الغلاء يخنق موائد رمضان في عدن

أُسَر كثيرة لم تتمكّن من شراء احتياجاتها
ناصر الزيدي
March 25, 2024

الغلاء يخنق موائد رمضان في عدن

أُسَر كثيرة لم تتمكّن من شراء احتياجاتها
ناصر الزيدي
March 25, 2024

"أجبرنا الغلاء الفاحش في الأسعار، على شراء جزءٍ بسيط من الاحتياجات الخاصة بشهر رمضان، للمرة الأولى"؛ بهذه الكلمات التي تحمل في طياتها معاناةً مؤرقةً للكثير من الأُسَر المتعففة بعدن، تفتتح فاطمة خالد، وهي أمٌّ لأربعة أطفال (ولد وثلاث بنات)، حديثها لـ"خيوط"، جراء ما أحدثه ارتفاع أسعار مختلف السلع، وعلى وجه الخصوص المواد الغذائية واحتياجات شهر رمضان، في ظلّ وضعٍ معيشيّ قاسٍ.

تقول فاطمة، إنّها ذهبت هي وزوجها الذي يعمل بالأجر اليومي سائقَ باص أجرة "دبّاب"، إلى أحد الأسواق في مدينة كريتر بمحافظة عدن (جنوب البلاد)، لشراء مستلزمات شهر رمضان، لتُفاجَأ بالغلاء الجنوني في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية؛ ما دفعهم لشراء جزء بسيط من المستلزمات، لافتقارهم للمال الكافي لتوفير كل الاحتياجات الخاصة بشهر رمضان.

وتؤكد فاطمة أنّ رمضان هذا العام، تضاعفت فيه الأسعار بشكلٍ كبير، حيث باتوا غير قادرين على شراء المواد الغذائية الأساسية، مثل: الأرز، والدقيق، والسُّكر، والزيت، وغيرها من السلع الأساسية، إضافةً إلى العصائر والمشروبات ومستلزمات الأكلات العدنية الأخرى التي لا بد من توافرها؛ وذلك نظرًا للظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يُمرّون بها في الوضع الراهن، وسط صمت حكومي مُريب حيال ما يحدث في عدن والمناطق المجاورة لها، من غلاء فاحش.

غلاء مضاعف 

يقول الكاتب الصحفي المعروف عبدالرحمن أنيس، في تصريح لـ"خيوط"، إنّ "غلاء الأسعار في عدن موسم في كل رمضان، وغالبًا بعض التجار يتنافسون في رفع الأسعار للأسف الشديد، مستغلين إقبال الناس على السلع، والمواد الغذائية تحديدًا".

مدينة عدن باتت في شهر رمضان كئيبة وعديمة الحركة، نتيجة ضعف الحركة الشرائية في الأسواق التي كانت تشهد زحامًا شديدًا في مثل هذه الأيام، ويحرص سكانها على التزود بكافة احتياجاتهم التموينية لهذا الشهر.

لكن هذا العام -يستدرك أنيس- يأتي الغلاء مضاعفًا أضاعفًا كثيرة؛ نتيجة ارتفاع أسعار الصرف مقابل العملة المحلية، وتدني دخل الفرد إلى درجة أصبح الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 10 دولارات، بعد أن كان يتجاوز المئة الدولار قبل حرب 2015".

يضيف: "رُبَّما الأسعار في اليمن هي أرخص من الأسعار في مختلف الدول العربية، لكن دخل الفرد اليمني ضعيف جدًّا، وزاد في ضعفه حالة الانهيار للريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وبفعل الحرب الدائرة منذُ تسعة أعوام، ومنع تصدير النفط الخام مؤخرًا".

وتشهد عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليًّا، تدهورًا واضطرابًا متواصلًا في العملية المحلية، مع تجاوز سعر صرف الريال خلال الأيام القليلة الماضية، أكثر من 1600 ريال للدولار الواحد، إذ ينعكس ذلك على الأسواق وأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، في ظلِّ وضع معيشيّ متردٍّ يعاني منه غالبية السكان. 

بدورها تؤكّد الإعلامية ريم الفضلي، لـ"خيوط"، أنه "منذُ 9 سنوات وحال الناس كارثيّ ومن سيّئ إلى أسوأ"، موضحة أنّ "التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وعدم وجود حلول جذرية له، زاد من معاناتهم".

وتقول الفضلي: "أسر كثيرة لم تتمكن من تلبية احتياجاتها لشهر رمضان، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنها لم تستطع حتى توفير احتياجاتها اليومية المعتادة، مثل: الخضار والحبوب وغيرها، بسبب الغلاء المتزايد في الأسعار التي تشهدها الأسواق في هذا الوقت من السنة".

مدينة كئيبة وعديمة الحركة

بحسب تقرير صادر مؤخرًا عن البنك الدولي؛ لا تزال أسعار المواد الغذائية التي قفزت بشدة، تؤثّر بشكلٍ كبير على الاقتصاد اليمني، وخاصة على أزمة الغذاء المتفاقمة؛ وذلك بالنظر إلى أنّ البلاد مستورد صافٍ للمواد الغذائية.

إلى ذلك، يقول الأكاديمي بجامعة عدن، الدكتور الخضر عبدالله، لـ"خيوط"، إنّ "مدينة عدن باتت في شهر رمضان كئيبة وعديمة الحركة، نتيجة ضعف الحركة الشرائية في الأسواق التي كانت تشهد زحامًا شديدًا في مثل هذه الأيام، ويحرص سكانها على التزود بكافة احتياجاتهم التموينية لهذا الشهر".

