اليمن في متاهة الحرب وصراع الأجندات الإقليمية

قراءة في استنتاجات لجنة الخبراء الدوليين
أحمد عوضه
February 19, 2021

اليمن في متاهة الحرب وصراع الأجندات الإقليمية

قراءة في استنتاجات لجنة الخبراء الدوليين
أحمد عوضه
February 19, 2021
© Photo by: Hamza Mustafa

برهن تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي على حالة التشظي والتعقيد الذي آلت إليه اليمن خلال الفترة الماضية من عمر الحرب التي لا مؤشر على أنها ستضع أوزارها قريبًا، في ظل استمرار انقسام القوى المحلية إلى كيانات متنابذة، تتصدر واجهتها نخب سياسية ليست عند مستوى المسؤولية وجسامة التحدي المرحلي، ناهيك عن كونها لا تجد حرجًا في التربح الاقتصادي والاستثمار في أوجاع اليمنيين، والمساومة بمصيرهم مقابل تحقيق مكاسب أو امتيازات فئوية تشد أزرها أو توجهها قوى إقليمية لا تنفك تنفخ في جمر الأزمة. 

بالتالي كان من البديهي أن يأتي التقرير الأممي محرجًا لجميع أطراف الصراع في اليمن (الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا وجماعة أنصار الله (الحوثيين) والانتقالي الجنوبي والسعودية والإمارات وإيران) التي اتهمها بتقويض الاستقرار في اليمن، وخلق واقعٍ يحول دون تطبيق كامل لأهداف قرار مجلس الأمن 2216 بشأن اليمن، إلى جانب قيامها بـ"ارتكاب انتهاكات فظيعة" لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وبحسب التقرير فالجناة يفلتون من العقاب، ويعود ذلك إلى "انعدام سيادة القانون واختلال النظام القضائي".

تقرير لجنة الخبراء كان على رأس جدول أعمال جلسة مجلس الأمن المنعقدة أمس الخميس 18 فبراير/شباط بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، والمكرسة لبحث الأزمة اليمنية، والاستماع إلى الإحاطة التي سيقدمها مبعوث الأمم المتحدة لدى اليمن مارتن غريفث، والذي استعرض خلالها سير المباحثات التي أسفرت عنها تحركاته الدبلوماسية ولقاءاته الأخيرة مع الأطراف السياسية اليمنية، على وقع معارك عنيفة تدور رحاها في تخوم محافظة مأرب شرقي اليمن. 

 الملف الإنساني في اليمن حظى بأولوية على جدول أعمال الجلسة، إلى جانب التأكيد على ضرورة الحل السياسي وفق القنوات السلمية للخروج من نفق الحرب التي ترى الأمم المتحدة ضرورة إنهائها كأرضية للشروع في مفاوضات مشتركة تضم جميع أطراف الصراع. 

في الأثناء، يرى بعض المراقبين توقيت الجلسة مواتٍ، كونها تأتي بالتزامن مع قرار الإدارة الأمريكية الجديدة ايقاف قرار تصنيف جماعة أنصار الله (الحوثيين) من قائمة الإرهاب، بعد إدراجها من قبل الإدارة السابقة.

وكشف تقرير فريق الخبراء عن خفايا تلاعب وتبييض أموال قامت بها الحكومة اليمنية، في مقابل استحواذ وسيطرة من جانب سلطة أنصار الله (الحوثيين) على إيرادات بمئات الملايين من مناطق سيطرتها لتمويل عملياتها العسكرية، وممارسة صلاحيات ليست من اختصاصاتها. 

