مقاهي طائر مالك الحزين

عن فتيان الريف القادمين إلى المدينة
سمير عبدالفتاح
May 12, 2020

مقاهي طائر مالك الحزين

عن فتيان الريف القادمين إلى المدينة
سمير عبدالفتاح
May 12, 2020

   عُمّال المقاهي الشعبية، القادمون من الأرياف، يفاجئونك دائماً؛ يرتكزون بخفةٍ على ساقٍ واحدةٍ، وينظرون حولهم ببراءةٍ، وهم يحاولون استيعابَ الحياة في المدينة، والاندماجَ بما يكفي لتسيير أمورهم في المدينة الضاجّة بكل شيء.

   تجِدُهم يرتكزون على ساقٍ واحدةٍ، ويُريحون الجزءَ الأعلى من جسدهم على عمودٍ أو جدارٍ، ويقلّبون نظراتِهم على كل شيءٍ حوْلَهم: الزبائن الجالسين والقادمين والمغادرين، عمالِ المقهى الآخرين، العابرين من أمام المقهى، المحلاتِ المجاورة، بدايةِ تفرُّع الشارع. قوةُ عيونهم لا تزال قويةً، ولم تُضعفْها المدينةُ بعدُ، يراقبون الوجوهَ والتفاصيلَ والألوانَ، ويحاولون الإمساكَ بِلُغة المكان، وتكوينَ ذاكرةٍ لهم ليحْكُوها عند عودتهم إلى قُراهم.

   يتضايقون من الحيّز الضيّق الذي يعملون داخله، لاعتيادهم على فضاءٍ واسعٍ وحركةٍ دائبةٍ في قُراهم؛ لكنهم يستعيضون عن هذا برفع إحدى أقدامهم كأنهم يمشون، ويتابعون ما يتحرك حولهم كأنهم يتحركون معه، يحاولون فهمَ العالم الجديد الذي أصبحوا داخل قوانينه، ويبحثون عن أفضل طريقةٍ للانغماس فيه؛ لكنهم يتقدمون ببطءٍ، بسبب براءتهم، وبسبب لهجاتهم التي تحتاج لوقتٍ قبل أن تُهجَّنَ بِلهْجة المكان الجديد وتتشذّب كلماتُهم القروية.  

   أعمارهم تبدأ من الثانية عشرة وتتدرّج حتى تقترب من العشرين. قدِموا المدينةَ بحثاً عن عملٍ يعُول أُسَرَهم في القرى، التي لا تعرف إن كانت مشكلتُها في الجفاف وانقطاع المطر، أم في عدم كفاية المحاصيل الزراعية بسبب غزارة الخصوبة والإنجاب، أم بسبب عدم وجود مشاريع وفرص عملٍ تستوعب تلك العمالة القروية. ما يعرفونه أن بقاءهم في تلك القرى مزيدٌ من الجوع لهم وعبءٌ إضافيٌّ على أهاليهم، فيحمِلون قطعةً إضافيةً أو قطعتين من الملابس، ويتعلّقون وراء سيارةٍ تقودهم نحو متاهةٍ أخرى أكبر في المدينة.

   المقاهي خيارٌ أولٌ بالنسبة لهم؛ لأنها لا تتطلب مهاراتٍ أو عبئاً بدنياً. فقط، عليهم جمعُ الأكواب الفارغة وغسلُها، فكل ما يملكونه هو أعمارُهم الصغيرة وطاقةٌ للحركة والدوران، ومهاراتٌ في الرعي والزراعة لا تصلح للمدينة.

   قصصهم متشابهةٌ، طفولةٌ تنتهي مع بلوغهم العاشرة من أعمارهم ويُطلب منهم الانخراطُ في عالم الرجال. والكثير منهم يتوقفون عن الذهاب للدراسة؛ فالتعليم لم يعد خياراً متاحاً أمامهم. وحياة الطفولة أيضاً لا تتناسب مع ظروفهم الحياتية، وعليهم أن يتحولوا إلى رجال مسؤولين عن أهاليهم. مطلوبٌ منهم أن يساهموا في إطعام عائلاتهم؛ لكن فضاء قُراهم الواسع يضيق عليهم بخياراته المحدودة، ويتكفل الضوءُ المنبعث من المدينة بالباقي.

   يحملون كيساً، فيه ملابسُهم وقليلٌ من "الكعك" الناشف، ويستقلّون سيارةً باتجاه المدينة. لديهم عنوانُ مقهىً أو محلٍّ تجاريّ. والباقي، أن يتعايشوا مع المدينة بطريقتهم، أن يدّخروا الجزء الأكبر من الدخل الذي يحصلون عليه ليرسلوه لأهاليهم، والباقي لا يهم. عليهم وحدَهم التغلبُ على الصعاب التي تلقيها المدينةُ على كواهلهم الصغيرة.