يضيف عبدالله: "يشكو اليوم السواد الأعظم من الناس، ظروفَ معيشةٍ صعبة، تعاني منها الأسر العدنية، حيث أصبح الغلاء يحاصرها من كل اتجاه؛ بسبب انهيار العملة المحلية، ووضع البلاد عمومًا"، مشيرًا إلى أنّ "هذه الأوضاع القاسية لا حلّ لها سوى عودة السلام في كل أرجاء اليمن، ولا فرح حقيقي في أي شهر إلا بانتهاء الصراعات، وتحسين أوضاع الناس المعيشية".

يبيّن البنك الدولي أنّ ارتفاع الأسعار أثّر سلبًا على الميزان الخارجي، والتضخم، والاحتياطيات الدولية التي تقدر حاليًّا بما لا يزيد على شهر من الواردات. ومما يزيد الأمر سوءًا، أنّ هذه الديناميكيات تسبّبت في تفاقم أزمة الغذاء الحادّة. علاوة على ذلك، تسبّبت الحرب في أوكرانيا في زيادة أخرى، في أسعار الواردات الحيوية.

ويؤكّد مواطنون وناشطون، أنّ هناك تزايُدًا مُستمرًّا في أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني، حيث أصبحت الكثير من الأسر غير قادرة على شراء أساسيات الطعام؛ بسبب ارتفاع الأسعار الذي خلقه انهيار العملة، وهذا بدوره يعرّض الكثير من الأسر للفقر والجوع والمعاناة.

إضافة إلى أنّ حياة الكثير من الأُسر في عدن خلال شهر رمضان، وفق الناشطة عهد ياسين، تغيّرت كثيرًا إلى ما هو أسوأ، في ظل عجزها عن شراء أبسط الاحتياجات الأساسية (الأكل والشرب). في حين يرى ماهر البرشاء، أنّ غلاء الأسعار مع تدهور سعر صرف العملة، يأتي في ظلّ انقطاع متواصل لمرتبات أغلب المواطنين، وعليه يفترض أن تقوم الحكومة بدورها الصحيح تجاه مرتبات الموظفين، وتعمل على تشكيل لجنة للنزول إلى الأسواق لضبط الأسعار؛ لأنّ الغلاء أثقلَ كاهل المواطنين.

من جهته، يرى الإعلامي محمد المعمري، في حديثه لـ"خيوط"، أنه "من المؤلم أن يحلّ شهر رمضان وأبناء عدن يعيشون أزمات مختلفة، خصوصًا أزمة الغلاء الفاحش التي تعصف بالمدينة، وتكاد تجعلها مدينةً يسودها الظلام والكآبة"، لافتًا إلى أنّ "الكثير من الأُسَر العدنية تخلّت عن الكثير من الأشياء الكمالية منذُ سنوات؛ نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، وفي ظل تأخر صرف المرتبات الشهرية".

استخفاف بمعاناة المواطن

تشير تقارير اقتصادية إلى بعض التحديات التي تواجهها الحكومة المعترف بها دوليًّا، مثل: تقلبات أسعار العملة، وارتفاع التضخم، وتراجع أداء القطاعات الاقتصادي، إضافة إلى الضغوط على المالية العامة، في حين هناك تباين كبير بين مناطق اليمن، في تضخم أسعار المستهلكين، بينما ظلت الأسعار في عدن مرتفعة بسبب انخفاض قيمة العملة.

الصحفي صديق الطيار -بدوره- يعبر عن استهجانه لصمت الحكومة إزاء ما يحدث من غلاء في أسعار كل متطلبات الحياة في عدن وبقية المحافظات، وتحدّثَ بسخط عن الإجراءات الحكومية غير المجدية، التي تقول الحكومة إنّها لتخفيف الغلاء عن المواطن، متمثلةً في المعارض الرمضانية للمواد الغذائية التي تنظّمها المؤسسة الاقتصادية اليمنية التابعة لوزارة الدفاع.

يتابع: "تُصِرّ المؤسسة الاقتصادية قُبيل كل رمضان من كل عام، على التلاعب بمشاعر المواطن المسكين؛ بأن تذكر أنّ لديها أسعارًا مخفَّضة في قيمة المواد الغذائية الأساسية في المعارض التي تقيمها سنويًّا، لكن يُفاجَأ المواطن بأن الفارق في سعر المواد الغذائية التي تعرضها المؤسسة وبين سعرها في المحال التجارية الأخرى يسير جدًّا لا يتجاوز الـ1000 أو 1500 ريال في حده الأقصى، سواء في قيمة الدقيق أو الأرز أو السكر أو الزيت، كون هذه المواد الغذائية أساس متطلبات المواطن في رمضان أو غيره".

إضافة إلى أنّ المواطن المسكين الذي تطحنه الأزمة الاقتصادية -بحسب الطيار- لا يبحث عن فارق ألف ريال في سعر السلعة؛ المواطن يبحث عن تخفيض يصل على الأقل إلى نسبة 40%، ليكون ما تقوم به الحكومة يستحق الإشادة، مؤكِّدًا أنّ "المواد الغذائية الأساسية هي كل ما بات المواطن يبحث عن تأمينه ليبقى هو وأطفاله وأفراد أسرته على قيد الحياة، في ظل هذا الوضع المعيشي القاسي، الذي هو نتاج طبيعي لفشل الحكومة في وقف انهيار العملة المحلية".

وتحدث الصحفي الطيار عن جشع التجار في شهر رمضان، حيث قال: "للأسف الشديد جشع التجار فاقم من مأساة المواطن البسيط، خاصة في شهر رمضان الذي يستغله التجار موسمًا للكسب دون مراعاةٍ لظروف الناس القاسية".

•••
ناصر الزيدي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English