بائعة الحلوى التي أصبحت سيدة أعمال

سيرة شغف تكسر التابوهات وتظفر بالنجاح
مطهر الخضمي
September 25, 2021

بائعة الحلوى التي أصبحت سيدة أعمال

سيرة شغف تكسر التابوهات وتظفر بالنجاح
مطهر الخضمي
September 25, 2021

من مشغل صغير لخياطة الملابس سُمّي بـ"دنيا حواء"، بدأت سيدة الأعمال "فتحية المحويتي" مشوارها في مجال ريادة الأعمال، متغلبةً على الصعوبات المختلفة من حولها، بَدءًا باعتراض أسرتها على عملها تحت مبرر "العيب"، وانتهاءً بمجتمع ذكوري لا يعترف بقدرة المرأة على خوض مضمار المال والأعمال، الذي استحوذ عليه الرجال لعقود.
تميزت "فتحية" بحسها التجاري المتفتح منذ طفولتها، حين كانت تقوم بشراء بعض الحلويات من السوق أثناء ذهابها إلى المدرسة، لتقوم ببيعها على أشقائها وجيرانها بربح بسيط، لكن ذلك الحس التجاري ظلّ يكبر معها حتى استطاعت أن تُجسّد تلك الحنكة التجارية والرغبة في مشاريع تجارية حقيقية على أرض الواقع بعد سنوات من العمل والكفاح المتواصل.
وُلدت فتحية أحمد محمد المحويتي في 1973، بصنعاء، ونشأت في أسرة متوسطة الحال، وبالرغم من أن والدها كان متعلمًا ويحمل درجات تعليمية عليا إلا أنه لم يكن يشجع استمرار بناته في التعليم بسبب إيمانه بالتقاليد التي كانت تحارب تعليم المرأة؛ لذا درست فقط حتى الصف السادس الابتدائي، وكغيرها من بنات جيلها تزوجت "فتحية" في وقت مبكرٍ، وتحملت مسؤولية الزواج لكنها لم تتخلَّ عن حُلمها بالانخراط في العمل، رغم اعتراض زوجها في البداية خشية عتاب أسرتها التي تعارض الأمر.

دائمًا كانت "فتحية" تتساءل عن منطقٍ يبررُ رفض عائلتها -والمجتمع عمومًا- لفكرة أن تعمل المرأة في التجارة: "لماذا يعد عمل المرأة في "يمن الإيمان" عارًا وعيبًا؟! رغم أن زوجة النبي محمد خديجة بنت خويلد عملت في التجارة، وكانت من أكبر تجار قريش".
كان استلهام هذا النموذج المشرق، حافزًا تربويًّا يبرهن مشروعية وجدوى ما تقوم به، وما دون ذلك مجرد ثقافة رسوبية، كرسها الموروث الخاطئ، وامتثل لها المجتمع بجريان العادة، كما تقول فتحية لـ"خيوط".



"بدأت عام 2000، بفتح معمل لخياطة الملابس في حي الأصبحي (جنوب صنعاء)، كنت أعمل سرًّا، أذهب متى وجدت وقتًا مناسبًا، بمساعدة أخي الصغير، الذي كان يساعدني ويذهب للمعمل في العصر برفقة عاملات وعاملين آخرين".



سرًّا وعلانية عملت "فتحية" من أجل تحقيق أهدافها التي تتخطى الحصول على مكسب مادي أو وظيفة حكومية مرموقة، إذ تقول: "عارضَت أسرتي بشدة في البداية عملي؛ لأنها ترى أني لست بحاجة للمال، ولكن لم يكن هدفي المال فقط. بدأت عام 2000، بفتح معمل لخياطة الملابس في حي الأصبحي (جنوب صنعاء)، كنت أعمل سرًّا، أذهب متى وجدت وقتًا مناسبًا، بمساعدة أخي الصغير، الذي كان يساعدني ويذهب للمعمل في العصر برفقة عاملات وعاملين آخرين".

تضيف في حديثها لـ"خيوط"، أن العمل في المشغل استمر قرابة 5 سنوات، حيث تطور وبدأ يكسب شهرةً جيدة لدى الزبائن، لكنها اضطرت لإغلاقه وبيعه عام 2006، بعد تراجع العمل فيه إثر إغراق سوق الملبوسات اليمني بالبضائع الصينية المتنوعة، فكانت هذه العقبة الأولى التي واجهتها في مجال العمل الذي اختارت مواصلة المسير فيه بكل صبر وثقة بالله، حد قولها.

