الدكتور أحمد الصيّاد وكتابه المرجعي

قراءة في كتاب "السلطة والمعارضة في اليمن"
عبدالباري طاهر
October 20, 2021

الدكتور أحمد الصيّاد وكتابه المرجعي

قراءة في كتاب "السلطة والمعارضة في اليمن"
عبدالباري طاهر
October 20, 2021

يقع الكتاب الكبير نسبيًّا في 518 صفحة، قطع متوسط، ويشتمل على قسمين؛ يتناول القسم الأول: لمحة تاريخية وجغرافية، وأربعة فصول تبحث السلطة والمعارضة في ظل الإمامة والاستعمار البريطاني في الجنوب، أما القسم الثاني، فمكرس للسلطة والمعارضة بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.

في صدارة الكتاب تنبيه إلى مضي أحد عشر عامًا على العمل في الكتاب، حدث خلالها -كما يشير الكاتب- تبدلات في الأوضاع، وتغيرات في الأفكار، وتوحّد الوطن، وسادت رؤى وأفكار مختلفة، داعيًا للاعتبار بالماضي، والانطلاق منه.

أما المقدمة، فتتحدث عن العزلة التي فرضتها الإمامة والاستعمار؛ فقد حافظت بريطانيا على أوضاع المحميات كما هي، تاركةً للسلاطين الحفاظ على أوضاع المناطق، على حالها دون أي تطوير أو تحديث. أما الإمامة، فجمعت بين يديها السلطتين: الدينية، والدنيوية، وخضعت لبريطانيا. ورغم العزلة، فقد نشأت حركة معارضة وطنية للسلطتين، تُوِّجت أخيرًا بثورة الـ26 من سبتمبر 1962، ويربط المؤلف بين الكفاح اليمني ضد الرجعية في الشمال، وضد الاستعمار في الجنوب، وبين المراحل المختلفة في الثورتين.

انتصر الكفاح المسلح في الجنوب؛ أما في الشمال، فقد انتصر الحل السياسي، وهو حل يجهل الكثيرون طبيعته وأطرافه. ويرى -محقًّا- أنه حلّ مفروض، ويتناول انقلاب الـ5 من نوفمبر 1967، وحركة 13 يونيو 1974، بقيادة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. لا يعتبر الكاتب الحركة انقطاعًا عما سبقها، مؤكدًا على وحدة الحركة الوطنية، وترابطها، ويشير إلى الأزمات في حركات التحرر الوطني، ومحاولات الجبهة القومية خلق نظام سياسي مغاير، وقد تمكنت من ذلك بعد كفاح مرير.

يطرح الأسئلة المهمة: إعطاء تعريف محدد عن مادة بحثه، وعدم إمكانية تغطية كل جوانب البحث، وتحديد أطراف التحالف، والطبقة أو الفئة المسيطرة، وقيادة جهاز الدولة، وأساليب السيطرة، ونمط الإدارة، وصيغ المعارضة السياسية، ووضع الفرد، وثانيًا، عدم تجاوز العلاقة بين القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية، ويعطي الاهتمام في مبحثه العلمي لنمط الإنتاج، وتأثيره العام على الحياة كلها.

في القسم الأول: يتناول السلطة والمعارضة في الشمال والجنوب في لمحة تاريخية وجغرافية.

في الفصل الأول: يقرأ التركيب الاقتصادي والاجتماعي، وأثر البنية الفوقية في الحياة السياسية، وقراءته تتسم بالاجتهاد والنقد للقراءة "الستاتيكية" للمراحل الخمس التي مرت بها البشرية، وهي -كما يرى- تعبير عن حالة جمود، وضد الفكر الماركسي، (وقد اعتبرها الدكتور أبوبكر السقاف في سياق المركزية الأوروبية، ورسائل ماركس وإنجلز، تنتقد التعميم، وتعترف بخصوصية الشرق، ونمط الإنتاج الآسيوي، وهو ما يتناوله الباحث بتوسع). [الكاتب].

في الفصل الأول: يقرأ الباحث الطبقات الاجتماعية والفئات، ويضع جدولًا لليد العاملة في الجنوب للعام 1977، مستنتجًا ضعف العمالة، كما يرسم جدولًا للتعليم في صفوف البدو الرحل.

 في المبحث الثاني: يتناول أثر البُنى الفوقية في الحياة السياسية، فيدرس الدين، والطوائف الدينية، ودور الدين في الحياة السياسية والقبلية، ويتناول التعليم، وعدد الطلاب في المراحل المختلفة في الشمال والجنوب، ودور السعودية في أسلمة التعليم، ومحاربة المواد العلمية والثقافية والفنية، مدعّمًا بجدول عن التعليم في الشطر الجنوبي من الفترة 76-1977. وفي الفصل الثاني: يدرس السلطة الإمامية: أصلها، طبيعتها، وسياساتها.

يكرس المؤلف الفصل الرابع للمعارضة تحت ظل النظام الإمامي في الشمال، والاستعمار البريطاني في الجنوب، وولادة الاتجاهات القومية العربية، والماركسية، والاتجاهات السياسية المختلفة.