خسرت الحكومة المعترف بها دوليًّا أراضيَ "استراتيجية" لصالح الحوثيين والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا، إلى جانب وجود جبهة عسكرية مفككة، وسلطة أمنية رخوة

إخفاق وتعارض أجندات

ميدانيًّا، يؤكد التقرير على أن الحكومة اليمنية خسرت أراضيَ "استراتيجية" لصالح أنصار الله (الحوثيين) والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا، إلى جانب وجود جبهة عسكرية مفككة، وسلطة أمنية رخوة، ويفسر التقرير عجز الحكومة المعترف بها دولياً عن ضبط الحالة الأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بكونها نتاج لما يمكن اعتبارها "إخفاقات إدارية" أجملها الخبراء في "توزيع السلطة الاقتصادية والسياسية على مراكز إقليمية للقوة، وتجنيد قوات تابعة للدولة، لكنها تجند من قبل أفراد وكيانات خارج الدولة، والانقسام المتصور بين المؤيدين لحزب الإصلاح وغير المؤيدين له على المستوى السياسي والعسكري". 

وبحسب الخبراء، فإن التحالف السعودي الإماراتي "غير فعال" في فرض سيطرة موحدة على القوات المناهضة لأنصار الله (الحوثيين)، علمًا أن هذا التوصيف -الواسع نسبيًّا- يحتمل عدم الجدية في حسم هذه الجزئية من جانب التحالف، بقرينة ما تضمنه السياق من إشارة إلى وجود تعارض في الأجندات بين السعودية والإمارات، وجنوح الأخيرة إلى دعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي خاض صراعاً مريراً مع الحكومة المعترف بها دولياً، الأمر الذي حدا بفريق الخبراء إلى توجيه اللوم إلى الإمارات بوصفها "تدعم كيانًا يهدد السلام والاستقرار في اليمن"، إلى جانب الإشارة إلى أن تأثير قيادات الانتقالي (عيدروس الزبيدي وهاني بن بريك وشلال شائع) ما يزال قائمًا على الأرض، رغم منعهم من العودة إلى عدن من قبل التحالف. 

أما عن اتفاق الرياض، المبرم بين الحكومة المعترف بها دولياً والانتقالي الجنوبي في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، برعاية سعودية، فلا يبدو أن المراقبين يُبدون أي تفاؤل حيال إمكانية تطبيقه، حيث يذكر التقرير أن الاتفاق لم يحقق عمليًّا سوى "تقدّمٍ ضئيل" لم يحقق "أي إعادة تمركز ذات شأن للقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً أو الانتقالي الجنوبي"، وفقًا لما نص عليه الاتفاق. 

إلى ذلك، استشف التقرير وجود "مطامح تتعدى السيطرة العسكرية" لدى القوات غير النظامية (حراس الجمهورية) التابعة لطارق صالح في الساحل الغربي والمدعومة من الإمارات، في حين لم يحدد الخبراء ماهية تلك "المطامح" التي على الأرجح تحمل تلميحًا غير مباشر إلى تطلعات سياسية على المدى المنظور. 

في الوقت ذاته يشير المراقبون إلى أن وجود تلك القوات غير التابعة للدولة، وتعزيز طارق صالح لسيطرته السياسية والعسكرية في الساحل الغربي "شكّل تحديًّا لكلٍّ من سلطة هادي الرئيس المعترف به دولياً، ومساعي الشعب التهامي للحكم الذاتي في ظل هيكل فيدرالي مستقبلي"، وربما ذلك ما جعل المراقبين يُبدون تخوفًا من تبعات استثناء تلك القوات من أيٍّ من محادثات السلام القائمة. 

وبالمثل، اعتبر الفريق الأممي تشكيلات عسكرية غير نظامية أخرى -مثل تلك التابعة لحمود المخلافي في تعز- تشكل "تهديدًا للاستقرار في تعز"، ومع أن الفريق لم يبت في مصادر التمويل المستخدم لدعم جهود التجنيد التي تقوم بها هذه التشكيلات، إلا أنه رجَّح أن تدفقها يأتي "من دولة عضو في التحالف" لم يسمِّها. 

كما أبدى المراقبون عدم ارتياح إزاء "تعزيز حزب الإصلاح لسلطته العسكرية في تعز" من منطلق أن الفريق يرى "نفوذ أي حزب سياسي في المجال العسكري، إضعافًا للقوات المناهضة للحوثيين".