صدمة الإجابة
"في قاموس الناجحين، تعد المواقف السلبية دافعًا للمضي إلى الأمام" كما تقول "فتحية" في سياق حديثها لـ"خيوط"؛ ففي العام ذاته الذي أغلق فيه المشغل خاصتها، سافرت من صنعاء إلى مدينة الحديدة للمشاركة في معارض ولقاءات لسيدات الأعمال اليمنيات، أقيمت بمناسبة عيد الوحدة 22 مايو. صادف أن كان مقعدها في الطائرة، إلى جوار إحدى سيدات الأعمال، التي بدورها عرّفتها برجل أعمال شهير من أسرة هائل سعيد أنعم.

أثناء تبادل الحديث، أخبرها أن نزوله إلى الحديدة يرتبط بمصنع الوطنية للأسمنت، ما دفع "فتحية" إلى سؤاله ما إذا كان بإمكانها أن تحصل على وكالة لبيع الأسمنت التابع لشركة الوطنية، فهي تمتلك ما يقارب 500 ألف ريال ويمكن أن تبدأ من خلالها، لكن إجابته كانت غير متوقعة، حيث ردّ ضاحكًا، وفقًا لفتحية: "ضعيها في بنك التضامن وستحصلين على عشرة آلاف أرباح، أما الوكيل للأسمنت فيجب توفير ما لا يقل عن عشرين مليون يمني". حينها أصيبت بالإحباط، ولكنه دفعها للعزم والإصرار على مواصلة السير في درب المال والأعمال.

السير نحو النجاح
بحسب فتحية، فإن نجاحها الفعلي بدأ في 2007، حيث بدأت بشراء وبيع السيارات، وقالت: "استطعت بمساعدة بعض أقاربي، توفير 900 ألف ريال، وبها استطعت شراء قطعة أرض في منطقة أرتل، لم يكن قد تم تخطيطها بعد، وحين جرى تخطيطها، صادف أن كانت على شارع 24 متر، فارتفع سعرها، بعتها بخمسة ملايين ريال، كان هذا المبلغ بالنسبة لي وقتها مبلغًا خياليًّا".

بخطوات مدروسة واثقة واصلت عملها في تجارة السيارات، التي تستوردها من الولايات المتحدة أو الكويت، وبدأت فكرتها تتطور وتكبر يومًا بعد يوم، حتى سنة 2013 افتتحت مكتبًا للاستيراد والتصدير، فكان البذرة الأولى لتوسع أنشطتها التجارية، حيث استمر العمل فيه حتى سنة 2017، حينها طوّرت عملها وحوّلت المكتب إلى مؤسسة تجارية باسم "تهامة فلافور للاستثمار والتجارة" تحت إدارتها، وبتصاريح وسجلات رسمية من الجهات المختصة.
بعد أن صقلت التجارب عقليتها الإدارية والتجارية، لم تكتفِ "فتحية" بما حققته من إنجازات، بل في إطار تطوير عمل مؤسستها التجارية، قامت في 2019 بتحويل مؤسستها إلى شركة تجارية "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري والتجاري" (شركة مساهمات)، وهي واحدة من أوائل شركات الأسهم في اليمن وفقًا للقوانين الوطنية التي تنظم ذلك، تشمل أنشطتها الاستثمارية (الاستيراد، العقارات، الصناعة، الزراعة، التعليم)، لتصبح "فتحية" رئيس مجلس إدارتها.

الحياة الشخصية لـ"فتحية المحويتي" لم تكن بعيدة عن حياتها العملية، بل استطاعت المواءمة بين حياتها العملية كسيدة أعمال، وحياتها الخاصة كزوجة وأمّ لخمسة أبناء (4 ذكور وأنثى)، وذلك بمساعدة زوجها، حيث لا تخفي دوره الكبير في مساندتها والوقوف بجانبها في كل المواقف منذ زواجهما قبل 33 عامًا، كما أنه يعمل معها في الشركة حاليًّا، إلى جانب بعض أشقائها، الذين يعملون معها في إدارة الشركة.



