديرية جبل مراد، الجوبة وصرواح ورغوان ومذغل والوادي، تعتبر جبهة واحدة على خط طويل، وهي مناطق يسكن فيها النازحون الذين هربوا من معارك الجوف ومن الخانق ونهم إلى مأرب، إضافة إلى نازحين سابقين من محافظات مختلفة، كان هذا النزوح ليس الأول ولا الثاني إذ إن البعض نزح نزوحه الخامس إلى هذه المناطق، والتي سبقتها رحلات من النزوح من محافظة إلى أخرى.

يقول الدكتور علي التام، إن الجميع يعاني بلا استثناء سواء النازحين في المخيمات أو الذين يعتبرون مجتمعًا مضيفًا، ولكن فرص النازحين من المجتمع المضيف، في الاحتماء في بيوت أقاربهم من الطين أو اللبن، أفضل من فرص الذين يعيشون في خيم لا تقي من شيء

إضافة إلى عشرات الأسر الذي ينتمون إلى بعض مناطق مأرب منها جبل مراد والماهلية ورحبة، اضطروا للنزوح سابقًا إلى المناطق التي الآن تجري فيها المواجهات على أشدها.

كما أن القدرة الاستيعابية في المدينة للمساكن لا تكفي النازحين القادمين من مخيمات النزوح، لمحاولة الفرار من الموت المحتم الذي تفرضه عليهم ظروف المواجهات، إذا ما حاولوا التحرك من أماكنهم، مما سبب في ارتفاع أسعار إيجارات المساكن التي من الطبيعي أن تحرم النازح من محاولة الفرار من مخيمات النزوح لارتفاع الأسعار وعدم قدرته على استكراء منزل، وبالتالي تحدث المأساة إما بمواجهة المصير المحتوم والبقاء في أماكنهم، أو اختيار طريق نزوح جديد يحفظ حياتهم، وهكذا دواليك.

يقول الدكتور علي التام، رئيس مؤسسة حماية للتوجه المدني، لـ"خيوط": "منذ أن اشتعلت جبهات القتال مؤخرًا، رصدنا 30 أسرة من المجتمع المضيف شمال غرب مأرب من رغوان ومجزر ومذغل إلى مديرية الوادي بسبب المواجهات الأخيرة، ولكن النازحين في رغوان يقاسون وضعًا خطيرًا للغاية لقرب مخيماتهم من المواجهات، حيث تبعد بضعة كيلو مترات فقط، مما يجعلهم في مرمى الخوف والخطر من المصير المجهول في قابل الأيام.

وبحسب الدكتور التام، فإن الجميع يعاني بلا استثناء، سواء النازحين في المخيمات أو الذين يعتبرون مجتمعًا مضيفًا، ولكن فرص النازحين من المجتمع المضيف، في الاحتماء في بيوت أقاربهم من الطين أو اللبن، أفضل من فرص الذين يعيشون في خيم لا تقي من شيء. ويضيف الدكتور علي التام أن القلق كبير؛ حيث إن الصواريخ تستهدف المدينة نفسها، فما بالنا بأطراف المدينة، فهي تستهدف بشكل عشوائي.

الخوف من خطر المواجهات

عادت المواجهات قبل تسعة أيام للاشتعال مجددًا في أماكن تكتظ بالنازحين، مع استخدام الطائرات المسيرة والقصف بالطيران والصواريخ البالستية.

تأتي هذه المواجهات بعد إعلان إدارة ترامب في الشهر المنصرم بتصنيف جماعة أنصار الله (الحوثيين) في قوائم الإرهاب، قبيل انتهاء ولايته، وبعد أن أعلن مجددًا عن إلغاء تصنيف الجماعة بعد تولي جو بايدن لمنصب الرئاسة قبل أيام قليلة من عودة المواجهات.

ويقول الدكتور علي التام لـ"خيوط": "إذا رأينا ما حدث من مواجهات وحروب في مأرب منذ 2015 إلى الآن وقارنّا بما سيحدث في حال توسع المواجهات، فإنا سنرى موجة جديدة من الويلات التي تتعقب هؤلاء النازحين الذين يقعون في مرمى اللهب والخوف والتشرد، والخوف من سقوط ضحايا جدد، وتحديدًا من النساء والأطفال الذين كانوا الأكثر تضررًا في هذه الحرب، جراء القصف المدفعي والمقذوفات على مخيمات النازحين شمال غرب مأرب.

بالنظر إلى السيناريوهات المكررة سابقًا، يتوقع سقوط ضحايا مدنيين جدد بسبب المواجهات والقصف المدفعي والصاروخي على مخيماتهم.

النازحون والغذاء

علاوة إلى ما آلت إليه الأوضاع في الأشهر الأخيرة مع تفشي وباء كورونا وتقليص العمليات الإنسانية في اليمن عمومًا، كانت نتيجتها على النازحين في مخيمات النزوح في أطراف مأرب كارثية، حيث أفادنا عاملون في المجال الإنساني في مأرب أن كثيرًا من الأسر النازحة التي كانت تتلقى مساعدات إنسانية، انقطعت عنها تمامًا أو تقلصت نسبة المساعدات بنسبة كبيرة، خاصة أن الوضع الاقتصادي للنازحين سيئ للغاية، مع قلة فرص العمل وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، مما جعلهم يذوقون "البلاء أصناف"، كما يقال باللهجة العامية لمأرب.

أمة الله الحمادي ناشطة من مأرب تؤكد لـ"خيوط"، أن مأرب تعيش وضعًا حساسًا منذ فترة طويلة، لكن الوضع الآن يزداد سوءًا مع توقعات بموجات نزوح جديدة وكبيرة بسبب المواجهات الأخيرة بين الأطراف المتحاربة على تخوم مأرب.

هذا ما يثير قلق العاملين في المجال الإنساني، إذ لا مخيمات معدة لاستقبال النازحين في حال ارتفعت موجات النزوح الجديدة، إضافة إلى سوء إدارة المخيمات الموجودة حاليًّا في أطراف مأرب من قبل الجهات القائمة عليها، وأيضًا من قبل السلطة المحلية.

تضيف الحمادي، أنه منذ بداية العام 2020، كانت هناك موجة نزوح كبيرة من الجوف إلى مأرب في ظروف معيشية صعبة تكفلت الهجرة الدولية حينها بصرف حقيبة طوارئ لهم لمرة واحدة فقط، ولكن في ظل وضع كارثي كهذا يحتاج لمساعدات مستمرة لا تكفي حقائب الطوارئ؛ لأن الناس بالمعنى الحرفي "تضوروا من الجوع".

إضافة -كما تقول هذه الناشطة- إلى آلاف النازحين الذين انقطعت طرق التواصل بهم، واختفوا تمامًا، وذلك بسبب انقطاع شبكة الاتصالات الوحيدة التي يعتمد سكان محافظة مأرب عليها، وهذا ما أضاف مصاعب جديدة في التواصل معهم، ولا يزال مصيرهم مجهولًا حتى الآن.

في وضع مأساوي كهذا لا أحد يكترث لمعاناة النازحين، فحتى المساعدات الإنسانية إن قدمت للمتضررين، فهي وحدها لا تكفي للحفاظ على حياة النازحين، إن لم يتكفل المجتمع الدولي والأطراف المتحاربة بحمايتهم وتحييد الصراعات عن أماكن نزوحهم.


•••
هناء عبدربه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English