ولعل من المآخذ على التقرير، أنه اكتفى بنقل ما اعتبرها "مزاعم" من جانب السلطة المحلية في شبوة فيما يتعلق باتهام الإمارات وذراعها الأمني في شبوة المعروف بـ"النخبة الشبوانية"، بتقويض الأمن والاستقلال الاقتصادي في المحافظة وعرقلة استئناف تصدير النفط والغاز الطبيعي من ميناء بلحاف (خاضع لسيطرة القوات الإماراتية). 

ورغم أن هذه الجزئية على قدر من الأهمية في مثل هذا الموضوع، فإن التقرير جاء على ذكرها سياقيًّا، على لسان السلطة المحلية في شبوة دون البت فيها، أو الإشارة إلى أن التحقيقات جارية بشأنها، على غرار ما أُورد في بعض جزئيات التقرير. 

الحوثيون في معمعة التصعيد 

فيما يخص أنصار الله (الحوثيين)، استفاض الفريق الأممي في تفصيل واقع الحركة داخليًّا وخارجيًّا، ولا سيما فيما يخص الأمن الإقليمي والمائي ومصادر التسليح، إلى جانب ما تضمنه من رصدٍ توثيقي لعملية تسليح وتطوير القدرات العسكرية للجماعة في اليمن ، عبر طرق عدة ، الأمر الذي وطَّأ المِهاد للخبراء لتوجيه الاتهام الصريح للجانب الإيراني بالمساعدة في هذه العملية والخبرات التكنولوجية، وهو ما يعتبره فريق الخبراء الأممي -بحسب التقرير- انتهاكًا للفقرة 14 من القرار 2216 الصادر عن مجلس الأمن بشأن اليمن، إلى جانب تعيين إيران في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، سفيرًا ممثلًا لها في اليمن، الأمر الذي اعتبره الخبراء الأمميون "خطوة تهدد سلامة اليمن واستقراره"، كما تضمّن التقرير تأكيدًا على وضوح التقارب السياسي والانحياز الأيديولوجي للحوثيين تجاه إيران بصورةٍ أكثر تجليًّا من ذي قبل.

إلى ذلك، لم يُخفِ المراقبون ارتيابهم من احتمال إساءة استخدام الرحلات الجوية الإنسانية بين صنعاء ومسقط، مع ذلك، ينوه التقرير إلى عدم العثور على أي دليل على تواطؤ السلطات العمانية إزاء أي أنشطة مسيئة، ماعدا الإشارة إلى افتقارها لـ"القدرة على الإنقاذ".

قامت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا بتحويل 423 مليون دولار من أصل ملياري دولار أودعتها السعودية في خزينة البنك المركزي في 2018، وضخت هذا المبلغ "بصورة غير قانونية" لصالح تجار

هدر غير مسؤول للسيولة النقدية 

اقتصاديًّا، يتهم فريق الخبراء الأممي الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة أنصار الله (الحوثيين) بتحويل موارد البلاد الاقتصادية عن وجهتها الأصلية، في ظل استمرار الانكماش الاقتصادي الذي تنحدر إليه البلاد، الأمر الذي ترتب عليه "آثار مدمرة على السكان"، فالحكومة المعترف بها دولياً -بحسب التقرير- انخرطت في أعمال فساد وتبييض أموال أثرت سلبًا على حق اليمنيين في الحصول على الإمدادات الغذائية الكافية، وذلك عقب قيامها بتحويل 423 مليون دولار من أصل ملياري دولار أودعتها السعودية في خزينة البنك المركزي في 2018، وضخت هذا المبلغ "بصورة غير قانونية" لصالح تجار. بينما كان الهدف أن يمول هذا المبلغ خطًّا ائتمانيًّا لشراء سلع، مثل الأرز والسكر والحليب والدقيق، لتعزيز الأمن الغذائي واستقرار أسعار تلك السلع محليًّا، وهو ما لم يلتزم به البنك المركزي، لذا نوّه التقرير إلى أن "سوء إدارة الإيرادات المالية أضر بمصداقية الحكومة المعترف بها دولياً".