عملُهم لا يحتاج لأي مهارةٍ؛ لكن بعضهم يخلُقونها بين الحين والآخر، بطريقة رصف الأكواب الزجاجية الفارغة فوق بعضها البعض، كعمودٍ من الزجاج، أو يحمِلون أكثر من ستة أكوابٍ بأصابعهم الخَمْسة، أو الإمساك بالكؤوس الساخنة جداً بأيديهم العارية

   يرتكزون على قدمٍ واحدةٍ، وربما فكّروا بالتحليق عالياً؛ لكن أصوات كؤوس الشاي، وثرثرات مرتادي المقاهي تُغلق فضاءَ السماء فوقهم، فيوزعون نظراتهم بين التحديق في الكراسي وتحت الطاولات، وبين لهب النار التي تغلي عليها قدور ماء الشاي والقهوة. وعندما يصِلُون للحد الأقصى من التحمل، يندفعون في مشاجرةٍ في ما بينهم يتخففون بها قليلاً من الثقل الذي لا يعرفون لماذا يشعرون به. مشاجراتٌ أحياناً يستخدمون فيها الأيدي والأقدام، وفي كثير من الأحيان السبابَ البذيءَ والكلماتِ النابيةَ، يتشاجرون مع رفقائهم في المقهى، ومع عمال المحلات المجاورة، وأحياناً مع المشرّدين الذين يُزعجون زبائن المقهى. لكن تلك المشاجرات تنتهي دوماً بابتساماتٍ واعتذارٍ ووعودٍ بعدم التكرار. لكنها تعود مرةً أخرى وأخرى، فالمدينة لا تحب الأبرياء المتسامحين.

   ضحكاتُهم هي الأجمل في المقهى؛ لكنهم يتخففون من الضحك مع كل يومٍ إضافيٍّ في المدينة. صيحاتُهم أيضاً تقل حِدّتُها قليلاً، وتنتظم ضمن حدود الضجيج الذي يميّز المدن. ضجيجٌ هادرٌ مستمرٌّ؛ لكنه ذو نغمة أقلّ حدةً وأكثر دوياً.

   وبين الحين والآخر، يشدّهم الحنين إلى أهليهم وقُراهم، فيغمضون أعينهم، فتنساب معالمُ قُراهم أمام وجوههم، ويشمّون الهواء الذي لم يتلوثْ بعدُ بدخان السيارات والمصانع؛ فقط، رائحة العشب، والتراب والأحجار. يرون الحيوانات التي كانوا يعتنون بها، ويسوقونها بين المراعي وبين بيوتهم، يسترجعون قصصهم مع الدجاج والبيض، وتفاصيلَ أصغر عن سكان قُراهم والقرى المجاورة. وعندما يفتحون أعينهم، يُخرجون الأوراق النقدية التي تحصّلوا عليها، ويحسبون المقدار الباقي المطلوب منهم إرسالُه إلى أهلهم كنفقات إعاشة، وينغمسون في جو المقهى وهم يجسّون على أسنانهم بقوة.

   بعضهم يعتبر وجوده في المقهى حُلُماً سرعان ما سينتهي، والبعض يعتقد أن حياته ستبدأ هنا، وستكون المدينةُ أبديةً له وتفتح له حُضنَها؛ لكن رائحة المدينة السوداء تتغلغل أكثر في أعماقهم وتزيد من ثقل حياتهم أكثر، تأخذ منهم أكثر مما تمنحهم. وخياراتُهم لا تمنحهم فرصةً للنفاذ إلى شيءٍ أفضل.

   يقِفون هناك دائماً على جوانب المقهى، وسرعان ما يستجيبون لأي إشارةٍ من مرتادي المقهى، يضعون كأس الشاي أو القهوة على الطاولات، أو يأخذون الأكواب الفارغة ويتراجعون ببطءٍ، منتظرين أي إشارةٍ إضافية. عملُهم لا يحتاج لأي مهارةٍ؛ لكن بعضهم يخلُقونها بين الحين والآخر، بطريقة رصف الأكواب الزجاجية الفارغة فوق بعضها البعض، كعمودٍ من الزجاج، أو يحمِلون أكثر من ستة أكوابٍ بأصابعهم الخَمْسة، أو الإمساك بالكؤوس الساخنة جداً بأيديهم العارية وتوصيلها إلى طاولات الزبائن.  

   أجسادهم نحيلةٌ، وعيونهم لامعةٌ، فيها سطوعُ المدينة وبَهْجةُ الريف، لكنها تبرد ببطءٍ، ويتلاشى لمعانُها بمرور الوقت. فقط، عندما يعودون لقضاء قليلٍ من الوقت في قُراهم، يعود اللمعانُ قليلاً؛ لكنه لا يشبه لمعانَ قدومهم الأول للمدينة. ومع عودتهم ينطفئون أكثر، وهم يحاولون التشبث بالوهج الذي ينبعث من المدينة.

وعندما يضيقون من كل ما حولهم، يرتكزون على قدمٍ واحدةٍ، ويُحَدّقون في العالم بصمت.

_______________________________________________

الصورة ل: مقهى في عدن 1959 - للمصورة الأمريكية فيفيان ماير

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English