استطاعت "فتحية المحويتي" من موقعها كرئيس لمجلس إدارة شركة تهامة فلافور للاستثمار، توفير أكثر من 750 فرصة عمل دائمة في كل المشاريع والاستثمارات التي تملكها الشركة.



الهدف الأسمى
تحاول المحويتي من خلال شركتها، تبني العديد من الأنشطة التعليمية والموهوبين، آخرها دعم فريق الكيك بوكسنج بمدارس تهامة الحديثة، للمشاركة في البطولة المدرسية لرياضة الكيك بوكسنج المقامة بجمهورية مصر العربية، والتي حاز فيها الفريق اليمني على الميدالية الذهبية، إضافة إلى دعم تسجيل براءة اختراع لدى وزارة الصناعة والتجارة، لطالب يمني كان قد طوّر عمل الشاشة الذكية.

بالفعل استطاعت "فتحية المحويتي" من موقعها كرئيس لمجلس إدارة شركة تهامة فلافور للاستثمار، توفيرَ أكثر من 750 فرصة عمل دائمة في كل المشاريع والاستثمارات التي تملكها الشركة، فيما تؤكد أن أعداد فرص العمل المؤقتة تزداد أثناء المواسم كالأعياد وغيرها، وهو الأمر الذي يمنحها الشعور بالرضا عمّا تقوم به.

الصبر للتغلب على الصعوبات
خلال مسيرتها العملية لاقت "فتحية" صعوبات عديدة، لكنها تحلّت بالصبر في تجاوزها، غير أن بعض تلك الصعوبات كان وقعها أشدّ وطأة على فتحية والشركة التي تديرها –حد تعبيرها- أبرزها ما تلاقيه من عوائق من بعض الجهات الرسمية وانعدام التسهيلات التي من المفترض أن يحصل عليها المستثمر في اليمن، مقارنةً بما يتلقاه المستثمرون في البلدان الأخرى من امتيازات وتسهيلات مجزية.

إلى جانب تعرض شركة "تهامة فلافور" خلال الفترة الماضية، لحملة تشويه متعمّدة تستهدف الشركة ومساهميها، بالتزامن مع إثارة قضية "بلقيس الحداد" التي لا تربطها بها أي صلة، خصوصًا مع خلط الكثير بين شركة تهامة فلافور للاستثمار وشركة إعمار تهامة التابعة لبلقيس الحداد، والتي أُغلقت وجُمّدت أموالها من قبل الجهات الرسمية لأسباب وضحتها الجهات المعنية في بيان رسمي حينها.

في هذا الصدد تقول المحويتي لـ"خيوط"، إن "شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري والتجاري"، تعمل كشركة مساهمات وفقًا للقانون اليمني وبترخيص من وزارة الصناعة والتجارة، وتمتلك استثمارات حقيقية متعددة، تساهم في خلق موارد مالية للشركة ومساهميها؛ أبرزها في مجال العقارات والأراضي، كما تمتلك العديد من معامل خياطة الألبسة بكل أنواعها، ومشغل لصياغة الذهب، ومحل لبيع الذهب أيضًا، ومدراس تهامة الحديثة، وعدّة وكالات لمنتجات عالمية، إضافة إلى الاستثمار في الجانب الزراعي، أهمها مزارع وشاليهات (تهامة فلافور) في محافظة الحديدة".

وردًّا على حملات التشويه والاتهامات التي تعرضت لها الشركة، تقول إنها مستمرة في السير لتحقيق أهداف الشركة وطموحات مساهميها تحت شعار "هم يقولون ونحن نعمل"، حيث تؤكد أن آخر إنجاز حققته الشركة، كان في 10 يونيو المنصرم 2021، بافتتاح مصنع "ديار النخبة لصناعة الإسفنج"، بحضور أحمد الرهوي، عضو المجلس السياسي الأعلى لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، وذلك في إطار رؤية استثمارية وطنية، تقول فتحية إنها تسعى لتحقيقها خلال الأعوام القادمة.

تختم السيدة فتحية حديثها بتقديم نصيحة للنساء اللاتي، يرغبن في تحقيق النجاح في مجال المال والأعمال، قائلةً إن "البدء والإصرار لتحقيق أحلامنا وتطلعاتنا، هما الجزء الأساسي في مسيرتي، ولولا هذان العنصران لما وصلتُ إلى حيث أنا الآن".

•••
مطهر الخضمي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English