في المقابل، يُلفت التقرير إلى أن أنصار الله (الحوثيين) نجحوا "من خلال السيطرة على كيانات مدرة للدخل تابعة للدولة" وفرض ضرائب يصفها التقرير بـ"التعسفية وغير القانونية، حيث كشف التقرير عن تحويل الحوثيين في 2019 نحو 1,8 مليار دولار (تم تحصيلها من الضرائب وقطاعات مملوكة للدولة) لتمويل عملياتهم العسكرية (المجهود الحربي) فيما يرى فيه المراقبون، أن هذا المبلغ "كان من المفترض استخدامه لدفع رواتب الموظفين المدنيين المتوقفة منذ سبتمبر/أيلول 2016 وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين". 

إعادة تدوير الحرب

وبين السطور يتضمن التقرير -وإن لم ينص على ذلك صراحةً- ما يشير إلى أن جماعة أنصار الله (الحوثيين) أصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية والميدانية، بحكم الأمر الواقع، رغم افتقارها إلى الشرعية السياسية، خصوصًا في ظل عدم وجود جبهة عسكرية موحدة لدى الأطراف المناهضة المنقسمة على ذاتها إلى كيانات متنابذة، فضلًا عن قدرتها على تجييش السخط الشعبي في مناطق سيطرتها لصالحها على نحوٍ يعزز القبضة الحديدية للحركة ويخدم بقاءها فترةً أطول. 

ومما ساقه التقرير في هذا المنحى، أن "الغارات الجوية منحت أنصار الله (الحوثيين) فرصة لتوحيد السكان ضد أعدائهم"، في إشارة إلى توظيف الجماعة لأخطاء التحالف السعودي الإماراتي والحكومة المعترف بها دولياً في إكساب البروبغندا التي تبثها زخمًا مؤثرًا، لتبرير قمع أو "طرد من يُنظر إليهم أنهم يدعمون العدو" من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة للجماعة، إلى جانب عوامل أخرى قال التقرير إنها ساعدت الحوثيين على منع حدوث انتفاضات في الهياكل الحكومية التي بدا للخبراء أنها "تزداد استبدادًا". 

ومن المهم الإشارة إلى أن الفريق الأممي استبان ملامح التضاد غير المعلن داخل سلطة أنصار الله (الحوثيين)، التي لم يستبعد أن تشكل تهديدًا على القيادة العليا للحركة، ذلك أن "وراء ستار الوحدة الرقيق، يتنافس من هم في القيادة السياسية العليا لإثراء أنفسهم من الموارد الحكومية والعامة المحدودة"، رغم ذلك يؤكد التقرير أن القوات التابعة لحكومة صنعاء ظلت بمنأى عن "التنافر السياسي"، لكنه -من وجهة نظر الخبراء- "يقوض الجهود المبذولة في مجالي السلام والعمل الإنساني". مع الإشارة إلى أن التقرير وثّق انتهاكات مورست من قبل قيادات مهمة في سلطة صنعاء ضد جهات فاعلة في العمل الإنساني.

مستقبل ضبابي

بالمجمل، لا يوحي التقرير الأممي بانفراجة قريبة، أو بادرة سلام طويل الأجل، بقدر ما يكشف عن حقيقة مرَّة مفادها أن الحرب ساهمت في تعقيد الوضع في اليمن أكثر من ذي قبل، وأفسحت الهامش لظهور قوى وكيانات غير تابعة للدولة، فضلًا عن تعاظم قوة سلطة أنصار الله (الحوثيين) وقدرتها على إلحاق الضرر بالسعودية وحلفائها، الأمر الذي يعطي انطباعًا ضبابيًّا عن المآل المستقبلي لليمن، ويجعل إمكانية الحل الشامل فرضيةً عسيرة المنال، في المدى القريب على الأقل.


•••
أحمد عوضه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English