نصف قرن من وجع عايش

بدأ حياته مظليًّا في زمن الحمدي لينتهى به الحال عامل نظافة
نجيب الكمالي
February 28, 2021

نصف قرن من وجع عايش

بدأ حياته مظليًّا في زمن الحمدي لينتهى به الحال عامل نظافة
نجيب الكمالي
February 28, 2021

سنوات وهو يأتي إلى هذا الحي المتاخم للشارع الرئيسي في العاصمة صنعاء، ليباشر مهامه المعتادة، المئات يمرون من جواره كل صباح دون أن يستفزهم منظر رجل سبعيني وهو منكب بجسده النحيل المتهالك ينظف الشارع من الأوساخ والمخلفات المتراكمة، ملّاك المحال التجارية والمرافق المطلة على الشارع لا يعرفون عنه سوى أنه "عايش"، عايش وكفى!

الطيبون منهم يرمقونه بتحية صباح جافة وباردة كبرودة صنعاء أيام الشتاء، القليلون منهم يتعاطفون معه كرجل عجوز اعتادوا رؤيته كل صباح ينظف أمام محلاتهم، يفتقدونه حين يغيبه المرض، ليرسل صندوق النظافة اثنين من عماله الشباب لتغطية مكان عايش، لكنهم بحسب أحمد البعداني، صاحب صالون حلاقة، لا يقومون بما يقوم به الرجل الكهل عايش.

الجميع يجهل أية قصة وأي وجع يخفيه هذا الرجل السبعيني وراء ظهره وذاكرته المنهكة، إذ يصارع عايش كل معطيات الموت اليومية ليظل يكابد فصول يوم جديد.

لواء المظلات

عاد عايش إلى الشارع الذي اعتاد تنظيفه منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن بعد إصابته بجلطة خفيفة أقعدته الفراش قرابة شهر.

كان منهمكًا ويعمل بشغف كبير حين التقيناه هذه المرة، بعكس المرة السابقة التي جمعتنا به على عجل حين كان منهكًا ليختفي بعدها ويصلنا خبر مرضه من صاحب أحد المحال في ذات الشارع، لم يكن يعرف أين يسكن عايش، فقط قال لنا أنه عرف بمرضه من مشرف النظافة في الشارع، لا يملك عايش موبايلًا يربطه بالعالم الخارجي، فقط مكنسة يدوية يتوكأ عليها كل صباح لينظف الشارع.

بعد جهد شاق تحدث عايش لـ"خيوط"، باقتضاب فيما كان التعب الذي داهم سمعه مؤخرًا حائلًا بينه وبين سماعنا بوضوح.

قال عايش، أنه قدم إلى صنعاء مطلع سنة 1973، قادمًا من مدينة الحديدة التي كان يعمل فيها آنذاك عاملًا في أحد المطاعم، صادف قدومه إلى صنعاء بدء حملة تجنيد شاملة، فكان أن ذهب بصحبة رفاقه، لينضم إلى سلك الجيش وهناك كان التحاقه بلواء المظلات.

يتنهد عايش وهو يتذكر تلك الحقبة الزمنية الذهبية، فيما تعلو وجهه ابتسامة شاحبة، راويًا لـ"خيوط" ذكرياته" تعسكرنا أيام الحمدي - الله يرحمه- ومن بعده ما حصلنا خير".

ظل عايش جنديًّا طيلة عقدين ونصف من عمره العسكري في سلك الجيش لواء المظلات، ليحال بعدها إلى التقاعد دون أية حقوق سوى راتبٍ تقاعديٍّ، لا يفي بأبسط متطلبات أسرته المكونة من خمسة أفراد

يتذكر عايش قائد كتيبته وقائد لوائه آنذاك، يقول، إن لواء المظلات استقر في مأرب، وقد تعاقب عليه عدد من القادة، لكن عايش ظل جنديًّا طيلة عقدين ونصف من عمره العسكري في سلك الجيش لواء المظلات، ليحال بعدها إلى التقاعد دون أية حقوق سوى راتب تقاعدي لا يفي بأبسط متطلبات أسرته المكونة من خمسة أفراد.

وحين بلغ عايش الخمسينيات من عمره، لم يجد مكانًا يحتضنه غير الشارع، ملاذ البسطاء والمتعبين أمثاله في هذا الوطن المثخن بالجراح.

هبوط اضطراري

كان التحاق عايش بصندوق النظافة في عهد أمين العاصمة آنذاك، أحمد الكحلاني في التسعينيات وإلى اليوم يواصل عايش مشوار حياته الكفاحي بالأجر اليومي وراتبًا شهريًّا لا يتعدى 50 دولارًا، في الشهر ما يعادل 28000 ألف ريال، يدفع أكثر من ثلثيه إيجار لمسكنه الشعبي البعيد.

كيف لرجل ولج عقده الخامس من العمر وهو يحلق في الأرجاء أن يتقبل فكرة الهبوط الاضطراري ليواصل ثلث عمره عامل نظافة في الأحياء!

العام الماضي كانت كورونا الزائر القاتل الذي قيل إنه جاء خصيصًا ليحصد أرواح كبار السن دون استئذان، حينها كان عايش يواصل مشوار حياته المعتاد ليخرج كل صباح، ينظف الأحياء بجسد هزيل وصدر ملتهب "التهاب مزمن"، كل صباح كان يقف وجهًا لوجه مع شبح الموت الكوروني الذي كان مهيئًا له كل الأسباب لينال من حياة عايش، حينها أصبح الشارع مهجورًا، التزم الناس بيوتهم أغلب الأوقات، فيما كان آخرون يرتادون الشارع ممنطقين بكمامات وأغطية واقية تقيهم شر كورونا، كان عايش وقتها يخرج ببزته الزرقاء وجسد شاحب، وصدر متعب، لا وسائل سلامة تقي جسده السبعيني، الذي ارتضى بما كتبه له القدر قبل عقدين ونيف، في لحظة غيرت مجرى حياته كليًّا ونقلته من التحليق في الأجواء إلى التحليق في الأحياء.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English