من وحي "الأنات والنبوءات"

الزعيم الأكبر.. المظلوم الأكبر!
عبدالرحمن بجاش
November 21, 2021

من وحي "الأنات والنبوءات"

الزعيم الأكبر.. المظلوم الأكبر!
عبدالرحمن بجاش
November 21, 2021
Photo by: Abdulrahman Alghabri - © Khuyut

لم يتحمل أحد مثلما تحمل النعمان هذا الواقع بجهله وتخلفه، والتباس علاقة النخب ببعضها، وبُعد الأحكام عن مقصودها، وبُعد المثقف عن واقع وقف ذات يوم في وجه التعليم جهلًا منه، فأدرك النعمان وحده -كزعيم سياسي- أن البداية تكمن هناك؛ بينما مجايليه تشبثوا بفكرة "نبعد الإمام، وبعدا بعدا"، وهي نظرة حكمت الثوار في الوطن العربي معظمِه، فوجدوا أنفسهم لا يدرون ما هي الخطوة التالية، فلجؤُوا إلى كتب تصلح مجتمعات أخرى، ولم يفتحوا كتاب الواقع، الذي أدرك ضرورة فتحه من الصفحة الأولى النعمانُ وحده؛ ولذلك تألب عليه القديم والحديث، إذا صح التعبير؛ القديم اتهمه بالطائفية، والجديد خوّنه واتهمه بالعمالة للإمبريالية كرجعي مدقع في الرجعية، وهذا هو السبب الذي أدى بمعظم الثورات العربية إلى لا شيء، وإلى اليوم.

أدرك النعمان أن هذه البلاد بزعاماتها لا تملك تجربة؛ لأن لا تراكم معرفي في كل مناشط الحياة، ولذلك خاطب الإرياني بضرورة الاستفادة من الغير، وإفساح المجال رويدًا رويدًا حتى لا يجمح الحصان ويجتث كل ما أمامه، وهذا ما حصل.

نجحت الثورة ولم يدرِ الثوار ما هي الخطوة الأولى، وعندما التفتوا إلى الوراء اعتبروا أن الماضي كله سيئ ومحبط، حتى أحرار 48.

انتفضت المنطقة كلها لنجاح ثورة 26 سبتمبر 62، وتخيلت أنها ستكتسح أنظمتها، وهو ما ارتاح له الثوار، فلم يسألوا أنفسهم: ماذا بعد؟!

إن رسالة النعمان لعبدالرقيب عبدالوهاب رؤية كاملة لوحدها، لم يأخذ بها الشباب، وأن رسالته للإرياني من المخا رؤية للدولة لم يأخذ بها الزملاء؛ رسالة عظيمة تحكي الواقع كله، ليأتي من يصغرها إلى مجرد اتهام للنعمان أنه: "لم يبنِ مستشفى أو مدرسة لأصحاب المخا"؛ بينما كان الرجل يتحدث عن اليمن كلها!

وحده النعمان كان يدرك الحقيقة المرة، وهي أن الإقليم يعج بالمال مقابل بلد خرج من القرون الوسطى لتوه ولم يدرِ إلى أين يتجه!

قالها النعمان ذات مرة، إن "الثورة التي لا تحدد لها هدفًا، تتحول إلى كارثة"، كانت ولا تزال هناك أهداف ستة بعد اختصارها، لكن غياب الرؤية والهدف حولها إلى يافطة على أركان الصفحات الأولى للصحف، ذلك لا يقلل من عظمة الثورة وبعدها ثورة 14 أكتوبر63، لكنه كشف فيما بعد أن كل ثائر في واد لوحده! ربما لأن جلهم تعاملوا مع الأمر العظيم على أنه فقط تخلص من الإمام، "وبعدها لنرَ ما نفعل"! وهذا لا يجوز في الثورات.

كان النعمان ببصيرته، يدرك أن العبء الإقليمي أثقل من عبء الداخل؛ فراح يقول وينصح ويحاول، فلم يجد أذنًا تصغي، كانت مصر -على عظمة دورها- قد تركت أمر التعامل مع الثوار للأجهزة البيروقراطية، وكان جمال عبدالناصر يخوض معاركه العظيمة في كل الاتجاهات، لذلك ترى أنور السادات يقول لمحمود السعدني في مطار صنعاء: "إذا فهمت حاجة من الذي يدور هنا كلمني".

تنبه النعمان مبكرًا من خلال الأنّة الأولى وما بعدها من أنات ونبوءات، إلى عظم الكارثة التي يعيشها إنسان هذه البلاد، ولو كان للثوار رأي ورؤية وكانوا حولوا الأنة وما تبعها من أنات إلى نقطة بداية منها يصلون إلى مشروع للثورة، لكان الحال تغير، ولَمَا عدنا الآن إلى نقطة الصفر، لكنهم أخذوا موقفًا من الصانع الأول لحركة الأحرار بوحي حكاية أصحاب "مطلع ومنزل"، ليتوهوا في سمارة ولا يجدون منفذًا آخر للمرور من وإلى صنعاء، ولسوء التقدير تحول هذا البلد، بكل آلامه وأحلامه، إلى صنعاء وتعز، حوله من نظر إلى الثورة على أنها "ذهب الإمام؛ كلنا أئمة"! وحتى بعد فشل 48، نظروا من خلال هذا الفشل، إلى النعمان على أنه مجرد "طائفي يريد أن يفصلها من سمارة ومنزل"! ما اضطره -وقد اقترح أن يبقى بعض الثوار في عدن اتقاء لما بعد الفشل- اضطر أن يذهب معهم، وحصل ما حصل وتحمل الرجل ما تحمل!

لا تعمى الأبصار بل تعمى البصائر، فقد ظل النعمان يصرخ في البرية، لا زملاء النضال فهموه، ولا الثوار أدركوا، ولا التقدميون تقدموا ولا الرجعيون رجعوا، حسب حكاية محمد سعيد جرادة، ومحمود الحاج، وفضل النقيب!

إن رسالة النعمان لعبدالرقيب عبدالوهاب رؤية كاملة لوحدها لم يأخذ بها الشباب، وإن رسالته للإرياني من المخا رؤية للدولة لم يأخذ بها الزملاء، رسالة عظيمة تحكي الواقع كله، ليأتي من يصغرها إلى مجرد اتهام للنعمان أنه: "لم يبنِ مستشفى أو مدرسة لأصحاب المخا"؛ بينما كان الرجل يتحدث عن اليمن كلها!

قالها النعمان للإرياني: "لم نناضل من أجل أن نحكم، بل من أجل التغيير، فإذا لم، فلنعطِ الجيل الجديد الفرصة ليحكم ونقف قريبين بالنصح والمشورة، ولنستفِد من تجارب العالم، فليس في ذلك عيب"، كان يصرخ ويعود إليه صوته!

وعندما ناضل بكل قوة من أجل الدستور وخرج إلى النور، عمل الزملاء على إزاحته؛ لأن لا أحد يريد ديمقراطية النعمان التي أدت بمحمد النعمان إلى تقديم استقالته لمجرد أن أباه اختِير عضوًا في المجلس الجمهوري، لم يلتقط أحد الخيط؛ لأن لا أحد كان يدرك! كان الثوار مشغولين بكونهم يريدون أن يتحولوا إلى أئمة جمهوريين!

والآن...

لا يزال النعمان متاحًا لمن يريد أن يعيد القراءة، فقط الأمر يحتاج إلى شجاعة وشجعان.


•••
عبدالرحمن بجاش

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English