الحضن البارد

.
جمال طه
March 24, 2020

الحضن البارد

.
جمال طه
March 24, 2020

  عدتُ إلى المنزل في الثامنةمساءً كعادتي -عادتي بعد الزواج طبعاً؛ فقبل ذلك كنتُ أعود في الثامنة صباحاً! أيَّ حياةٍ حيوانيةٍ كنتُ أعيشها قبل الزواج! هل أعجبك هذا السطر يا زوجتي؟ إنها تقرأ ما أكتبه الآن؛ وهذا الأمر يجعلني سعيداً، سعيداً للغاية!

  في طريق العودة إلى المنزل، توقفْتُ عند المخبز القريب من البيت. سلَّمتُ على العامل اللطيف الذي كان بمزاجٍ رائعٍ على غير عادته في هذا الوقت. قال لي، وهو يختار "الروتي الأفضل": "بسألك سؤال!".

أعرته انتباهي بعد أن كنت أحاول التنصت على تجمع أولياء الأمور في ركن الحارة أمام باب المخبز.

أكمل اختيار "حبات الروتي"، وأعطاني إياهن ثم قال: "احنا اليمنيين أيش اللي ينقصنا في هذه الحياة؟".

تسمّرتُ في مكاني وأنا أفكر فعلاً بالإجابة. كل الإجابات العادية لم ترق له. ومع كل إجابة أقولها يجيب ببرود: "غيرُه". أي: هاتِ إجابةً أخرى.

"حبات الروتي" بدأتْ تتحجّر داخل الكيس البلاستيكي. لذا حاولتُ قطعَ الطريق وإنهاءَ الحديث والمغادرة. لكن، وقبل أن أفعل ذلك، قال لي: أنا عندي الإجابة.

اللعنة! وما الذي تنتظره؟! أخبرني هيا!

ابتعدَ قليلاً عن الفرن بسبب الحرارة المرتفعة. تناول خرقةً ومسح بها العرق. رفع رأسه للسماء وقال: "ينقصنا الحضن الدافي". لم أجبه، انفجرنا من الضحك معاً. غادرتُ وأنا أتساءل إن كان يلزمه حضن دافئ حقاً. إنه يعيش وسط الفرن، والدفء متوفرٌ بكمياتٍ كبيرةٍ هنا، ما شاء الله. ربما عليه أن يبحث عن حضنٍ بارد! نحن –اليمنيين- بحاجة لحضن بارد. لكنَّ كلَّ من حولنا يسوقون لنا الجحيم، كل ما نحصل عليه أحضان حارقة.

ثم ماذا ستفعل به زوجته لو سمعت هذا الكلام!

لحظة! الآباء المجتمعون كانوا مستمرين في الحديث أثناء مروري من أمامهم بسرعة، سمعتُ أحدهم يتساءل: "طمّنونا.. هل وصلت كورونا الى إسرائيل؟". لا أعرف هل طمأنوه أم لا. كنت مستعجلاً بالعودة قبل أن تغلق زوجتي الباب.

•••
جمال طه
كاتب.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English