في المبحث الأول: يتناول ظهور الزيدية، ممهّدًا للبحث بانهيار الكيان اليمني، ومرحلة ظهور الإسلام، وإمامة عليّ، وبروز ثلاثة أحزاب: الشيعة، والأُمويين، والخوارج. ويناقش في المبحث الثاني: مفهوم السلطة في الإسلام، ومفهوم الزيدية للسلطة، والسمات العامة للسلطة في الإسلام، ونظريات السلطة عند السنّة، وصفات الخليفة، واختصاصاته، ونظرية السلطة عند الشيعة، والدليل العقلي، وشخصية الإمام، وطريقة تعيينه، ومركز الإمام وحدود سلطته. كما يتناول مبدأ "الخروج"، (وهو موروث من خروج الإمام زيد، وهو أيضًا إرث قبلي جسّده الخوارج، وكانت تطبيقاته في اليمن ذات الطبيعة القبلية مدمرة، وبمقدار ما كان الخروج سببًا في حروب وصراعات دموية في القرنين الأولين، بمقدار ما كان مأساة للأئمة الداعين للخروج، وقد قتل أفضل أئمة الفرق الداعية إليه؛ ما أدى إلى تغييب الإمام الغائب حتى اليوم، وليس الإمام الخميني إلا نائبًا للإمام المنتظر كرمز لولاية الفقيه. أما السنّة- الطائفة الأكبر، فقد تعرض أئمة المذاهب للأذى؛ حيث سُجن بعضهم، وضرب البعض الآخر، وعُذّب آخرون أو قُتلوا، وشهدت بلدانهم حروب المتغلبين. وتحت وطأة الفتن المتناسلة، أقروا بمبدأ الطاعة والولاء؛ "فمن قويت شوكته، وجبت طاعته". وقالوا: "إمام غشوم، ولا فتنة تدوم". وقالت المالكية: "من تزوج أمّنا، فهو عمّنا". أما ابن تيمية فأفتى بجور إمام لستين سنة خير من بقاء ليلة بدون إمام. وأفتى فقهاء السنّة بعدم جواز الخروج إلا أن تروا كفرًا بواحًا، وكان الحنابلة أكثر تشددًا في وجوب الطاعة). [الكاتب]. كما يكرس المبحث لقيام المتوكلّية اليمنية، وصراع المنصور وابنه يحيى مع الأتراك في مرحلتهم الأخيرة إبان الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ويدرس أثر البنية الجغرافية في انتشار الإمامة الزيدية، وبقائها كواحد من أهم العوامل، ويدرس سياسة النظام الإمامي، آتيًا على ظهور المعارضة السياسية، وقيام 1948، وفترة حكم الإمام أحمد.

أما الفصل الثالث، فيتناول طبيعة السلطة في الجنوب تحت الاحتلال البريطاني، وسياسات الاستعمار في الجنوب: 

  1. السياسة الاستعمارية في الجنوب: يركز في هذا الفصل على التفاوت الكبير بين المدينة عدن، والريف، ومحاولات بريطانيا إقامة اتحاد فدرالي بين عدن والمحميات.
  2. السلطة الاستعمارية والسلطة الإقطاعية: تحت هذا العنوان يتناول ربط عدن بحكومة بومباي، ولم يتغير هذا النهج إلا عام 1937، عندما اعترفت بريطانيا بعروبة عدن، وارتباطها بسكانها، والبدء بتكوين أول وحدة عسكرية لقمع التمردات الجنوبية، ومواجهة جيش الإمام، وبقاء الوضع السلاطيني والقبَلي كما هو.

 وفي المبحث الثاني: يتناول الوضع الدستوري والتشريعي، والوضع الخاص بمستعمرة عدن، ويدرس السلطة التنفيذية، ومراحل تشكيلها، ويقرأ الدستور، كما يتناول السلطة التشريعية، وقد دار صراع من حول المجلس التنفيذي، والمجالس التشريعية، وكانت البداية للصراع بين القوى الوطنية، والإدارة الاستعمارية.

وينتقد الباحث المكائد الاستعمارية المفرّقة بين عدن والمحميات، وبين أبناء اليمن الوافدين من المحافظات الشمالية، كما يدرس منتقدًا في المبحث الثالث، "اتحاد الجنوب العربي"، الذي رأى فيه الاستعمار أداة الاستمرار في مواجهة رياح التحرر الوطني التي تجتاح القارات الثلاث، كما يقرأ مؤسسات الاتحاد.

ويكرس الفصل الرابع للمعارضة تحت ظل النظام الإمامي في الشمال، والاستعمار البريطاني في الجنوب، وولادة الاتجاهات القومية العربية، والماركسية، والاتجاهات السياسية المختلفة، والإخوان المسلمين، والمعارضة التقليدية، كما يدرس الحركة النقابية العمالية.

مؤلَّف الدكتور أحمد الصياد –رحمه الله- من المراجع العلمية الموضوعية والمهمة.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English